رنّ هاتفي للمرة المئة اليوم. ظهر اسم "ليتي" على الشاشة، لكن كما في المرات السابقة، تجاهلت مكالمتها. كانت تحاول الاتصال بي منذ البارحة.
لم أكن في الحالة النفسية المناسبة للتحدث معها. ما زالت مرتبطة بالعالم والأشخاص الذين أريد أن أبقى بعيدًا عنهم. وهذا ما وضعني في مفترق طرق.
"أعطني كأسًا آخر،" طلبت من النادل فور توقف الهاتف عن الرنين.
كان اليوم عيد ميلادي، وها أنا أحتفل به بهذا الشكل: وحدي في حانة، أحتسي مزيجًا فاكهيّ الطعم، وما زلت أتألم من كلمات روان القاسية.
حاولت جاهدةً أن أطرد تلك الأفكار من رأسي. بذلت جهدًا أكبر لأنسى كل كلمة تفوه بها، لكن الأمر صعب. كلماته منقوشة في ذهني كأنها وشم لعين.
كنا متزوجين منذ سنوات، ومع ذلك لم يخطر ببالي يومًا أنه كان يراني مجرد عاهرة. وأنه كان يستخدمني كبديلة لإيما في الفراش. لقد انكسر قلبي مرارًا وتكرارًا منذ ذلك اليوم في منزلي.
كان من المفترض أن أصدم حين اختار تصديق كل كلمة تفوهت بها إيما، لكنني لم أصدم. فهذا أمر معتاد منه... يصدق الجميع عدا المرأة التي عاش معها تسع سنوات كاملة.
من قال إن الكلمات تؤلم أكثر من اللكمات كان على حق. أخشى أن يكون روان قد كسرني هذه المرة كسرًا لا شفاء منه.
"تفضلي،" قال لي النادل الوسيم، وهو يضع الكأس أمامي.
نظر إليّ بعينين مليئتين بالشفقة، وقد أدرك على الأرجح أنني هنا لأغرق أحزاني. لا بد أنه رأى مثل هذا المشهد آلاف المرات.
تناولت الكأس منه وتجنبت النظر في عينيه. لم أكن بحاجة إلى شفقته. ما كنت بحاجة إليه هو دماغ جديد. قلب جديد لم تدنسه الآلام والخيبات. روح لم تجرحها قسوة روان.
لو كنت أعلم أن هذا هو المستقبل الذي ينتظرني، لهربت بعيدًا. لو كنت أعلم أن حب روان سيدمرني بهذا الشكل، لهربت إلى قارة أخرى... بل إلى كوكب آخر، فقط لأهرب منه.
أتمنى لو أستطيع أن أصفع نفسي الصغيرة وأجعلها تعي ما ينتظرها. ربما كنت سأتمكن حينها من تجنب كل هذا الألم.
بينما أرتشف من كأسي، أحدق في الفراغ. ذهني تائه بالكامل. لم أكن مخمورة بعد، لكني بدأت أشعر بتأثير الكحول. وهذا ما كنت أريده. كنت بحاجة إلى هدنة من الألم المستمر. والإفراط في الشرب سيمنحني هذه الهدنة، حتى لو لبضع ساعات فقط.
أنهيت ما تبقى من الكأس، ونظرت إلى ساحة الرقص. كان هناك من يرقص. لم أرقص منذ زمن طويل. أردت أن أتحرر. في النهاية، اليوم هو عيد ميلادي اللعين.
نهضت وتوجهت إلى حلبة الرقص. أغمضت عينيّ وتركت الموسيقى تتملكني. بدأت أتحرك على وقع الإيقاع، شاعرةً بمشكلاتي تتلاشى تدريجيًا. في هذه اللحظة، كنت قادرة على التظاهر بأنني بخير. بأنني لست حطام إنسان. بأنني ما زلت كاملة.
رقصت أغنية تلو أخرى، محاوِلة ملاحقة الشعور بالخدر. شعرت بأشخاص يقتربون من خلفي ليرقصوا معي، لكنني لم أفتح عينيّ، حتى حين بدأت أتمايل معهم.
حاول بعض الرجال دعوتي للرقص معهم، لكنني رفضت. تجاهلتهم، وفي النهاية، استسلموا ورحلوا.
حين شعرت بالتعب يتسلل إلى عظامي، توقفت، فتحت عيني، وتوجهت نحو البار. جلست على الكرسي وطلبت مشروبًا آخر، وما إن فعلت، حتى رنّ هاتفي مجددًا.
كنت على وشك تجاهله، ظنًّا مني أنه من ليتي، لكني فوجئت بأن اسم "إيثان" هو من ظهر على الشاشة.
قررت الرد.
"مرحبًا، إيثان،" قلت ووجهي متجهم لأن صوتي بدا أعلى من المعتاد.
"أين أنتِ يا آفا؟ هل أنتِ بخير؟ هل تمانعين إخباري لماذا اتصلت بي ليتي وهي في حالة جنونية من القلق، تقول إنها لم تستطع الوصول إليك منذ البارحة؟" سألني بقلق.
كنت أود أن أعرف كيف حصلت على رقمه، لكنني تذكرت أنني من أعطاها إياه. كانت قد أصرت على ذلك في اليوم الأول الذي خرجت فيه مع إيثان، تحسبًا لعدم سماعها أي خبر مني.
"أنا بخير، فقط لا أرغب في التحدث معها الآن،" تمتمت بصوت عالٍ.
الموسيقى لم تكن صاخبة جدًا، لكنها كانت مزعجة بما يكفي.
"هل أنتِ في نادٍ أو ما شابه؟" سأل، وفي اللحظة نفسها صرخ أحدهم قائلاً إن الأغنية التي تُعزف الآن هي المفضلة لديه.
"نوعًا ما."
"هل أنتِ مخمورة؟"
"فقط أشعر ببعض الدوار،" أجبته، رغم أنني كنت أنوي أن أسكر تمامًا هذه الليلة.
"هل لديكِ سائق معين؟"
ضحكت على سؤاله. كان جانب الشرطي فيه يطل برأسه، وأحببت ذلك. كما أحببت أنه مهتم بكيفية عودتي إلى المنزل.
"لا، لكنني أنوي أخذ سيارة أجرة،" أجبته.
"كلا، لن تفعلي. أعطني عشر دقائق،" قال قبل أن يغلق الخط.
قطبت حاجبيّ وأنا أحدّق في هاتفي، متسائلةً عن سبب قوله ذلك. قررت أن الأمر لا يستحق التفكير، فاليوم هو يوم النسيان والانفلات.
لا أعلم كم من الوقت مرّ حين شعرت بشخص يجلس على الكرسي المجاور لي. نظرت، وفوجئت بعيني إيثان الزرقاوين تنظران إليّ.
"إيثان؟ كيف وصلت إلى هنا؟" سألته بحيرة.
"قلت لكِ إنني سأصل خلال عشر دقائق عندما تحدثنا، ألا تذكرين؟" ردّ مستغربًا.
ظللت أحدق فيه كأنني أراه في حلم. لم أستوعب بعد كيف وصل إلى هنا وكيف وجدني.
"أتذكر، لكنني لم آخذ كلامك على محمل الجد،" أجبت.
تأملني وتفحصني بعينيه، وأنا فعلت المثل. لا تفهمني خطأ، أنا أحببته، لكنني فقط لم أرغب برؤيته الآن. الليلة كانت لغرقي في ألمي.
"ما الذي تفعلينه هنا، آفا؟ لم أظنكِ من النوع الذي يخرج ليشرب في هذا الوقت من الليل. خصوصًا في ليلة دوام، أليس لديكِ عمل غدًا؟" قال بقلق بادٍ على وجهه.
لم أكن أنوي الذهاب إلى العمل غدًا. بعد ما حدث مع روان، لم أعد أشعر أنني نفسي. طلبت من إدارة المدرسة تمديد إجازتي المؤقتة، وكانوا متفهمين، خصوصًا بعدما كذبت وقلت إنني لم أتعافَ بعد.
"اليوم عيد ميلادي. أردت فقط أن أحتفل،" أجبته.
وبحلول ذلك الوقت، كانت الموسيقى قد توقفت، لذا لم أحتج إلى رفع صوتي.
"وحيدة؟ في حانة؟ والساعة تقارب الثانية صباحًا؟"
كيف لي أن أخبره أنه لا أحد يحتفل بعيد ميلادي؟ أن لا أحد حتى يتذكر يوم ولادتي؟ حتى وأنا متزوجة من روان، كان ينسى ويتجاهل عيد ميلادي كل عام. كيف أخبره أن عائلتي تكرهني لدرجة أنهم توقفوا عن الاحتفال بعيد ميلادي منذ تسع سنوات؟!
هززت كتفيّ. "لا أحد يحتفل معي. كنت سأحتفل مع نوح، لكن كما تعلم، هو ليس هنا. أما بقية عائلتي... فهم يكرهونني لدرجة أنهم لا يكترثون إن كبرت سنة أخرى."
ظهر عليه الذهول للحظة قبل أن يستعيد توازنه. نزل من كرسي البار، وأمسك بيدي بلطف، قادني بصمت إلى كشك خاص، وساعدني على الجلوس ثم جلس بجانبي مباشرةً.
ثم استدار ناحيتي وقال: "لماذا تقولين هذا؟ أعلم أن شيئًا ما حدث مع عائلتك، هذا واضح في ملامحك. هل للأمر علاقة بروان؟ ماذا حدث؟ أرى الألم الذي تحاولين إخفاءه. لماذا تقولين إن عائلتك تكرهك؟" كانت كلماته كسهام حادة تطلق من فمه.
حدقت فيه. إن كنت أنوي بناء علاقة مع إيثان، فعليّ أن أكون صادقة. ما فعلته قد يدمّر صورتي في نظره، لكنه بحاجة لمعرفة الحقيقة.
أخذت نفسًا عميقًا وقلت:
"لأنني عندما كنت في الثامنة عشرة، نمت مع حبيب إيما... وانتهى بي الأمر حاملاً منه."
_________
الكاتبة جيجي
مترجمة العمل
ملاحظة: ماضي آفا سيتم كشفه في الفصل التالي. حماااس.
💥
ردحذف