التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حين ندم طليقي (الفصل الأول: وثيقة الطلاق)

ترجّلتُ من سيارتي وسرتُ ببطء نحو القصر. كانت يداي ترتجفان، وجسدي يتصبب عرقًا.


ما زلتُ غير مصدقة أن الأمر قد انتهى. أنني أخيرًا تطلّقتُ منه. والدليل على ذلك كان في حقيبتي. جئت اليوم لأسلّمه الأوراق النهائية... ولأصطحب نوح.


دخلتُ المنزل، وتتبعتُ أصواتًا هامسة، لكنني توقفتُ فجأة عند اقترابي من المطبخ.


في تلك اللحظة، بات بإمكاني سماعها بوضوح، وما سمعته جمّد الدم في عروقي.


"لا أفهم لماذا لا يمكنك العيش معي ومع أمي؟" سأل نوح والده بصوت بريء.


وضعتُ يدي المرتجفتين على صدري، وقلبي يتألم من نبرة الحزن في صوته. كنتُ مستعدة لفعل أي شيء من أجله، لكن هذا الطلاق كان حتميًّا.


زواجنا كان خطأ. كل ما جمعنا كان خطأ. فقط استغرقني وقتٌ لأدرك الحقيقة.


"أنت تعرف السبب، نوح... لم نعد معًا، أنا ووالدتك." قالها بصوت خافت.


من الغريب حقًا... طوال سنوات زواجنا، لم يحدث أن كلّمني بذلك اللين. كان صوته دائمًا باردًا، خاليًا من أي مشاعر، مسطحًا، جامدًا.


"ولكن، لماذا؟"


"هذه أمور تحدث أحيانًا..." تمتم بها.


أستطيع أن أتخيل تعابير وجهه العابسة، محاولًا شرح الأمر لنوح كي لا يُكثر من الأسئلة. لكن نوح... هو ابني. الفضول يسكن في دمه.


"ألم تكن تحبها؟"


توقّف نفسي عند هذا السؤال البسيط المليء بالمشاعر. تراجعتُ خطوة إلى الوراء، وأسندتُ ظهري إلى الحائط. كان قلبي يخفق بقوة، وأنا أترقّب إجابته.


كنتُ أعلم جوابه. كنت أعلمه دائمًا. الجميع يعرفه، ما عدا نوح... على الأرجح.

الحقيقة أنه لا يحبني. لم يفعل يومًا، ولن يفعل أبدًا. كان ذلك واضحًا كوضوح الشمس.


ومع معرفتي بهذا، كنت لا أزال أريد سماع جوابه. هل سيخبر ابننا بالحقيقة؟ أم سيكذب عليه؟


تنحنح، محاولًا كسب الوقت. "نوح..."


"أبي، هل تحب أمي أم لا؟" سأل نوح مجددًا، بصوت حاسم.


سمعته يتنهد باستسلام، ثم قال أخيرًا: "أحبها لأنها منحتني إيّاك."


لم تكن إجابة... بل محاولة تهدئة فقط.


أغمضتُ عينيّ أمام سيل الألم الذي اجتاحني. بعد كل هذا الوقت... ما زال يؤلمني. شعرتُ بقلبي ينكسر مجددًا. لا أعلم لماذا، لكن جزءًا صغيرًا مني كان يأمل أن تكون إجابته مختلفة.


هو لم يقل لي تلك الكلمات الثلاث أبدًا. لا يوم زواجنا، ولا عندما أنجبت نوح، ولا في أيٍّ من السنوات التي تلت، ولا حتى عندما كنا ننام معًا.


لقد ظلّ يكبح مشاعره طيلة زواجنا. منحتُه كل ما لدي، بينما لم يُعطني سوى الألم وانكسار القلب.


كنا متزوّجين، لكن بدلًا من أن نكون اثنين، كنّا ثلاثة. أنا، هو، وحبّ حياته... تلك المرأة التي رفض أن ينسى أمرها طوال تسع سنوات.


امتلأت عيناي بالدموع، لكنني مسحتها سريعًا. تعبتُ من البكاء. تعبتُ من ملاحقة رجل لم يكن يرغب بي.


"ألم يخبرك أحد من قبل أن الاستماع إلى أحاديث الآخرين تصرّف غير مهذب؟"


اخترق صوته العميق السكون، قاطعًا أفكاري. اعتدلت في وقفتي، ودخلت المطبخ.


كان واقفًا قرب الطاولة الرخامية. روان وودز، زوجي السابق.


تلك العينان الرماديتان الساخرتان ثبتتاني في مكاني.


نظرتُ إلى ابني. فخري، وسر سعادتي. الشيء الوحيد الجميل في حياتي. وسامته بالتأكيد ورثها عن والده. شعره بني مثلي، لكن عيناه الرماديتان له.


"مرحبًا"، قلتُ بابتسامة صغيرة.


"مرحبًا أمي!" وضع نوح شطيرته التي لم ينتهِ منها بعد، وهبط عن المقعد، ثم ركض نحوي وعانقني بقوة عند خصري. "اشتقتُ إليكِ."


"وأنا اشتقتُ إليك، يا قلبي." قبّلتُ جبينه قبل أن يبتعد عني ويعود إلى طعامه.


وقفتُ هناك بشيء من الارتباك. هذا المكان كان يومًا منزلي، لكنه الآن لا يبدو كذلك. وكأنني دخيلة فيه.


وفي الحقيقة... لم يكن لي يومًا.


عن قصد أو دون قصد، بنى هذا المنزل وهي في ذهنه. كان منزلها الحُلمي. كل شيء فيه يعكس ذوقها، حتى الألوان.


وكان ذلك أول دليل على أنه لم يكن ينوي تركها أبدًا. وأنه لن يُحبني كما أحبها.


"ماذا تفعلين هنا؟" سألني وهو يحدّق في ساعته بانزعاج. "وعدتِ أن لا تقاطعي وقتي مع نوح."


"أعلم... لقد استلمت قرار الطلاق اليوم، وفكرت أن أحضره إليك بينما أمرّ لآخذ نوح."


تجمّدت ملامحه، وتحولت شفتاه إلى خط رفيع. وفي كل مرة ينظر إليّ بهذا البرود، أشعر أن جزءًا مني يتحطم. لقد أحببته منذ أن وعيت على الحياة، لكن ذلك لا يعني له شيئًا.


مرات ومرات حطم قلبي، وسحق روحي. واصلتُ حبي له. تمسّكت. ظننتُ أن الأمور ستتغير... لكنها لم تفعل.


ظننتُ أنني حين أتزوّجه سأحصل أخيرًا على الحب... ذاك الذي طالما اشتقتُ إليه منذ طفولتي. لكنني كنتُ مخطئة. الزواج كان كابوسًا. كنتُ دائمًا أُقاتل شبحًا من ماضيه... شبح فتاة لم أستطع أن أكون مثلها، مهما حاولت.


فركتُ صدري محاوِلة تهدئة الألم المقيَّد هناك.


لكن لا فائدة. الألم ما زال ينهشني، رغم مرور شهور على انفصالنا.


"نوح، هلّا صعدت إلى غرفتك؟ والدتك وأنا بحاجة للحديث."


قال روان بأسنان مشدودة، وقد خرجت منه كلمة والدتك ممتلئة بالاشمئزاز.


نظر إلينا نوح لبرهة، ثم أومأ برأسه.


"لا تتشاجرا"، أمرنا، ثم خرج.


وما إن غاب عن السمع، حتى ضرب روان الطاولة بقبضته غاضبًا. عيناه الرماديتان كانتا جليديتين وهو يوجه حديثه إليّ.


"كان يمكنك إرسالها إلى مكتبي بدلًا من أن تقاطعي وقتي مع ابني!" خرجت كلماته كزئير، ويداه مشدودتان، وكأنه على وشك الانفجار.


"روان..." تنهدتُ، دون أن أستطيع إكمال الجملة.


"لا! اللعنة، لا! قلبتِ حياتي رأسًا على عقب قبل تسع سنوات، وها أنتِ تعيدين الكرّة بطلبك هذا الطلاق اللعين! هل كانت طريقتك في الانتقام؟ أن تبعديني عن ابني لأنني لم أستطع أن أحبك؟ دعيني أقولها لك يا آڤا... أنا أكرهك، بحق الله، أكرهك!"


كان يتنفس بصعوبة عندما انتهى من تفريغ غضبه. كلماته خرجت كالرصاص، تخترق صدري دون رحمة. شعرتُ بها تمزق قلبي المكسور أصلًا.


"أنا... أنا..."


ما الذي يمكن أن يُقال، عندما يعترف الرجل الذي لا زلتِ تحبينه بأنه يكرهك؟


"فقط، اخرجي من منزلي اللعين... سأُعيد نوح إليكِ عندما ينتهي وقتي معه." قالها بحدّة.


وضعتُ وثيقة الطلاق على الطاولة. كنتُ على وشك الاعتذار، حين رنّ هاتفي.


أخرجته من حقيبتي، وتفحّصت اسم المتصل.


أمي.


رغبتُ في تجاهله، لكنها لا تتصل إلا لأمرٍ مهم.


مرّرت إصبعي على الشاشة، ورفعت الهاتف إلى أذني.


تنهدتُ: "أمي..."


لكنها لم تمنحني فرصة لإكمال الجملة.


"اذهبي إلى المستشفى حالًا! والدكِ... لقد أُصيب بطلق ناري!" قالتها بصوت هستيري، ثم أغلقت المكالمة.


سقط الهاتف من يدي. شعرتُ بالذهول.


"ماذا هناك؟" اخترق صوته أفكاري المرتبكة.


وقلبي يخفق بعنف، التقطتُ هاتفي من الأرض، وأجبتُه دون أن أنظر إليه:


"أبي... لقد تم إطلاق النار عليه."

الفصل الثاني 🟦 المقدمة

لتلقي تنبيه فور نزول فصل جديد الرجاء متابعة 👇🏻 

روايات جيجي (للبنات فقط)

روايات رومانسية - Romance Novel

تعليقات

إرسال تعليق

شاركنا برأيك في التعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين ندم طليقي (الفصل الثاني: آسف لخسارتك والدك)

 "يجب أن أذهب... هل يمكنك البقاء مع نوح؟ لا أعلم كم من الوقت سأمكث هناك"، قلتُ بشرود بينما كنت ألتقط حقيبتي. "بالطبع... سأأتي حالما أطلب من والدتي أن تأتي لتبقى معه"، أجاب روان، لكن صوته تلاشى وسط طنين أذنيّ. لم أعد أعي ما يدور حولي بينما ودّعتُ ابني وغادرت. ركبتُ السيارة، وبدأتُ القيادة نحو المستشفى، وذهني غارق تمامًا في الذكريات. لقد نشأتُ في جوّ من الإهمال العاطفي، إن صح التعبير. كنتُ الطفلة التي لم يُبالِ بها أحد من والديّ. كان والدي يفضّل أختي الكبرى، إيما. كان يناديها دائمًا "أميرتي"، و"فتاتي الصغيرة". أما والدتي، فكان ابنها المفضل هو أخي الأكبر، ترافيس. كانت تراه الفتى الوسيم المدلل لديها. وأنا؟ لم أكن مفضّلة لدى أحد. كنت فقط آڤا. دائمًا ما شعرت أنني غير مرغوبة. دخيلة. ليس فقط من قِبل والديّ، بل من إخوتي أيضًا. مهما فعلت—تحصيل دراسي جيد، رياضات، أنشطة مدرسية—كنت دائمًا أقف على الهامش. أنظر من الخارج إلى الداخل، وكأنني أراقب عائلة سعيدة لا أنتمي إليها. وبعد ما حدث قبل تسع سنوات، انقطعت تمامًا العلاقة الهشة التي كانت تربطني بعائلتي. ترافيس ب...

حين ندم طليقي (الفصل الرابع: محطمة كلياً)

 هل شعرت يومًا وكأن قلبك وُضع داخل مفرمة لحم؟ هذا تمامًا ما أشعر به الآن وأنا أنظر إليهما. أشعر وكأن قلبي تمزّق إلى قطع صغيرة. لو كان بإمكاني أن أنزع هذا العضو عديم الفائدة وأرميه بعيدًا، لفعلت. لأن الألم الذي ينهشني الآن لا يمكن تصوره. أردت أن أهرب. أن أُبعد نظري، لكنني لم أستطع. كانت عيناي ملتصقتين بهما، وكلما حاولت أن أُدير وجهي، شعرت وكأنهما التصقتا بهذا المشهد المُفعم بالحب أمامي. أراقبهما وهما ينفصلان عن بعضهما. عينا روان تلينان وهو يحدّق في حبّ حياته. أشاهده وهو يضع كفيه على وجهها، يقربها منه... لا يُقبّلها، فقط يُسند جبهته على جبهتها. يبدو... مسالمًا. وكأنه أخيرًا عاد إلى منزله بعد غيابٍ طويل. وكأن روحه اكتملت أخيرًا. "اشتقتُ إليكِ" قرأتُ الكلمات وهي تتكوّن على شفتيه. لم أرغب في تخيّل ما كان سيحدث بينهما لو التقيا في ظروف مختلفة... لو التقيا ونحن لا نزال متزوجين. هل كان ليخونني معها؟ جزء مني يريد أن يرفض هذا الاحتمال، لكنني لست واثقة. نحن نتحدث عن إيما. روان قد يذهب إلى الجحيم ويعود من أجلهَا. غير قادرة على تحمّل المزيد، وقفتُ واندفعتُ إلى الخارج. ما إن وصلتُ حتى بدأت...