عدَّلت غطاء رأسي (الهودي) حتى أبدو بمظهر لائق، لا كمن خرج لتوّه من مواجهة مباشرة مع الموت.
قال نوح وهو ينظر إليّ بريبة:
"لماذا ترتدين قبعة يا أمي؟"
كنا نتحدث عبر سكايب، بعد أن أجلت المحادثة مراراً وتكراراً. والسبب الرئيسي أنني بالكاد كنت أستطيع إبقاء عينيّ مفتوحتين لأكثر من خمس دقائق. لكن اليوم، شعرت بتحسن كبير.
اتكأتُ على مسند رأسي. كانت القبعة لإخفاء الضمادة. نوح لا يعرف ما حدث لي، وسأتأكد من أنه لن يعرف أبداً.
كذبت عليه قائلة:
"الجو بارد قليلاً، وأشعر ببعض القشعريرة."
شعرت بالذنب لأنني كذبت عليه، لكنني أعلم أن ذلك لمصلحته. لا داعي لأن أقلقه.
ردّ قائلاً:
"لكن لدينا مدفأة يا أمي، كان بإمكانك تشغيلها فقط."
قلت:
"إنها لا تعمل، ونسيت أن أطلب من أحد إصلاحها."
اللعنة، أكره الكذب عليه. جزء مني يشعر أنني أم سيئة لأنني لم أفعل شيئاً سوى الكذب عليه منذ وفاة والدي. لكن الجزء الآخر يفهم أن الأمر ضروري.
قال بشك:
"حسناً إذن."
سألت بسرعة لتغيير الموضوع:
"وماذا فعلت اليوم؟"
كل شيء يفعله يثير حماسي حتى وإن لم أكن هناك لأشاركه به. سعادته هي سعادتي، وسأحميها مهما كلف الأمر.
تحولت ملامحه من العبوس إلى ابتسامة عريضة.
"رأيت الدلافين اليوم! بل وسبحت معها... لقد كان الأمر ممتعاً جداً!!" صرخ بحماس، وكان حماسه معدياً.
قلت بشوق:
"ليتني كنت هناك لأراك."
أجاب مطمئناً:
"لا تقلقي، جدتي صورت فيديو، وقالت إنها سترسله إليك."
هززت رأسي موافقة. كنت قد قبلت الهاتف الجديد الذي أحضره لي روان. واتضح أنه لم يشترِ لي هاتفاً فقط، بل استبدل شريحتي أيضاً.
حاولت أن أتجنّب روان قدر المستطاع. كان يتصل أحياناً للاطمئنان عليّ، وكنت أحاول إبقاء تلك المكالمات قصيرة ورسميّة. كما قلت، أردت أن أعيش بسلام، وتدخل روان في حياتي كان سيحرمني من ذلك السلام. خاصةً إذا كانت إيما ضمن المعادلة.
سحبني صوته المفاجئ إلى الواقع:
"أمي، لماذا كانت إيما في منزل أبي؟"
قلت بتعجب:
"ماذا تقصد؟"
قال وهو يعبس بوجه يشبه عبوس والده تماماً:
"تحدثت مع أبي عبر سكايب البارحة، وكانت تجلس قريبة منه وتمسك بيده... لم يعجبني ذلك."
تظاهرت بأن كلماته لا تؤذيني، لكن في أعماقي، كانت تؤذيني بشدة. معرفة أن روان قد بدأ يعيش حياة جديدة مع إيما تعيد الألم الذي حاولت دفنه بكل وسيلة.
لماذا نخدع أنفسنا ونظن أننا تجاوزنا الماضي؟ ثم عندما نتعرض لموقف بسيط، ينهار كل ذلك التظاهر ويعود الألم مضاعفاً مئة مرة.
تمتمت محاوِلة إخفاء رجفة صوتي وتأثري:
"لا أعلم، يا حبيبي، عليك أن تسأل والدك."
لن أشرح الأمور لنوح. إذا رأى روان أنه من المناسب أن يعرض علاقته بإيما أمام ابننا، فعليه أن يكون هو من يشرح له.
قال بنبرة حزينة كسرت قلبي المكسور أصلاً:
"أريدك أنت وأبي أن تعودا معاً، لنصبح عائلة من جديد."
قلت بهدوء:
"نوح، عليك أن تفهم أن والدك وأنا مختلفان كثيراً ولا يمكننا أن نبقى معاً."
كنا نتظاهر أمام نوح. نحاول منحه وهم الحب والوئام. لكنه كان وهماً فقط. روان بالكاد كان يحتمل وجودي، لكن نوح لم يلاحظ ذلك أبداً.
حين أتذكر الآن، أتمنى لو أنني رفضت عرضه بالزواج حين طلبه بعد أن اكتشف حملي غير المقصود. كنت ساذجة حينها، أظن أنني سأجعله يحبني مع الوقت.
ظننت أن الحب سيأتي لاحقاً... لكنه لم يأتِ أبداً.
كان قلبه مقفلاً، ومفتاحه مع إيما. حتى عندما كنا حميمين، لم يكن الأمر يعني له شيئاً. كان مجرد عملية بيولوجية. بينما كنت أعطيه مشاعري، هو لم يعطني شيئاً.
لم نصنع الحب يوماً، لأنه لم يكن يحبني. ما كنا نفعله مجرد جنس، وحتى حينها كان حذراً ألا يجعلني حاملاً مجدداً. ألا يكرر "خطأه" السابق.
سأل نوح، بنفس السؤال الذي وجّهه إلى والده قبل أسابيع:
"ألا تحبينه؟"
كنت أود الكذب عليه، لكنني كذبت كثيراً بالفعل.
قلت بصوت صادق:
"أحبه، لكن أحياناً الحب لا يكفي وحده. لن تفهم هذا الآن، لكن حين تكبر، ستفهم."
أتمنى من كل قلبي ألا يمر نوح بما أمر به أنا. أريده أن يحب ويُحب. وعلى الرغم من أنني أكره قول هذا، إلا أنني أرجو أن يحصل يوماً على الحب الذي يجمع بين روان وإيما. الحب الذي صمد أمام الزمن وما زال يشتعل. وأصلي أن أجد أنا أيضاً هذا النوع من الحب يوماً ما.
طرقٌ خفيف على بابي المفتوح جعلني أرفع رأسي.
قالت ليديا:
"هناك من يريد رؤيتك، آفا."
أخيراً أقنعتها أن تناديني باسمي بدلاً من "سيدتي". وأنا ممتنة لأن لاتي أقنعتني بأن أدعها تبقى، فقد كانت عوناً كبيراً. بل إنها تساعدني في بعض الأعمال المنزلية. لا أدري كيف كنت سأعيش من دونها.
سألني نوح:
"من هذه يا أمي؟"
أشرت إلى ليديا لتدع الزائر يدخل، ثم التفت إلى نوحي الحبيب وقلت:
"إنها سيدة لطيفة اسمها ليديا، جاءت لتساعدني في الأعمال المنزلية."
بينما كان ذهني مشغولاً بمن قد يكون هذا الزائر. إن كان حدسي صحيحاً، فإما أن تكون لاتي أو إيثان. كلاهما زارني من قبل للاطمئنان عليّ.
قال نوح بريبة:
"ولماذا تحتاجين للمساعدة؟ لم تحتاجيها من قبل، أنتِ سوبر ماما."
كان محقاً بالطبع. كنت أفعل كل شيء بنفسي، حتى وأنا أعيش في قصر روان. ظننت أن ذلك سيجعله يراني بصورة مختلفة. أن يرى أنني لست مدللة مثل إيما التي لا تعرف حتى كيف تغلي الماء. ظننت أن ذلك سيكون نقطة تحسب لي ضد إيما.
كم كنت مخطئة. لم يكن ذلك يعني له شيئاً. كنت غبية بما يكفي لأعتقد أن اهتمامي بطهي كل وجبة في البيت سيجعله يكرهني أقل. أنني قادرة على الاعتناء بأسرتي وعملي في آنٍ واحد.
"أمي؟" ناداني بصوت هادئ.
كنت أعلم أنه يريد إجابات، لكنني أنقذت من هذا الموقف عندما دخل ترافيس غرفتي.
كان آخر شخص أرغب في رؤيته، لكن هذا لا يعني أنني لن أستخدمه كعذر للخروج من المحادثة.
قلت:
"نوح، سأتصل بك لاحقاً... خالك وصل، وأحتاج أن أتحدث معه."
تنهد وقال:
"حسناً إذن يا أمي."
ودعنا بعضنا وأغلق المكالمة. وما إن فعل، حتى اختفت الابتسامة عن وجهي.
نظرت إلى ترافيس بجمود وقلت:
"ظننت أنني قلت لك أنني لا أريد رؤيتك مجدداً."
تحرك بتوتر من قدم لأخرى وقال:
"أنتِ أختي، أردت فقط الاطمئنان عليك."
ضحكت بسخرية:
"أختك؟ هل أنت متأكد يا ترافيس؟ لأنني، حسب ما أذكر، لم أكن أختك طوال السنوات التسع الماضية... بل أكثر، إذا أردنا الصراحة. كنت ترى أن لك أختاً واحدة، ولم تفشل يوماً في تذكيري بذلك."
ما زال الأمر يؤلمني بشدة. أن تُرفض من زوجك، وعائلته، وحتى من عائلتك نفسها. الرفض مؤلم حد اللعنة، وقد تلقيت منه ما يكفيني لعمر كامل.
قال:
"آفا..."
قاطعته:
"ابتعدتُ عن أختك وحب حياتها كما طلبتَ مني، والآن أطلب منك بالمقابل أن تبتعد عني، وسنكون بخير."
قال:
"نحن عائلة."
رفعت يدي وقلت بحزم:
"سأوقفك هنا. أنتم، أمي وإيما، أنتم العائلة. أنا لست جزءاً منكم، لم أكن يوماً، وتأكدتم جميعاً من أنني أعلم ذلك، مرة تلو الأخرى."
كان من المؤلم قول تلك الكلمات، لكنها الحقيقة. استبعدوني من كل شيء، وجعلوني أشعر وكأنني دخيلة لا تنتمي إليهم.
صرخ بغضب:
"أعطيتِ لاتي فرصة، لماذا لا تعطينا نحن أيضاً؟"
قلت بمرارة:
"لاتي كانت طيبة معي. لم تعاملني كأنني نفاية بسبب خطأ ارتكبته حين كنت في الثامنة عشرة، وواقعة في حب شخص غبي لم أكن أرى أنه لن يحبني يوماً."
أخبرتني سكارليت أنها عرفت الحقيقة. وأن ترافيس أخبرها عندما أصبحت علاقتهما جديّة، ولاحظت استبعادي من التجمعات العائلية.
قلت بصوت هادئ قاتل:
"غادر يا ترافيس، ولا تعد. في الواقع، اعتبرني ميتة، وانسَ أنك كنت تملك أختاً اسمها آفا."
ثم استدرت واستلقيت على سريري، مديرة ظهري له. ساد الصمت لوهلة، ثم سمعت خطواته وهو يغادر.
لم أستطع منع دموعي من أن تبلل وسادتي. أراد مني الكثير. أعطيتهم كل ما أملك. أحببتهم رغم كراهيتهم لي. ظللت آمل وأدعو، وأسكب لهم محبتي، معتقدة أنهم سيحبونني يوماً ما، ويعاملونني كواحدة منهم.
لكنهم داسوا على ذلك الحب، وكسّروا قلبي مراراً وتكراراً.
والآن، يريد أن يكون جزءاً من حياتي؟ ألا يدرك أنه فات الأوان؟ لقد حطموني حتى لم يبقَ في داخلي شيء لأعطيه. أنا فارغة عندما يتعلق الأمر بهم.
_________
لتلقي تنبيهات فور نزول فصل جديد الرجاء متابعتنا على 👇🏻
خطأها انها أحبت حبيب اختها واصبحت حامل معتقدةانه هيحبها وينسى اختها اختها ايما معذورة سرقت حبيبها منها وزوجته وانجبت نوح بصراحة عائلتها معاها حق
ردحذفافا، اين كان عقلكي عندما فرقتي بين حبيبين
ردحذفوهو ليش اقدم لافا، كان على الاقل يتزوج ايما، دا ايه الخربطة دي، طيب ليش كل التعقيدات اللى عملتها
ردحذف