التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حين ندم طليقي (الفصل الخامس والعشرون: مهاجمتها)

 

كنت قد انتهيت للتو من تنظيف المكان عندما رن هاتفي. لا أعلم لماذا، لكنني دائمًا ما أجد في التنظيف راحة نفسية. إنه وسيلة لإبعاد ذهني عن كل ما يرهقني نفسيًّا.


وبما أنني أصبحت قادرة على الوقوف مجددًا والاعتماد على نفسي، فقد قررت أن أستغني عن "ليديا". لقد كانت عونًا كبيرًا لي، لكنني لم أعد بحاجة إلى ممرضة بعد الآن. كما أنني بطبيعتي أحب الاستقلال.


عبرت الغرفة والتقطت هاتفي. للحظة، شعرت برغبة في تجاهل المكالمة عندما رأيت اسم "ليتي" يلمع على الشاشة. لا زال في داخلي شيء من الغضب تجاهها، لكن جزءًا مني كان يفهمها أيضًا. فأنا كذلك كنت سأفعل أي شيء من أجل الرجل الذي أحبه، حتى وإن تطلب الأمر محاولة إصلاح العلاقة بينه وبين أخته المنفصلة عنه.


"مرحبًا."

أجبتها وأنا أصعد إلى غرفتي.


"أنا آسفة جدًّا يا آفا. لقد تجاوزت الحدود، رغم أنني وعدتك بألا أتحدث عن ترافيس مرة أخرى."

نبرة التأثر في صوتها باغتتني.


كانت صادقة، بل وتحمل شيئًا من الحزن. تفاجأت ولم أعرف ماذا أفعل. لم أكن معتادة على اعتذار أحد لي بإخلاص. في الواقع، لم يسبق لأحد من المحيطين بي أن اعتذر عندما أساء إليّ.


"ليتي..."


قاطعتني قبل أن أكمل.

"كنتِ على حق. لا يمكننا أن نتوقع منكِ أن تنسي، أو أن تتظاهري وكأن كل تلك السنوات من الألم لم تكن. لا يوجد مقدار من الندم قادر على محو الألم النفسي الذي سبّبه لكِ. أنا أحبه، والله يعلم كم أحبه، لكن حبي له لا يمكن أن يعميني عن أخطائه وعن الطريقة الفظيعة التي عاملك بها. أنتِ روح جميلة، ومع ذلك سحقك بقسوته... فكيف لي أن أطلب منكِ أن تسامحيه على سنوات من الإهانة؟ لن يكون ذلك منصفًا. صداقتنا أصبحت تعني لي الكثير، ولا أريد أن أخسرها."


تنهدت، وقد بدأ التعب والانهاك العاطفي يتسلل إليّ.

سيكون من الأسهل بكثير أن أنسى كل شيء وأمضي قدمًا، لكن هذه طبيعة الألم... نادرًا ما يكون نسيانه أمرًا سهلًا.


يقولون إن الزمن يداوي كل الجراح، لكنني أقول إنها مجرد أكاذيب. فمثل هذا النوع من الألم يظل معك مدى الحياة. لا يشفى تمامًا، بل تتعلم فقط كيف تتعايش معه... أو تخدره داخلك.


"انظري، ليتي، أنا أفهم وجهة نظرك، وأتفهم كم هو صعب عليكِ. وأنا أحب صداقتنا، فعلًا أحبها، لكنني لا أريد أن أكون سببًا في حدوث مشاكل بينك وبين ترافيس. آخر ما أريده — وما أحتاجه — هو أن يكرهني ترافيس أكثر مما يفعل بالفعل."


"هو لا يكره..."


وهذه المرة أنا من قاطعها.

"أرجوكِ، لا نخوض في هذا. لقد أوضح مواقفه أكثر من مرة، وأنا تقبلت الأمر منذ زمن."


أعني، من السهل أن تعتاد على الكراهية عندما تكون عائلتك، وزوجك، وأصهارك يكرهونك.

ألم ذلك كان كالجحيم، لكنني تعودت عليه، وتصالحت مع الواقع.


أطلقت زفرة قبل أن تتكلم.

"لا أريد لصداقتنا أن تنتهي، حسنًا؟ سأجد طريقة لأفصل بين علاقتي بكِ وبينه."


لكنني لا أرى كيف يمكن لهذا أن ينجح. عاجلًا أم آجلًا، ستتعب وتنسحب. من الصعب الوقوف بين شخصين تحبهما ولا يستطيعان التفاهم.


كنت على وشك أن أخبرها بذلك تحديدًا، عندما اهتز هاتفي معلنًا عن مكالمة جديدة.

ابتسمت. لأول مرة منذ حديثي مع ليتي قبل ساعات، شعرت وكأنني عدت لنفسي القديمة.


"عليّ أن أذهب الآن، ليتي. نوح يتصل بي وأريد التحدث إليه قبل أن ينام."

قلت لها، متلهفة لسماع صوت ابني.


"طبعًا، أفهم ذلك."

توقفت لوهلة، ثم قالت:

"لكننا بخير، أليس كذلك؟ أقسم أنني سألتزم بوعدي، ولن أذكر ترافيس مجددًا."


"نعم، نحن بخير. لا تقلقي."

أجبتها، وأنا أعني كل كلمة.


"شكرًا لكِ!"

قالتها بحماس.

"سأدعكِ الآن تقضين وقتك مع نوح. سلّمي عليه، وتمنِّي له ليلة سعيدة منّي."


"وأنتِ كذلك، ليتي."


أغلقت الخط وأخذت نفسًا عميقًا. وبما أن نوح كان قد أغلق الخط، اتصلت به من جديد.


"مرحبًا؟"

تجمدت في مكاني حين سمعت صوت والدتي من الطرف الآخر.


لم أتحدث إليها منذ ذلك اليوم في المطار.

ومن بين كل من تسببوا لي بالألم، كانت هي الأشد وقعًا.

فالأم من المفترض أن تحب أطفالها وتحنو عليهم، لكنني لم أنل شيئًا من ذلك.

كيف لها أن تدير ظهرها لي بهذه السهولة؟ كيف استطاعت أن تعاملني وكأنني لا أساوي شيئًا؟


والآن بعد أن أصبحت أما، لا أستطيع فهم كيف فعلت ذلك.

لا أستطيع تخيل نفسي يومًا أُدير ظهري لنوح.


"آفا، كيف حالكِ؟"

سألتني بصوت ناعم، مرتجف قليلًا.


لكن شفتيّ لم تنطقا بشيء. بقيت صامتة. ليس لأنه لا يوجد لديّ ما أقوله... بل لأن لدي الكثير لأقوله، وكلّه سيئ.

لذا، فضّلت أن أصمت، بدلًا من أن أقول كلمات لا أستطيع التراجع عنها لاحقًا.


"أرجوكِ، قولي شيئًا... أي شيء... أريد فقط أن أسمع صوتك."

همست بصوت مخنوق.


لكني لم أجب.

اختنق حلقي بالعاطفة. هذه هي الأم التي لطالما تمنيتها.

قبل بضع سنوات، بل حتى قبل أشهر قليلة، كنت سأغتنم هذه الفرصة بكل جوارحي...

لكن فات الأوان الآن.


"أعرف أنك لا تريدين الحديث معي، لذا سأعطي الهاتف لنوح. فقط اعلمي أنني... أحبكِ، يا آفا."


رغماً عني، ضحكت بسخرية على كلماتها.

إن كان هذا الذي قدمته لي طوال حياتي هو الحب، فأنا لا أريده.

لقد رأيت بنفسي ما الذي يمكن لحبها أن يفعله، ولا أريد له أي مكان في حياتي.


سمعتها تنادي على نوح، وبعد لحظات، كان صوت ابني في أذني.


"مرحبًا، ماما."

لكن هذه المرة، لم يكن صوته متحمسًا كما اعتدت.


"ما بك؟"

سألته بقلق.


"لا شيء... فقط أفتقدكِ كثيرًا. الأمر ممتع هنا، لكنني أريد العودة إلى المنزل. متى أستطيع العودة؟"


حزنه قتلني من الداخل.

كنت أريد عودته إلى البيت أكثر من أي شيء آخر، لكن أمانه يأتي أولًا.


كنت على وشك أن أجيبه، عندما سمعت صوت ارتطام قادم من الطابق السفلي. جلست في سريري فجأة.


"نوح، دعني أتفقد شيئًا في الأسفل ثم سأتصل بك لاحقًا."

قلت له بصوت مشتت.


أجابني بـ"حسنًا" ثم أغلق الخط. وما إن فعل، حتى أمسكت بهاتفي بقوة واتجهت إلى الأسفل.


كنت أريد أن أصدق أنه لا شيء... ربما كوب سقط، أو شيء تافه مثل ذلك.

لكني لم أستطع.


أمسكت بمزهرية وسرت على أطراف أصابعي متجهة إلى مصدر الصوت.

توقف قلبي للحظة عندما رأيت زجاج باب الحديقة الخلفية محطمًا، والباب نفسه مفتوح.

شخص ما اقتحم منزلي، وفي أعماقي كنت أعرف أنه ليس لصًا عاديًا.


بيد مرتعشة، أخرجت هاتفي وهممت بالاتصال بالشرطة... لكن لم 

تسنح لي الفرصة.


شخص ما ضربني على رأسي.


"هذه المرة، سأتأكد أنكِ ميتة."

قالها صوت غريب، قبل أن أسقط أرضًا فاقدة الوعي.


تعليقات

إرسال تعليق

شاركنا برأيك في التعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين ندم طليقي (الفصل الأول: وثيقة الطلاق)

ترجّلتُ من سيارتي وسرتُ ببطء نحو القصر. كانت يداي ترتجفان، وجسدي يتصبب عرقًا. ما زلتُ غير مصدقة أن الأمر قد انتهى. أنني أخيرًا تطلّقتُ منه. والدليل على ذلك كان في حقيبتي. جئت اليوم لأسلّمه الأوراق النهائية... ولأصطحب نوح. دخلتُ المنزل، وتتبعتُ أصواتًا هامسة، لكنني توقفتُ فجأة عند اقترابي من المطبخ. في تلك اللحظة، بات بإمكاني سماعها بوضوح، وما سمعته جمّد الدم في عروقي. "لا أفهم لماذا لا يمكنك العيش معي ومع أمي؟" سأل نوح والده بصوت بريء. وضعتُ يدي المرتجفتين على صدري، وقلبي يتألم من نبرة الحزن في صوته. كنتُ مستعدة لفعل أي شيء من أجله، لكن هذا الطلاق كان حتميًّا. زواجنا كان خطأ. كل ما جمعنا كان خطأ. فقط استغرقني وقتٌ لأدرك الحقيقة. "أنت تعرف السبب، نوح... لم نعد معًا، أنا ووالدتك." قالها بصوت خافت. من الغريب حقًا... طوال سنوات زواجنا، لم يحدث أن كلّمني بذلك اللين. كان صوته دائمًا باردًا، خاليًا من أي مشاعر، مسطحًا، جامدًا. "ولكن، لماذا؟" "هذه أمور تحدث أحيانًا..." تمتم بها. أستطيع أن أتخيل تعابير وجهه العابسة، محاولًا شرح الأمر لنوح كي لا يُكثر من ا...

حين ندم طليقي (الفصل الثاني: آسف لخسارتك والدك)

 "يجب أن أذهب... هل يمكنك البقاء مع نوح؟ لا أعلم كم من الوقت سأمكث هناك"، قلتُ بشرود بينما كنت ألتقط حقيبتي. "بالطبع... سأأتي حالما أطلب من والدتي أن تأتي لتبقى معه"، أجاب روان، لكن صوته تلاشى وسط طنين أذنيّ. لم أعد أعي ما يدور حولي بينما ودّعتُ ابني وغادرت. ركبتُ السيارة، وبدأتُ القيادة نحو المستشفى، وذهني غارق تمامًا في الذكريات. لقد نشأتُ في جوّ من الإهمال العاطفي، إن صح التعبير. كنتُ الطفلة التي لم يُبالِ بها أحد من والديّ. كان والدي يفضّل أختي الكبرى، إيما. كان يناديها دائمًا "أميرتي"، و"فتاتي الصغيرة". أما والدتي، فكان ابنها المفضل هو أخي الأكبر، ترافيس. كانت تراه الفتى الوسيم المدلل لديها. وأنا؟ لم أكن مفضّلة لدى أحد. كنت فقط آڤا. دائمًا ما شعرت أنني غير مرغوبة. دخيلة. ليس فقط من قِبل والديّ، بل من إخوتي أيضًا. مهما فعلت—تحصيل دراسي جيد، رياضات، أنشطة مدرسية—كنت دائمًا أقف على الهامش. أنظر من الخارج إلى الداخل، وكأنني أراقب عائلة سعيدة لا أنتمي إليها. وبعد ما حدث قبل تسع سنوات، انقطعت تمامًا العلاقة الهشة التي كانت تربطني بعائلتي. ترافيس ب...

حين ندم طليقي (الفصل الرابع: محطمة كلياً)

 هل شعرت يومًا وكأن قلبك وُضع داخل مفرمة لحم؟ هذا تمامًا ما أشعر به الآن وأنا أنظر إليهما. أشعر وكأن قلبي تمزّق إلى قطع صغيرة. لو كان بإمكاني أن أنزع هذا العضو عديم الفائدة وأرميه بعيدًا، لفعلت. لأن الألم الذي ينهشني الآن لا يمكن تصوره. أردت أن أهرب. أن أُبعد نظري، لكنني لم أستطع. كانت عيناي ملتصقتين بهما، وكلما حاولت أن أُدير وجهي، شعرت وكأنهما التصقتا بهذا المشهد المُفعم بالحب أمامي. أراقبهما وهما ينفصلان عن بعضهما. عينا روان تلينان وهو يحدّق في حبّ حياته. أشاهده وهو يضع كفيه على وجهها، يقربها منه... لا يُقبّلها، فقط يُسند جبهته على جبهتها. يبدو... مسالمًا. وكأنه أخيرًا عاد إلى منزله بعد غيابٍ طويل. وكأن روحه اكتملت أخيرًا. "اشتقتُ إليكِ" قرأتُ الكلمات وهي تتكوّن على شفتيه. لم أرغب في تخيّل ما كان سيحدث بينهما لو التقيا في ظروف مختلفة... لو التقيا ونحن لا نزال متزوجين. هل كان ليخونني معها؟ جزء مني يريد أن يرفض هذا الاحتمال، لكنني لست واثقة. نحن نتحدث عن إيما. روان قد يذهب إلى الجحيم ويعود من أجلهَا. غير قادرة على تحمّل المزيد، وقفتُ واندفعتُ إلى الخارج. ما إن وصلتُ حتى بدأت...