التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حين ندم طليقي (الفصل السابع والثلاثون: الانهيار)

أيقظتني أشعة الشمس الدافئة التي لامست وجهي. في البداية، شعرت بالارتباك، لم أفهم كيف انتهى بي المطاف في غرفتي، لكن اليد الثقيلة التي التفت حول خصري أعادت إليّ ذكريات الليلة الماضية.


بدأت أرتعب داخليًا، خائفة من أن أوقظ إيثان. لم أكن أريده أن يستيقظ الآن، ليس وأنا أمر بانهيار عصبي، ليس ورأسي يعج بالفوضى. تسللت ببطء شديد من السرير، وأفلتت نفسي من بين ذراعيه.


تحرك قليلاً وتمتم بشيء وهو نائم، لكنه لم يستيقظ. زفرت براحة وأنا أرتدي بعض الملابس، ثم التقطت هاتفي عن الطاولة الصغيرة.


تسللت إلى الباب، وتأوهت بصوت خافت حين أصدر صريرًا خفيفًا عند فتحه. نظرت خلفي وقلبي يكاد يخرج من صدري، لكني تنفست الصعداء حين رأيت إيثان لا يزال نائمًا.


كانت الأغطية قد انزلقت إلى خصره، كاشفة عن عضلات بطنه المشدودة، وذراعه ملقاة على وجهه. بلعت ريقي بصعوبة وغادرت الغرفة.


نزلت السلالم وكأنني أمشي "مسيرة العار"، رغم أنني في بيتي. الألم بين ساقيّ كان شهادة على أن إيثان أخذ مهمته في تخفيف ألمي النفسي على محمل الجد.


وما إن وصلت إلى المطبخ، حتى انفجرت. كل القلق والذعر اللذين حاولت كتمهما في غرفتي اجتاحاني كأنهما انهيار جليدي.


ـ "اهدئي، الناس يمارسون الحب طوال الوقت"، حاولت أن أطمئن نفسي، لكن بدلاً من أن يهدأ قلبي، ازداد خفقانه بجنون.


بدأت أذرع الأرضية المكسوة بالبلاط جيئة وذهابًا، غير قادرة على تصديق أنني مارست الحب مع رجل آخر. لطالما اعتقدت أن الرجل الوحيد الذي سيلمسني أو يراني عارية هو روان. ومع ذلك، ها أنا قد سمحت لإيثان أن يقبلني، بل أن ينام معي.


وحين تعبت من المشي، جلست على مقعد المطبخ، وقدماي ترتجفان بقلق. ماذا عليّ أن أفعل الآن؟ كيف أتصرف؟ لم أكن أعرف ما هو "البروتوكول" بعد حدوث مثل هذه الأمور.


هل يفترض أن أعد له الإفطار؟ هل سيرغب فيه أصلاً؟ هل ما حدث بيننا سيتكرر؟ أم أنه مجرد ليلة عابرة؟


وضعت يدي على قلبي الذي يخفق بجنون. شعرت وكأن صدري سينفجر. لم أقم بشيء كهذا من قبل. حتى لو لم أكن أحب روان، لطالما اعتقدت أنني لن أسمح لأحد بلمسي إلا بدافع الحب.


"لا تحتاجين إلى الحب للمعاشرة... يكفي أن تنجذبي إليه"، همس صوت داخلي.


أردت أن أجادله، لكن هاتفي اهتز فجأة، فقاطعني. فتحته.


"عيد ميلاد سعيد."


قرأت الرسالة البسيطة، متسائلة عمّن قد يكون أرسلها. وحين رفعت عينيّ، ورأيت أنها من روان، شعرت بالصدمة ثم الغضب.


ليس من حقه أن يرسل لي تلك الرسالة التافهة. لم يفعل ذلك طيلة زواجنا، فبأي حق يفعلها الآن، بعد كل ما قاله لي؟ بعد أن لطخني بكلماته المقززة؟


وقفت وبدأت أتمشى من جديد. لماذا الآن؟ لماذا بعد طلاقنا؟ لماذا في هذا اليوم تحديدًا؟ وبعد ساعات فقط من نومي مع رجل آخر؟


لا أظن أنه من العدل أن أقارن بين رجلين في السرير، لكن إيثان... إيثان أتقن مهمته بكل وضوح. كان هناك نار، شغف، حرارة... كل شيء كان يفتقر إليه ما كان بيني وبين روان. أخذني إيثان في أوضاع لم أكن أعرف بوجودها. أحببت ذلك... وكرهته في ذات الوقت، لأنه جعلني أدرك كم كانت حياتي الحميمة مع روان باهتة.


المرة الوحيدة التي عاملني فيها روان بهذه الطريقة كانت أول مرة، لأنه ظن أنه ينام مع إيما، حبيبته اللعينة.


لطالما تمنيت أن يكون بيننا ذلك الشغف. لم تكن علاقتنا سيئة، لكنها كانت تفتقر لشيء. والآن بعد تلك الليلة مع إيثان، أدركت ما كان ينقص: الشغف. وأدركت أنه لم يكن موجودًا، لأنه ببساطة... لم يكن يراني المرأة التي يريدها.


دفعت ذلك الألم الذي حاول أن يطفو إلى السطح بعيدًا. لا أريد التفكير بأن روان كان يتحفظ حتى أثناء ممارسة الحب معي، لأنه كان يتمنى امرأة أخرى.


عدت إلى هاتفي. فقط لأشتت نفسي عن العاصفة التي تعصف بداخلي.


وجدت المزيد من الرسائل التي تتمنى لي عيد ميلاد سعيد. من ترافيس، و لِتي، وأمي، وحتى غابرييل. تجاهلت البقية وقررت أن أرد على لِتي لاحقًا.


لم أكن أفهم. لماذا الآن؟ ماذا يريدون من ذلك؟


"مغفرتك؟" همس نفس الصوت مجددًا.


المغفرة. كلمة بسيطة، لكنها معقدة.


كيف أعطيهم إياها وهم لم يعطوني إياها؟ كيف أغفر لهم وهم الذين كسروني؟ كيف أترك كل شيء وأبدأ من جديد، وهم لم يسمحوا لي أن أعيش بسلام؟


كان إيثان محقًا. كلانا كنا سكارى، لكنني وحدي من تلقيت العقاب. وحدي من نالت اللوم. وحدي من وُصِفت بأسوأ الأوصاف، ومن نظر إليها الجميع بازدراء. وحدي من تم التنمر عليها.


أنا وحدي من تلقيت الإساءة النفسية واللفظية. تحملت كل ذلك. قبلت باللوم، فقط لأنني أحببت روان.


كلما فكرت أكثر، كلما غضبت أكثر. شعرت بالدموع الحارقة تندفع، ولم أرد كبحها هذه المرة.


أنا متعبة. مرهقة من التظاهر بالقوة. لقد خسرت تمامًا كما خسر روان في تلك الليلة.


لم يرَ أحد كيف كسرني الذنب. لم يرَ أحد كيف كنت أتحطم، كيف كنت أُصارع. كان كل شيء يدور حول روان وإيما.


دائمًا عنه. لماذا اضطررت إلى أن أنكسر لأجل استمرار علاقتنا؟ لماذا كان عليّ أن أحمل كل شيء ليشعروا هم بالارتياح؟ لقد حطموني، ومع ذلك لا أحد يعترف بألمي.


شعرت بسدٍّ ينفجر بداخلي. كل الألم الذي كنت أكبته، كل الجراح التي دفنتها في أعماقي، لم أعد أستطيع احتواءها. اندفعت كلها إلى السطح، وبدأ عالمي ينهار.


الصرخة التي خرجت من فمي كانت وحشية، غير إنسانية حتى بالنسبة لي. ارتدت من الجدران، تعكس معاناتي. بدأت أضرب كل شيء حولي، قبضتي تتحطم على كل ما هو هش.


صوت الزجاج المتناثر والخشب المتشقق ملأ الأرجاء، يعكس الفوضى التي في داخلي. قلبي الهش كان يتحطم من جديد. الألم ابتلعني. كان يمزقني من الداخل.


لحظة بعد لحظة، استمر الألم المدفون بالظهور. ينبش طريقه من أعماقي.


أنا أكرههم. أكره روان لما فعله بي.


"آڤا..." التفتُّ عند سماع صوته.


كان إيثان يقف هناك، عاري الصدر، ينظر إليّ مصدومًا. المطبخ كان مدمرًا، حتى المقاعد العالية لم تسلم.


حين رأيته، سقطت على ركبتيّ باستسلام، غير آبهة بالشظايا التي خدشت جلدي. ما هو الألم الجسدي مقارنة بما أشعر به داخليًا؟


ـ "أنا أكرهه. أعطيته كل شيء. كان يأخذ ويأخذ، وكنت أسمح له. تركني بلا شيء، إيثان. أنا فارغة، باردة، ومظلمة من الداخل. كيف أعيش هكذا؟ كيف أتحرر؟ أنا متعبة جدًا... كل هذه الأحمال ثقيلة."


لماذا لم أرَ أنني كنت أتمسك بشيء لم يُكتب له أن يبقى؟ أنني كنت أعيش في أرض خراب طُردت إليها؟


شعرت بذراعيه تلتفان حولي.


ـ "اتركي كل شيء، دعي الألم يخرج، آڤا... إنها الطريقة الوحيدة"، قالها... وفعلت.


غرست أظافري في جلده وأنا أبكي حتى انكسرت. نقلت كل ألمي إليه. ولم يشتكِ. لم ينبس بكلمة. لم يتألم.


استمر في احتضاني، بينما تناثرت بقايا ماضيّ، وندوبي غير الملتئمة، على الأرض. تجسيد حقيقي للفوضى العاطفية التي التهمتني.


شياطيني الداخلية مزقتني، وكل الألم الذي تحملته... انفجر أخيرًا.


سقطت عليه تمامًا، منهارة بالكامل. حملني بلطف بين ذراعيه، وصعد بي السلم. عينيّ بدأتا تنغلقان، وسلام غريب بدأ يغمر أعماقي.


حتى وإن كان الله قد اعتبرني مذنبة على خطايا الماضي، أظن أنني دفعت ثمنها بما يكفي.


حان الوقت لأن أترك الماضي حيث ينتمي.


حان وقت الشفاء.


لقد انتهى وقت الاختباء.


حان وقت الخروج من الظلال... والعيش.


تعليقات

  1. الفصل الجاي حماس ينفع تنزلي ٥ فصول او كل ساعة فصل 😂😂😂

    ردحذف
  2. ايوة كدة ياريت افا تنتقم منهم كلهم

    ردحذف
  3. يب و ما ترجع لروان خالص هو ما بيستحق

    ردحذف
  4. خلي الصباح يكون فصلين ما ف هدايا للمتابعين المعلقين المخلصين

    ردحذف

إرسال تعليق

شاركنا برأيك في التعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين ندم طليقي (الفصل الأول: وثيقة الطلاق)

ترجّلتُ من سيارتي وسرتُ ببطء نحو القصر. كانت يداي ترتجفان، وجسدي يتصبب عرقًا. ما زلتُ غير مصدقة أن الأمر قد انتهى. أنني أخيرًا تطلّقتُ منه. والدليل على ذلك كان في حقيبتي. جئت اليوم لأسلّمه الأوراق النهائية... ولأصطحب نوح. دخلتُ المنزل، وتتبعتُ أصواتًا هامسة، لكنني توقفتُ فجأة عند اقترابي من المطبخ. في تلك اللحظة، بات بإمكاني سماعها بوضوح، وما سمعته جمّد الدم في عروقي. "لا أفهم لماذا لا يمكنك العيش معي ومع أمي؟" سأل نوح والده بصوت بريء. وضعتُ يدي المرتجفتين على صدري، وقلبي يتألم من نبرة الحزن في صوته. كنتُ مستعدة لفعل أي شيء من أجله، لكن هذا الطلاق كان حتميًّا. زواجنا كان خطأ. كل ما جمعنا كان خطأ. فقط استغرقني وقتٌ لأدرك الحقيقة. "أنت تعرف السبب، نوح... لم نعد معًا، أنا ووالدتك." قالها بصوت خافت. من الغريب حقًا... طوال سنوات زواجنا، لم يحدث أن كلّمني بذلك اللين. كان صوته دائمًا باردًا، خاليًا من أي مشاعر، مسطحًا، جامدًا. "ولكن، لماذا؟" "هذه أمور تحدث أحيانًا..." تمتم بها. أستطيع أن أتخيل تعابير وجهه العابسة، محاولًا شرح الأمر لنوح كي لا يُكثر من ا...

حين ندم طليقي (الفصل الثاني: آسف لخسارتك والدك)

 "يجب أن أذهب... هل يمكنك البقاء مع نوح؟ لا أعلم كم من الوقت سأمكث هناك"، قلتُ بشرود بينما كنت ألتقط حقيبتي. "بالطبع... سأأتي حالما أطلب من والدتي أن تأتي لتبقى معه"، أجاب روان، لكن صوته تلاشى وسط طنين أذنيّ. لم أعد أعي ما يدور حولي بينما ودّعتُ ابني وغادرت. ركبتُ السيارة، وبدأتُ القيادة نحو المستشفى، وذهني غارق تمامًا في الذكريات. لقد نشأتُ في جوّ من الإهمال العاطفي، إن صح التعبير. كنتُ الطفلة التي لم يُبالِ بها أحد من والديّ. كان والدي يفضّل أختي الكبرى، إيما. كان يناديها دائمًا "أميرتي"، و"فتاتي الصغيرة". أما والدتي، فكان ابنها المفضل هو أخي الأكبر، ترافيس. كانت تراه الفتى الوسيم المدلل لديها. وأنا؟ لم أكن مفضّلة لدى أحد. كنت فقط آڤا. دائمًا ما شعرت أنني غير مرغوبة. دخيلة. ليس فقط من قِبل والديّ، بل من إخوتي أيضًا. مهما فعلت—تحصيل دراسي جيد، رياضات، أنشطة مدرسية—كنت دائمًا أقف على الهامش. أنظر من الخارج إلى الداخل، وكأنني أراقب عائلة سعيدة لا أنتمي إليها. وبعد ما حدث قبل تسع سنوات، انقطعت تمامًا العلاقة الهشة التي كانت تربطني بعائلتي. ترافيس ب...

حين ندم طليقي (الفصل الرابع: محطمة كلياً)

 هل شعرت يومًا وكأن قلبك وُضع داخل مفرمة لحم؟ هذا تمامًا ما أشعر به الآن وأنا أنظر إليهما. أشعر وكأن قلبي تمزّق إلى قطع صغيرة. لو كان بإمكاني أن أنزع هذا العضو عديم الفائدة وأرميه بعيدًا، لفعلت. لأن الألم الذي ينهشني الآن لا يمكن تصوره. أردت أن أهرب. أن أُبعد نظري، لكنني لم أستطع. كانت عيناي ملتصقتين بهما، وكلما حاولت أن أُدير وجهي، شعرت وكأنهما التصقتا بهذا المشهد المُفعم بالحب أمامي. أراقبهما وهما ينفصلان عن بعضهما. عينا روان تلينان وهو يحدّق في حبّ حياته. أشاهده وهو يضع كفيه على وجهها، يقربها منه... لا يُقبّلها، فقط يُسند جبهته على جبهتها. يبدو... مسالمًا. وكأنه أخيرًا عاد إلى منزله بعد غيابٍ طويل. وكأن روحه اكتملت أخيرًا. "اشتقتُ إليكِ" قرأتُ الكلمات وهي تتكوّن على شفتيه. لم أرغب في تخيّل ما كان سيحدث بينهما لو التقيا في ظروف مختلفة... لو التقيا ونحن لا نزال متزوجين. هل كان ليخونني معها؟ جزء مني يريد أن يرفض هذا الاحتمال، لكنني لست واثقة. نحن نتحدث عن إيما. روان قد يذهب إلى الجحيم ويعود من أجلهَا. غير قادرة على تحمّل المزيد، وقفتُ واندفعتُ إلى الخارج. ما إن وصلتُ حتى بدأت...