مرّ أسبوع منذ أن غادر نوح، ولم أستطع حتى الآن أن أجد نمطًا أعيش به حياتي بدونه.
إنها أطول فترة نفترق فيها، ولستُ أشعر بالخجل حين أقول إنني لا أتعامل مع هذا الفُقد جيدًا.
كان نوح مرساتي، وبدونه أشعر بأنني ضائعة قليلًا، وكأنني أتخبّط وسط الحياة كسفينة محطّمة في عرض البحر.
كل يوم، أترقّب مكالماته بشغف، فهي ما يمنحني السكينة، وصوته العذب هو ما يُبقيني متّزنة، ثابتة على الأرض.
لم أسمع شيئًا من روان منذ ذلك اليوم في المطار.
لا أنكر أن جزءًا من قلبي لا يزال يحنّ إليه، ولكنني أعلم أن ما حدث كان للأفضل.
لم يكن بيننا مستقبل، ولا يمكنني الاستمرار في العيش مع رجل لا يحبّني.
حتى الآن، كل شيء هادئ...
ليس لأن أحدًا حاول أن يُبقيني على اطلاع، بل لأن الأخبار توقفت، لا إطلاق نار، ولا جثث جديدة...
لذا أستطيع أن أفترض بأن أولئك المجرمين قد اختفوا عن الأنظار، أو ربما دخلوا في سباتهم المعتاد.
وفجأة، اصطدمتُ بشخصٍ ما، فقطعت أفكاري بعنف.
"أوه! أنا آسفة... لم أنتبه إليك."
انحنيتُ على الفور لالتقاط كتبي المتناثرة.
كنت عائدة إلى المنزل بعد يومٍ عملٍ طويلٍ ومرهق، كل ما رغبت به هو أن أصل وأرتمي على سريري.
"لا بأس، أنا أيضًا لم أكن منتبهًا لطريقي."
تجمدت ملامحي عندما سمعت صوته.
رفعت رأسي بسرعة لأنظر إليه... لم أكن مخطئة، كان إيثان هو من اصطدمت به.
انحنى ليساعدني في جمع كتبي، ثم نهضنا معًا.
ابتسم لي ابتسامة آسرة، فوجدتُ نفسي أبادله الابتسام دون تفكير.
"ما الذي تفعله هنا؟" سألته.
كان يرتدي زيه الرسمي، وبدَت عليه الجاذبية أكثر من أي وقتٍ مضى.
ربما أقسمتُ على أن أبتعد عن الرجال، لكن هذا لا يعني أنني لا أستطيع التحديق... وهناك الكثير لأتأمله.
قال وهو يرفع حاجبه قليلًا:
"وصلتنا بلاغات عن وجود من يبيع المخدرات للأطفال هنا... وأظنكِ مُدرّسة؟"
أجبته بشيء من التوتر:
"نعم، هذا صحيح."
لم تكن وظيفة يتوقعها أحد من زوجة ملياردير، لكنني أحببت التدريس من أعماق قلبي.
كان والداي يعارضان الأمر، يفضلان أن أحصل على وظيفة مرموقة مثل إيما، التي أصبحت محامية بارعة، أو ترافيس، رجل الأعمال الناجح.
أظن أن هذا كان سببًا آخر يجعلني نقطة ضعف في نظرهم.
"وما المادة التي تُدرّسينها؟" سأل، وكان يبدو مهتمًا بصدق.
لا أذكر يومًا أن روان سألني عن عملي.
في الواقع، أشك في أنه يعرف ما هي المادة التي أدرّسها.
"علم الأحياء."
قال ضاحكًا وهو يغمز لي:
"جميلة وذكية... أعجبني ذلك."
احمرّ وجهي، وشعرتُ بحرارة مفاجئة تتسلل إلى وجنتيّ.
"شكرًا"، تمتمتُ، وأعدتُ خصلةً شاردة من شعري خلف أذني.
إيثان جعلني أشعر بالارتباك لسببٍ ما، ربما لأنني لم أعتد على تلقي الاهتمام من رجالٍ وسيمين.
الرجال لا ينظرون إليّ مرتين، على عكس إيما، الشقراء الجميلة الفاتنة. كنتُ مجرد فأرة إلى جوارها.
لا أملك ما يثير الإعجاب. شعري بني، عيناي بنيتان، وجسدي صغير وهزيل.
لستُ جميلة، واعتدتُ على هذه الحقيقة، فقد تربّيتُ على سماعها مرارًا وتكرارًا.
حتى عندما كنّا أطفالًا، لم يكن أحد الفتيان يلتفت إليّ، وإذا فعلوا، فلكي يقتربوا من إيما.
كنتُ أغتاظ من ذلك، لكن مع الوقت تقبّلت الأمر، وأدركت أنني لستُ جذابة لجنس الرجال.
قال بعد لحظة من الصمت:
"أنا آسف لأني لم أتصل، لقد كنا منشغلين جدًا، ولم أجد وقتًا فراغ."
ابتسمتُ له قائلة:
"لا بأس، أنا أتفهم... أعلم أن العمل كشرطي ليس سهلًا."
وفعلًا، كنتُ أتفهم، لكنني أعلم في قرارة نفسي أنها مجرد حجة.
هو لم يكن ينوي أن يتصل أو يرسل رسالة منذ غادر منزلي في ذلك اليوم.
ظللنا واقفين بصمت. كنتُ أتحرك بقلق من قدمٍ إلى أخرى، والشعور بالإحراج يتصاعد داخلي.
عيناه الزرقاوان حدّقتا بي، كأنهما تنفذان إلى روحي.
أشحتُ بنظري عنه، عاجزة عن احتمال نظرته الثاقبة.
ناداه أحد الضباط من الطرف الآخر قائلًا:
"إيثان!"
استدار ونظر إليه، ثم التفت إليّ وقال:
"سعيد برؤيتكِ، أيتها الجميلة. أراكِ لاحقًا، حسنًا؟"
"أجل..." همستُ بخجل.
ثم فاجأني بعناقٍ سريع قبل أن يبتعد، تاركًا إياي واقفة في مكاني، أتساءل عمّا حدث للتو.
هززتُ رأسي لأفيق من شرودي، وواصلتُ سيري. كنت بحاجة إلى شراء بعض الحاجيات، والمتجر قريب من المدرسة، لذا قررت أن أتمشى.
تمّت إزالة الحمالة من كتفي، ورغم أن الكتف ما يزال يؤلمني أحيانًا، إلا أنه أصبح صالحًا للحركة.
فكّرتُ في قائمة المشتريات، لكن الشيء الوحيد الذي احتلّ تفكيري كان لقائي مع إيثان.
كان أسلوبه في التعامل معي مختلفًا تمامًا عن أسلوب روان.
لم يسبق لأحد أن قال لي إنني جميلة، ولم يغمز لي رجل من قبل.
تلك اللحظات القليلة التي قضيتها مع إيثان جعلتني أشعر بشيء مختلف، وكأنني جذابة فعلًا...
لكنني أعلم أنني لا يجب أن أُعلّق آمالي على ذلك.
فإذا كان زوجي نفسه لم يراني جميلة، فكيف يتوقع أن يفعلها رجل غريب؟
ضحكت ساخرًة من نفسي، وقلت بصوتٍ خافت:
"توقفي عن هذا الهراء."
ربما كان إيثان يحاول أن يكون لطيفًا فحسب، لا أكثر.
فمن المستحيل أن يهتم رجل بذلك الوسامة بامرأة مثلي، وهناك ملايين النساء الجميلات حوله.
سحبتُ نفسي من دوامة التفكير، فلا فائدة من الغرق في أوهام أعلم حقيقتها.
وصلتُ إلى المتجر أخيرًا، ولم أكن بحاجة إلى الكثير بما أنني أعيش وحدي.
أنهيت التسوّق بسرعة، دفعت الحساب، ثم خرجت متجهة نحو منزلي.
لم أقد السيارة هذا الصباح، لأن كتفي كان لا يزال يؤلمني ولم أشعر بالراحة في القيادة.
كنت على وشك أن أوقف سيارة أجرة، حين رأيتهم... روان وإيما.
كانا يسيران جنبًا إلى جنب، متشابكي الأيدي.
لا أعلم إلى أين كانا ذاهبين، ولا يهمّني.
قالت إيما شيئًا، فضحك روان بصوتٍ عالٍ، ضحكة عميقة ومليئة بالسعادة.
ذلك الألم الذي حاولت دفنه عاد فجأة إلى السطح.
أوجعني رؤيته هكذا... سعيدًا، ضاحكًا، بهذه الطريقة التي لم أرها معه قط.
لو أنه فقط منحني فرصة... كنتُ سأجعله سعيدًا.
لكنه أبقى إيما في قلبه، ولم يرغب أبدًا في أن يُفرّط بها.
حقًا، هذا يؤلم.
ظننتُ أنني تجاوزت الأمر، لكن يبدو أنني كنتُ مخطئة.
شعرتُ وكأن قلبي ينكسر من جديد، ولم أكن أعرف كيف أوقف هذا الألم الذي يهدد بابتلاعي بالكامل.
كأنه شعر بنظراتي، استدار ونظر نحوي.
تلاشت ضحكته، واختفت ابتسامته، وحلّت محلها نظرة عابسة.
أدركت حينها أنني لا أجلب له سوى الحزن.
ليس غريبًا أنه لم يبتسم يومًا وأنا بجواره.
حدّق نحوي، وكأنه على وشك عبور الشارع ليتجه إليّ.
لكنني طردت تلك الفكرة فورًا، فذلك مجرد وهمٍ صنعه قلبي التائه.
أشحت بنظري سريعًا، وصعدت إلى أول سيارة أجرة وجدتها، ثم طلبت من السائق أن ينطلق.
رفضت النظر من النافذة، لا رغبة لي في رؤيتهما أكثر.
لقد تجاوزني بالفعل... بسرعةٍ كبيرة.
لكنه لم يحبّني أصلًا، لذا ربما كان الأمر سهلًا عليه.
حان الوقت لأتجاوزه أنا أيضًا.
لا يهم كم سيستغرق ذلك، لكنني سأفعل.
سأمضي قُدمًا... سأجد سعادتي، لأن روان أصبح من الماضي، وحان وقت تقبّل هذه الحقيقة.
******
..............🟦 ..............
لتلقي تنبيه فور نزول فصل جديد الرجاء متابعتنا على 👇🏻
روايات رومانسية - Romance Novel
قلبها مكسور
ردحذف