جلستُ على المقعد البارد في المستشفى، أتنفس بعمق... شهيقًا ثم زفيرًا. كانت والدتي لا تزال تبكي، ولا يمكن لأحدٍ أن يُواسيها. تمزّق قلبي من أجلها. أعلم أن فقدان الرجل الذي تحبينه، بهذه الطريقة المفاجئة، ليس أمرًا سهلاً.
كان الأمر لا يزال صدمة. توقعتُ أن يتعافى تمامًا، لكنه الآن قد فارق الحياة، ولا أعرف كيف يفترض بي أن أشعر.
لم نتفق يومًا، ورغم أنه كان يكرهني، إلا أنني كنت أحبه. فهو والدي، فكيف لي ألا أحبه؟
"هل أنتِ بخير؟" سألني روان وهو يجلس بجانبي.
لقد وصل قبل نحو ساعة، وهذه هي المرة الأولى التي يكلمني فيها منذ قدومه. لم أكن أعرف كيف أتعامل مع هذا القلق الذي بدا عليه. لطالما تجاهل مشاعري في السابق.
"نعم"، تمتمتُ.
لم أذرف دمعة واحدة منذ أن تلقّينا الخبر. ربما كانت صدمة متأخرة، أو ربما لأنني استنفدتُ دموعي عليه. كل ما كنتُ أفعله الآن هو محاولة الصمود، لأن الجميع من حولي كانوا ينهارون.
رأيت قدمي شخص يقترب من طرف نظري، وعندما رفعتُ عيني، وجدت ترافيس يحدق بي. وكالعادة، لم يكن في عينيه ذرة دفء. أعلم أن ما فعلته في تلك الليلة كان خطأ، ولكن... أما كفاني ما دفعته من ثمن؟
"ماذا؟" سألته ببرود.
"أمي اتصلت بإيما عندما أُصيب والدي، لذا يُفترض أن تصل قريبًا. لكنها لا تعلم بعد أن والدي لم ينجُ." قال.
أسمع شهقة حادة من روان، وكانت تلك الشهقة وحدها كافية لأدرك أن اسمها لا يزال يُؤثّره. الدفء الذي منحني إياه قبل دقائق معدودة اختفى فجأة، وتحوّل إلى برودٍ قاسٍ. وعرفت حينها أنني فقدته مجددًا.
"توقّعت ذلك." تمتمت، فما الذي يمكنني قوله غير هذا؟
لم أتحدث إليها منذ سنوات. وأشك بأنها تود حتى رؤيتي، بالنظر إلى مقدار كراهيتها لي.
"أتوقع منك أن تكوني مهذبة وأن تمنحيها مساحتها الخاصة." أضافت أمي، وهي تمسح دموعها من على وجنتيها.
"أمي، أنت تعلمين أن ما تطلبينه منّي يكاد يكون مستحيلًا."
"لا يهمّني إن كان ممكنًا أم لا. لقد أبعدتِ ابنتي عنّا قبل تسع سنوات بسبب خيانتك. ولن أسمح لك بتكرار الأمر، لا الآن، بعدما رحل والدك، ونحن بأمسّ الحاجة إلى بعضنا البعض." قالتها من بين أسنانها المشدودة.
أكره كيف يستمرّون في إلقاء الماضي في وجهي. أما دفعتُ الثمن؟ أما عانيت بما فيه الكفاية من القرارات التي اتخذتها في جهلي واندفاعي؟ لكنهم لا يزالون يعاقبونني.
"في حال نسيتِ، أنا أيضًا ابنتك... أم أنّك تعتبرينني ميتة كذلك؟"
لم أُمهلها فرصة للرد. وقفت وغادرت. كنت بحاجة إلى هواء نقي. بحاجة إلى لحظة لأفكر.
بمجرّد خروجي، ملأت رئتيّ بالهواء البارد. لسعت الدموع أطراف عينيّ، لكنني رفضت أن أسمح لها بالانهمار.
ما الذي أفعله هنا أصلًا؟ لماذا كلّفت نفسها بالاتصال بي إذا كانت ترى أن لا ابنة لها سواها؟
جزءٌ مني أراد أن يغادر في تلك اللحظة ولا يعود أبدًا. لم أشعر يومًا بأنني من أفراد هذه العائلة، وهم كذلك لم يعاملوني كواحدة منهم. كان يجب عليّ أن أرحل، وأن أنساهم، تمامًا كما نسوني هم.
"سيدتي، هل أنتِ ابنة السيد جيمس شارب؟" سألتني ممرضة، فزعتُ عند ظهورها المفاجئ.
أومأت برأسي بعد أن هدّأت نبضات قلبي المتسارعة.
"نحن بحاجة إليكِ. إنهم يُلقون النظرة الأخيرة على الجثمان." قالت بلطف، وكأنها تُراعي مشاعري.
"حسنًا، فقط امنحيني دقيقة واحدة."
غادرت، تاركةً لي المساحة لاتخاذ قراري. فرغم إهماله لي، إلا أنه كان يوفر لي دائمًا احتياجاتي، ولهذا أنا مدينة له بشيء من الوفاء.
وهكذا، اتخذت قراري. سأمنحه دفنًا لائقًا، وبعدها... سأغسل يديّ منهم جميعًا.
لعلّهم يصبحون بعدها العائلة المثالية الصغيرة التي لطالما أرادوها. لن يضطروا إلى احتمالي بعد الآن، كما كانوا يفعلون طوال هذه السنوات.
خرجتُ من الغرفة، ثم سألت عن طريق المشرحة. وبحلول الوقت الذي وصلت فيه، كان الباقون قد أنهوا رؤية الجثمان.
نظرتُ إلى والدي وهو مستلقٍ هناك، باردًا على الطاولة. بدا مسالمًا جدًا، وكأنه نائم فقط. كان من الممكن أن يخدعك المشهد، فتظن أنه يستريح... لكنه كان ميتًا. روحه قد غادرت جسده منذ زمن.
"وداعًا يا أبي..." همستُ.
نظرت إليه نظرتي الأخيرة، ثم خرجت من تلك الغرفة الباردة. حاولت أن أزيح عن قلبي ذلك الثقل الذي حلّ عليه. كنت أعلم أنه لن يكون الشخص الوحيد الذي سأودعه. فهم لن يحبوني أبدًا، وقد آن لي أن أتخلى عن تلك الأوهام.
وصلتُ إلى قاعة الانتظار وجلستُ في أبعد مقعد. كانت أمي تفرز بعض الأوراق والفواتير، بينما ترافيس يحدّق في الجدار، شاردًا ووحيدًا. روان لم يكن في المكان.
جلست هناك أفكر في كل ما يجب عليّ فعله. أعلم أنه سيكون من شبه المستحيل تجنّبهم، لكنني كنت مصممة. هذا هو الطريق الوحيد الذي أعرفه لأحمي سلامي الداخلي. لقد سئمتُ الألم، سئمتُ من قلبي الذي يُطعَن مرة بعد أخرى بمن حولي.
سمعتُ همهمة قريبة مني، فرفعتُ نظري. وهنا... رأيتها. لا تزال جميلة كما كانت دائمًا. بشعرها الأشقر الطويل، وساقيها الطويلتين، ووجهها الذي يشبه القلب، وجسدها الجذاب الذي يجعل الرجال يفقدون صوابهم.
ترافيس عانقها وهمس لها بكلمات مواساة. شيئًا لم يفعله معي عندما وصلت. وكما في كل مرة، ضربني الشوق والألم، لكنني قمعتهما داخلي.
انفصلا عن بعضهما في اللحظة التي دخل فيها روان. وفور أن وقعت عيناه عليها، بدا وكأن الأرض اهتزّت تحته. رأيت تفاحة آدم تتحرك في حلقه.
"إيما؟" قال اسمها بصوت مختنق، كأنما وضع كل مشاعره فيه.
دارت برأسها نحوه، وعندما التقت نظراتهما، اختفى كل من في المكان. لم يعد هناك شيء سواهما. وفي طرفة عين، كانا بين ذراعي بعضهما البعض.
وإن كنتُ ظننتُ أن رؤية ترافيس وهو يعانق إيما كانت مؤلمة... فما كنت أعلمه هو أن ما رأيته الآن سيسحقني.
سيدمرني.
إيما قد عادت. ورؤيتها بين ذراعي روان لم تترك مجالًا للشك. لم يكن أحد بحاجة ليقول لي الحقيقة التي كانت دومًا في وجهي...
لا يزال يحبها بجنون، حتى بعد كل هذه السنوات.
*****
لا تنسو الاشتراك ومتابعة المدونة ليصلكم إشعار عبر الإيميل لكل فصل جديد ✨
وأيضا، لتلقي تنبيه فور نزول فصل جديد الرجاء متابعة 👇🏻
حبيت الفصل، حاجة صادمة لما تكون حب حياة زوجك السابق اختك وااات ذااا هيييل
ردحذف