التخطي إلى المحتوى الرئيسي

البليونير الذي يحاول إذلالي (الفصل الأول)

هل أنت سادي؟ 



أمام مقر شركات جراهام العالمية وقفت كاثرين تنظر للمبنى بذهول، كانت بناية ضخمة جداً متكونة من ثلاثون طابقاً على الأغلب، نظرت للساعة في هاتفها ووجدت أنه تبقى على الموعد عشرة دقائق فحسب.

قالت في نفسها: 'لا وقت لدي لقراءة الأسئلة الآن فأنا متأخرة بالفعل، حسناً، لا يهم فهي مجرد أسئلة عليّ قرائتها له وتسجيل صوت إجاباته وانتهى الموضوع، أين الخطورة في ذلك!؟'

قالت ذلك في نفسها وهي تخطوا اتجاه الباب الرئيسي، فهي تغطي مكان زميلتها الصحفية التي أصيبت بحادث فجأة، وكان يفترض أن تقوم بلقاء صحفي مع مؤلف رواية "الوريث!" التي نالت شهرة كبيرة.

وها قد كلفها مدير التحرير أن تقوم بالمهمة وتحل محل سالي اليوم.

'اللعنة عليكِ يا سالي، لم تتعرضي لهذا الحادث إلا اليوم!! أنا لا أحب هذا المؤلف، إنه يكره النساء ويعذبهم في رواياته'

تملكتها الرهبة والخوف ما إن عبرت باب الشركة الضخم، سرت قشعريرة في جسدها وهي تنظر للموظفين الذين يمشون بسرعة من حولها، كانوا فائقين الأناقة، ثم نظرت إلى ثيابها البسيطة التي ترتديها، جينز باهت وقميص وردي وسترة زرقاء شاحبة، وشعرها البني في ذيل حصان ووجهها خالي من مساحيق التجميل، فهذا مظهر الصحفية!!.

رفعت رأسها وهي تقول في داخلها:
'توقفي يا كاثرين عن الرثاء على النفس، هذا ليس وقته!'

'لا أعلم كيف بليونير ورجل أعمال مخضرم مثله يجد الوقت للكتابة والتأليف!!'

قطع حبل أفكارها صوت من خلفها: "هل أساعدكِ في شيء ما يا آنسة؟"

التفتت لمصدر الصوت لتجد موظفة استقبال تبتسم لها.

'لابد وأنها مصدومة من مظهري!'

قالت ذلك في عقلها وهي ترد لها ابتسامتها وتسير نحوها لتقول:

"أنا كاثرين لورانس، لدي موعد مع السيد جاسون جراهام"

نظرت الموظفة لجهاز الحاسوب أمامها ثم رفعت رأسها وقالت والابتسامة لا تزال على وجهها:

"صحيح آنسة كاثرين، أنتِ بديلة الآنسة سالي مورغان، موعدك بعد خمس دقائق، سأرسلك عبر المصعد الخاص للسيد جراهام حتى لا تتأخري"

"شكراً لكِ!"

'لابد إنها المرة الأولى التي تشاهد فيها امرأة لا تأتي متأنقة لمقابلة هذا الغني المغرور!!' فكرت باستهزاء.

قامت كاثرين بشكر الموظفة واتجهت نحو المصعد الذي أشارت إليه وادخلت البطاقة التي سلمتها إياها ففُتح الباب، مرت ثواني ووجدت نفسها في رواق مختلف تماماً عن الاستقبال، ووجدت فتاة شقراء أخرى في انتظارها، استلمت منها حقيبتها وقالت وهي مبتسمة بابتسامة مبالغ فيها:

"يُمنع ادخال حقائب الغرباء لمكتب السيد جراهام، آنستي"

لم تتاجدل كاثرين معها على غير العادة، في الأساس لم تجد وقتاً لذلك فقد قادتها مباشرة نحو مكتبه، فهي قد وصلت على الموعد تماماً.

فتحت الموظفة الباب وقالت:

"تفضلي آنسة كاثرين!"

إن المكتب بحجم شقتها أو أكبر تقريباً، وكان السيد جراهام يقف أمام نافذة ضخمة وظهره لها، كان طويل وعريض الظهر.

قالت الموظفة:

"سيد جراهام، إنها الآنسة كاثرين لورانس بديلة الآنسة سالي مورغان"

لم يلتفت إليهم ولكنه قال:

"ذكريني بالموعد الذي بعد ربع ساعة ولا تزعجينا الآن!"

كان صوته هادئ ولكن لا تستطيع تجاهل نبرة الأمر والسيطرة فيه. خرجت الموظفة وبقيت كاثرين في حيرةٍ من أمرها، حتى قال بصوت آمر:

"اجلسي!"

'أيها المغرور المتحذلق'

رغبت كاثرين في قول ذلك بشدة ولكن لم تكن لديها الجرأة، فربما أفسدت هذا اللقاء الذي ينتظره مدير التحرير منذ أشهر وتتسبب في طردها حينها!

جلست كالبلهاء ولم تتحدث تنتظر منه أن يجلس، ولكنه قال لها بلهجة ساخرة وكأنه يستغرب صمتها:

"هيا إسألي يا آنسة كاثرين، أنا أسمعكِ!"

اجلت حنجرتها وبدأت في أول سؤال:

"هل أنت متزوج؟"

شعرت وكأنها في امتحان وأصابعها ترتجف وهي تدون إجابته.

'اللعين لم يجلس لكي أسجل صوته'

'بالطبع لن أطلب منه ذلك، هذا اللئيم الشرير!'

أجاب على سؤالها: "لا"

وبعد تسعة أسئلة حول الرواية وكتاباته؛ أجاب وهو ينقر بأصابعه على زجاج النافذة في علامة على أنه أصيب بالملل مما سبب لها الارتباك.

قالت السؤال الأخير وهي تتنفس الصعداء أن هذا الكابوس قد انتهى:

"هل أنت شخص سادي وتتلذذ بتعذيب النساء في العلاقة كما في رواياتك!؟"

قرأت السؤال دون أن تدرك ما كانت تقوله ثم رمشت عدة مرات وهي تنظر إلى الورقة.

'تباً لكِ يا سالي!'

كانت سالي من أعدت هذه الأسئلة.

رفعت بصرها إليه لتجده قد التفت نحوها وينظر لها بعيونه الزرقاء القاتمة؛ ونظرة داكنة في عينيه بينما يديه في جيوبه.

والغريب أنه ابتسم ابتسامة جانبية ثم قال:

"أنتِ لم تقرئي الأسئلة قبل الآن، صحيح؟"

ضحكت بصوتٍ خشن قليلاً وقالت:

"بالطبع لا، لا أعلم أين كان عقل سالي عندما كتبت هذه الأسئلة!"

طُرق الباب في هذه الأثناء طرقةً خفيفة ودخلت الموظفة لتقول:

"لقد انتهت الربع ساعة سيد جراهام وموعدك التالي الآن بعد سبع دقائق"

"أجليه، وأحضري للآنسة كاثرين شيء تشربه"

"ماذا تودين أن تشربي آنسة كاثرين؟" قالت الموظفة.

"ماء بارد لو سمحتي" نظرت إلى جايسون وأكملت: "أعتقد إني أحتاجه"

'لابد أن الموظفة مصدومة من تغير مزاجه المفاجئ، او ربما أنا فقط المصدومة فهي بالطبع معتادة عليه!' فكرت كاثرين.

خرجت الموظفة الشقراء الفاتنة وجلس جايسون أمامها، شعرت بالارتباك من مظهرها، ولكن تظاهرت بأنها لا تهتم.

لم تمر دقيقة كاملة وعادت الموظفة وهي تحمل صينية بها كوب من الماء البارد.

اقفلت الموظفة الباب فقال لها جايسون: "يمكنكِ تشغيل مسجل الصوت في هاتفك وتسأليني كل ما ترغبين في معرفته حول رواياتي، والقي بهذه الأسئلة بعيداً"

فعلت كما قال لها فهي ترغب في ذلك بشدة، وكانت مرتبكة في أول سؤالين ثم هدأت واسترسلت في الأسئلة.

"ولكن نهاية الرواية غير مرضية كما أن زوجة البطل جعلتها كممسحة لقدميه حتى يتعالج من مرضه السادي ثم تموت هي ويتزوج من حبيبته!!"

وضع يده على خده وقال: "النساء، لما تأخذن كل الأمور بشخصنه؟ لقد كانت ضعيفة وتستحق أن تسحق"

استفزتها برودته وهو يقول ذلك: "ولكن أنت من جعلتها ضعيفة، أقصد هو لم يحبها من الأساس، كان فقط يرضي رغبته الجسدية بطريقة حيوانية معها فقط!"

رفع حاجبه وقال:

"إنها شخصية ثانوية لا قيمة لها في الرواية، والبطلة تزوجت من البطل في النهاية كما يحب الجمهور، فما اعتراضك؟"

وقفت بعصبية وقالت له:

"إن منطقك سيء، ورسالتك التي تحاول إيصالها عبر الرواية أسوأ، ما معنى أن يعامل الرجل زوجته كما فعل بطل روايتك!!"

قال ببرود معاكس تماما لغضبها: "لما أنتِ غاضبة يا آنسة كاثرين، إنها في النهاية رواية وتستطيعين تجاهلها وعدم قرائتها!"

"ولكنها تعكس أفكارك، فالرواية تعكس أفكار مؤلفها ومعتقداته!"

"أنتِ مخطئة تماما، فالكاتب يكتب الشخصية الطيبة والشريرة ولا يمكن أن يكون كلاهما!! أعتقد إنكِ مجرد قارئة هاوية ولست مخضرمة لتلقي هذه الملاحظة!!"

شعرت بالغضب فهي لا تحب أن تكون في موقف المدافع، ولا تعلم لما وضعت نفسها في هذا الموضع.

"أستأذنك، عليا الذهاب فلدي عمل لأعيش منه، وليس لدي امبراطورية مالية!"

'اللعنة!! من أين جاء هذا الآن يا كاثرين!؟' صرخ عقلها.

امسكت حقيبتها لتخرج ولكنه كان أسرع منها وأمسك بذراعها وقال لها:

"هل استطيع أن أدعوكِ لفنجان من القهوة ونناقش الرواية سوياً؟ سأحدد موعداً وأجعل السكرتيرة تتصل بك للتأكيد"

رغم أنه صدمها بسؤاله ولكنها رفعت حاجبها بغطرسة هي أيضاً لتثبت له أنها ندا له وقالت:

"أنا لست كارولينا لتأمرني، (قصدت زوجة البطل البائسة في الرواية) لذلك عندما يكون جدول أعمالي غير مزدحم سأتصل بك"

ابتسم بهدوء وقال:

"حسناً!"

ثم ناولها كتاب وقال:

"هذه نسخة موقعة مني شخصياً، أتمنى أن تقرئي الرواية مجدداً قبل أن نتناقش فيها!"

وقبل أن تخرج أضاف: "وبالمناسبة! إنها النسخة الغير منقحة، لم يتم حذف منها أي مشاهد!!"

يتبع....



تعليقات

إرسال تعليق

شاركنا برأيك في التعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين ندم طليقي (الفصل الأول: وثيقة الطلاق)

ترجّلتُ من سيارتي وسرتُ ببطء نحو القصر. كانت يداي ترتجفان، وجسدي يتصبب عرقًا. ما زلتُ غير مصدقة أن الأمر قد انتهى. أنني أخيرًا تطلّقتُ منه. والدليل على ذلك كان في حقيبتي. جئت اليوم لأسلّمه الأوراق النهائية... ولأصطحب نوح. دخلتُ المنزل، وتتبعتُ أصواتًا هامسة، لكنني توقفتُ فجأة عند اقترابي من المطبخ. في تلك اللحظة، بات بإمكاني سماعها بوضوح، وما سمعته جمّد الدم في عروقي. "لا أفهم لماذا لا يمكنك العيش معي ومع أمي؟" سأل نوح والده بصوت بريء. وضعتُ يدي المرتجفتين على صدري، وقلبي يتألم من نبرة الحزن في صوته. كنتُ مستعدة لفعل أي شيء من أجله، لكن هذا الطلاق كان حتميًّا. زواجنا كان خطأ. كل ما جمعنا كان خطأ. فقط استغرقني وقتٌ لأدرك الحقيقة. "أنت تعرف السبب، نوح... لم نعد معًا، أنا ووالدتك." قالها بصوت خافت. من الغريب حقًا... طوال سنوات زواجنا، لم يحدث أن كلّمني بذلك اللين. كان صوته دائمًا باردًا، خاليًا من أي مشاعر، مسطحًا، جامدًا. "ولكن، لماذا؟" "هذه أمور تحدث أحيانًا..." تمتم بها. أستطيع أن أتخيل تعابير وجهه العابسة، محاولًا شرح الأمر لنوح كي لا يُكثر من ا...

حين ندم طليقي (الفصل الثاني: آسف لخسارتك والدك)

 "يجب أن أذهب... هل يمكنك البقاء مع نوح؟ لا أعلم كم من الوقت سأمكث هناك"، قلتُ بشرود بينما كنت ألتقط حقيبتي. "بالطبع... سأأتي حالما أطلب من والدتي أن تأتي لتبقى معه"، أجاب روان، لكن صوته تلاشى وسط طنين أذنيّ. لم أعد أعي ما يدور حولي بينما ودّعتُ ابني وغادرت. ركبتُ السيارة، وبدأتُ القيادة نحو المستشفى، وذهني غارق تمامًا في الذكريات. لقد نشأتُ في جوّ من الإهمال العاطفي، إن صح التعبير. كنتُ الطفلة التي لم يُبالِ بها أحد من والديّ. كان والدي يفضّل أختي الكبرى، إيما. كان يناديها دائمًا "أميرتي"، و"فتاتي الصغيرة". أما والدتي، فكان ابنها المفضل هو أخي الأكبر، ترافيس. كانت تراه الفتى الوسيم المدلل لديها. وأنا؟ لم أكن مفضّلة لدى أحد. كنت فقط آڤا. دائمًا ما شعرت أنني غير مرغوبة. دخيلة. ليس فقط من قِبل والديّ، بل من إخوتي أيضًا. مهما فعلت—تحصيل دراسي جيد، رياضات، أنشطة مدرسية—كنت دائمًا أقف على الهامش. أنظر من الخارج إلى الداخل، وكأنني أراقب عائلة سعيدة لا أنتمي إليها. وبعد ما حدث قبل تسع سنوات، انقطعت تمامًا العلاقة الهشة التي كانت تربطني بعائلتي. ترافيس ب...

حين ندم طليقي (الفصل الرابع: محطمة كلياً)

 هل شعرت يومًا وكأن قلبك وُضع داخل مفرمة لحم؟ هذا تمامًا ما أشعر به الآن وأنا أنظر إليهما. أشعر وكأن قلبي تمزّق إلى قطع صغيرة. لو كان بإمكاني أن أنزع هذا العضو عديم الفائدة وأرميه بعيدًا، لفعلت. لأن الألم الذي ينهشني الآن لا يمكن تصوره. أردت أن أهرب. أن أُبعد نظري، لكنني لم أستطع. كانت عيناي ملتصقتين بهما، وكلما حاولت أن أُدير وجهي، شعرت وكأنهما التصقتا بهذا المشهد المُفعم بالحب أمامي. أراقبهما وهما ينفصلان عن بعضهما. عينا روان تلينان وهو يحدّق في حبّ حياته. أشاهده وهو يضع كفيه على وجهها، يقربها منه... لا يُقبّلها، فقط يُسند جبهته على جبهتها. يبدو... مسالمًا. وكأنه أخيرًا عاد إلى منزله بعد غيابٍ طويل. وكأن روحه اكتملت أخيرًا. "اشتقتُ إليكِ" قرأتُ الكلمات وهي تتكوّن على شفتيه. لم أرغب في تخيّل ما كان سيحدث بينهما لو التقيا في ظروف مختلفة... لو التقيا ونحن لا نزال متزوجين. هل كان ليخونني معها؟ جزء مني يريد أن يرفض هذا الاحتمال، لكنني لست واثقة. نحن نتحدث عن إيما. روان قد يذهب إلى الجحيم ويعود من أجلهَا. غير قادرة على تحمّل المزيد، وقفتُ واندفعتُ إلى الخارج. ما إن وصلتُ حتى بدأت...