شعرت سيسيليا بالخوف بسبب الدماء في رقبتها وبسبب غضب أدريان منها.. لم تره غاضباً بهذا الشكل من قبل.
كضم أدريان نفسه حتى لا يتمادى وقبض يديه في قبضتين بجانبه..
عادت به ذاكرته عندما كان طفل في الحادي عشر وسمعها تتحد مع زوجة أبيه ضده.. كان قد غضب منها حينها ولكنه مع الوقت تغاضى عن الأمر عندما لم تضره وعن طريقها استطاع التلاعب في المعلومات التي تحصل عليها زوجة أبيه عنه!!
ولكن أن تتجسس عليه لصالح الملك وابنه.. هذا كثير ولن يستطيع تحمله مهما كانت مشاعره حولها.
زادت مشاعره اضراباً فأمسكها من ذراعها وجرها من يدها إلى زنزانة تحت القصر.. فجميع القصور هنا لها زنازين.
كان يعلم أنها تخاف من الظلام.. كيف لا يعلم ولطالما قد أنقذها من عقاب زوجة والده لها ففي قبو القصر سابقاً.
نظر لها وهي ساكنة ولا تتكلم.
"لما لا تتحدثين؟ لما لا تدافعين عن نفسك؟"
قال لها قبل أن يخرج ويقفل عليها باب الزنزانة، ولكنها كانت ناكسة رأسها وهي ملقاة على الأرض دون أي ردة فعل.
"أما عدتِ تخافين من الظلام؟"
وحين لم تجبه أقفل الباب وخرج وتركها.. قرر أن يبقيها حتى تعترف بجرمها.
**
أما سيسيليا فقد أحست بالضعف والعجر والخوف.
’إنا وحيدة في هذا العالم ولا أعلم إن كنت سأنجو أم لا.. إن لم أخبر الأمير بأسرار أدريان سيعتبرني خائنة ويقوم بإعدامي.. وإن أخبرته فسيعتبرني أدريان خائنة ويعدمني!!‘
تلمست رقبتها في الظلام وشعرت بالدماء تسيل..
’يبدو أن السقطة زادت الجرح سوءاً‘
’سأحاول النوم وغداً سأفكر في حل لهذه المشكلة‘ قالت سيسيليا.
مر بعض الوقت وسمعت باب الزنزانة يفتح، فتحت عينيها بصعوبة بسبب اعتيادها على الظلام.
وقفت واتجهت نحو الباب وهي تفرك عينيها لتعداد على الضوء وتستطيع الرؤية.
"سيدي!!"
"ألن تطلعيني عن سبب زيارتك للأمير؟" قال بصوت حزين.
كان مظهره غريب.. كما لو كان لم ينم.. إنها الآن قرابة الفجر.
نزلت دمعة من عينها بسبب ادراكها التام أنها تعشقه:
’ولكن هو أبداً لن يكون لي، أنا فعلاً جبانة كما قال لي سابقاً في حفلة التنكر‘ قالت سيسيليا لنفسها تؤنبها.
مد أدريان يده ومسح دمعة قد سقطت على خدها، ثم نزلت يده تتلمس معالم وجهها وقال:
"صورة ملامحك محفورة في عقلي أراها في ذاكرتي وأحلامي.. أرى مشاهد لنا سويا وكأننا عشنا في عالم آخر!" قال أدريان.
هنا ازدادت دموع سيسيليا فنزل بإصبعه ولمس شفتيها، وبحركة مفاجئة دفعها على الحائط وقبلها...
فتحت سيسيليا عينيها بصدمة، ولكن لم تستمر صدمتها طويلاً بل مدت يديها نحو رأسه لتتغلل أصابعها في شعره وتجذبه نحوها..
"جزرتي اللذيذة" قال ذلك وهو يمد يديه لظهرها ويزيد من ضمها بقوة.
شعرت بالخوف وبالسعادة في نفس اللحظة..
ولكنها تراجعت للخلف خوفا من جرح قلبها..
نظر لها في البداية بغير فهم.. ولكن بعد لحظة ابتسم ابتسامة جانبية وقال:
"لما تفعلين ذلك؟"
ثم شدها من ذراعها بقوة وأدارها ليرتطم ظهرها بصدره بقسوة، شدها من شعرها للخف وذراعها ملتوية خلف ظهرها وهمس بصوت يقطر غضباً:
"لن أسألك مرة أخرى يا سيسيليا.. إنها فرصتك الأخيرة!"
ولكنها رفضت التحدث..
’أيعقل أن يكون في لحظة قريب وحنون وفي اللحظة التالية متعجرف وقاسي!‘ فكرت سيسيليا بحزن.
التفت ليخرج وعندما وصل إلى الباب قال:
"عودي لغرفتك!"
لم تتوقع أن يقول لها ذلك..
’أيعقل!! يسمح لي بالذهاب لغرفتي حتى وهو يعتقد إنني أتجسس عليه لصالح الأمير؟‘
لم تنتظر سيسيليا حتى يعود في رأيه واتجهت بسرعة للمطبخ تبحث عن شيء لتضمد به رقبتها، فقد نزف جرحها مجددا عندما أدارها لظهره وعاملها بعنف..
دخل أدريان للمطبخ بعد أن شاهدها تركض في اتجاهه، وقف أمام الباب يشاهدها تبحث عن شيء ما.
"هل تبحثين عن شيء معين" قال عندما لاحظ ارتباكها.
"أووه.. لقد افزعتني"
ثم لاحظ الدماء التي على رقبتها وتلوث ثيابها فقال لها:
"مما هذا؟"
"حارس الملك اعتقد إنني جاسوسة فقام بتهديدي بخنجره مما أدى لهذا الجرح"
لاحظت ليون في ملامح أدريان الذي أضاف:
"هل أقوم بإيقاظ هيلين حتى تعالج لك الجرح؟"
"لا.. لا، لا تقلق، سوف أقوم بمعالجته بنفسي"
ولكنه اقترب منها ورفع لها ذقنها ليشاهد الجرح عن قرب.
"ليس عميق إنه فقط جرح خارجي"
قال ذلك واستمر في التحديق بها مما زاد من ارتباكها فقالت:
"سأذهب للنوم!"
رفعت ثوبها الطويل قليلاً لتخرج من المطبخ ولكنه استوقفها قائلاً:
"انتظري!"
ثم امسكها من يديها ووجهها نحو الكرسي وقال:
"اجلسي!"
’لا تزال كما أنت يا أدريان.. لا تتحدث إلا بالأمر‘ قالت في نفسها.
جلس أمامها هي على الكرسي وهو على الأرض ثم نظر للجرح وتفحصه، وقف فجأة وقال:
"سأسخن الماء من أجل التعقيم!"
"أنت؟ ستفعل ذلك بنفسك؟"
لم يجبها بل بدأ في تجهيز الموقد ووضع عليه قدر الماء.
بعد أن غلت المياه جلس ثانية على الأرض بعد أن وضع قدر الماء الساخن وقطعة نظيفة من القماش وليمون حامض على الأرض أيضاً.
"تعالي إلى هنا"
قال وهو يشير إلى ساقيه:
"تعالي واجلسي هنا"
نظرت له بغير تصديق.
"لا يمكن أن تكون جاداً!"
"هيا اجلسي ولا تضيعي الوقت"
جلست بجانبه فطلب منها الاستلقاء ووضع رأسها على ركبته.
بدأ يمسح لها الدماء بعد أن يغمس المنشفة في الماء الساخن.
أخذت تتأمل ملامح وجهه ونظراته وهو يعمل على تنظيف الجرح، ولكنها لم تستطع التماسك وعدم النظر له.
"سأفتح ثوبكِ من فوق قليلا، الرقبة عالية ولم أستطع تنظيف الجرح جيدا"
أومأت بالموافقة.
نظف لها الجرح وبعد أن انتهى مرر ظهر يديه على وجهها ثم قرب أنفه ودسه في شعرها ليشتم رائحتها.
"رائحة شعرك مثل المشمش أو الأزهار"
اعتدلت في جلستها وقالت وهي تتجنب النظر لعينيه التي تأسرها:
"شكراً لك سيدي"
أمسك يدها وقبلها ببطء.. ثم ابتسم ابتسامة جانبية وقال:
"اذهبي للنوم يا سيسيليا.. إنه الأفضل لك!"
**
في الصباح التالي وفور أن دخلت للمطبخ ضمتها هيلين وهي تبكي:
"لقد أخبرني السيد أدريان ما حدث معك في الحفلة الموسيقية، قال إن بعض المرتزقة قد تعرضوا لك"
ابتسمت سيسيليا وهي تفكر:
’كم هو شعور جميل لتعرف أن أحدهم مهتم بكِ‘
"لا تقلقي أنا بحالٍ جيد، ماذا يوجد لدينا من عمل اليوم!"
"ربما تحتاجين للراحة لا عليكِ.."
’كنت أعتقد أن الجميع سينبذني اليوم، ولكن أنا الآن أدركت أن أدريان لم يخبرهم بشيء‘ فكرت سيسيليا.
"لا أبداً.. إن الجرح بسيط وخارجي"
"ستأتي الأميرة جيسيكا اليوم لشرب الشاي مع أدريان"
نظرت سيسيليا بسخط وقالت:
"ولكن لماذا؟ هل يسمح لها بزيارة كل من تشاء في قصره؟"
لم تكن بحاجة لسماع الرد.
لم تلتقي بأدريان اليوم أبداً.
’هل هو أيضاً يتجنب ملاقالي يا ترى!!‘
بعد مرور بعض الوقت كانت الأميرة جيسيكا قد وصلت، وهي متنكرة كما المرة الماضية..
"خذي لهما الشاي.. ولا ترتكبِ أي حماقات.. إنها وصية السيد أدريان"
"هل قال هو ذلك؟"
"أجل"
شعرت سيسيليا بالضيق وفكرت أن تلقنه درساً....
🫣🫣🫣
ردحذف