التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حس بقيمتي بعدما خسرني | باللهجة الليبية | الفصل الأول

 *ورقة الطلاق*

نزلت من سيارتي ومشيت بشوي بشوي ناحية الحوش. يديا كانت ترجف، وعرق الدنيا سايح منّي.


ما زلت مش مصدقة إن القصة خلاص، تمت وانتهت. إنّي أخيرًا طلّقت منه. والدليل اهو معاي في الشنطة. جيت اليوم باش نسلّمه الوراق الرسمية... وباش ناخذ نوح معاي.


دخلت للحوش، وبدّيت نمشي جهة أصوات خافتة، لكن وقفت فجأة لما قربت من المطبخ.


وقتها، الصوت بدي واضح قدامي، والكلام اللي سمعته جمّد الدم في عروقي.


"ما فهمتش علاش ما تقدرش تعيش معاي ومع أمي؟" نوح سأل بوه بصوت بريء.


حطّيت يديا المرتجفين على صدري، وقلبي يعور فيّا من نبرة الحزن اللي في صوته. كنت نقدر ندير أي شي عشانه، لكن الطلاق كان لازم.


زواجنا كان غلطة. كل شي بينا كان غلطة. بس خديت وقت طويل باش نفهم الحقيقة.


"إنت تعرف السبب، نوح... أنا وامّك ما عادش مع بعض." قالها بصوت هادي.


الغريب... طول سنين زواجنا، عمره ما كلّمني بهالطريقة. كان دايمًا صوته بارد، لا فيه دفء ولا إحساس.


"لكن... علاش؟"


"هاذي حاجات تصير مرات..." قالها وهو يتهرّب.


نتخيل وجهه كيف متغير، يحاول يشرح لنوح بطريقة تخليه ما يسأل واجد. لكن نوح... ولدي. والفضول في دمه.


"ما كنتش تحبها؟"


نفَسي وقف عند هالسؤال البسيط اللي فيه مليون إحساس. رجعت خطوة لورا، واسندت ظهري على الحيط. قلبي يدق بسرعة، ونستنى جوابه.


كنت نعرف شن بيقول. ديما كنت نعرف. الكل يعرف، إلا نوح... يمكن.


الواقع إنه ما يحبنيش. عمره ما حبني، وما راح يحبني. الموضوع واضح زي الشمس.


وبرغم إني نعرف، كنت نبي نسمعه منه. هل بيقول الحقيقة لولده؟ ولا بيكذب عليه؟


تنحنح، كأنه ياخذ وقت. "نوح..."


"بابا، تحب أمي ولا لا؟" نوح عاد سؤاله، بصوت فيه شدة.


سمعته يتنهّد، وقال في الآخر: "نحبها خاطرها جابتك ليا."


ما كانتش إجابة... كانت محاولة تهدّي بيها ولده بس.


غمّضت عيوني قدّام الموجة اللي وجعتني. بعد كل هالسنين... مازال يوجعني. حسّيت قلبي ينكسر من جديد. ما نعرفش علاش، لكن كان فيّا أمل صغير إنه يقولي كلام ثاني.


هو عمره ما قاللي "نحبك". لا في يوم زواجنا، لا لما ولدت نوح، لا في أي لحظة مرّت، حتى وإحنا نايمين مع بعض.


عمره ما عطاني إحساس... وأنا عطيت كلّي.


كنا متجوزين، لكن كأنّا ثلاثة في العلاقة: أنا، هو، وحب حياته... هذيك اللي عمره ما نساها طول تسع سنين.


دموعي بدت تطيح، لكن مسحتهم بسرعة. تعبت من البكا. تعبت من جري ورا راجل ما يبينيش.


"ما علّموكش قبل إن الاستماع لحكي الناس عيب؟"


صوته غليظ كسر سكاتي. وقفت كويس، ودخلت المطبخ.


كان واقف عند الطاولة، روان وودز، راجلي السابق.


عينيه الرماديتين اللي دايمًا فيها سخرية، خلوني واقفة مكاني.


بصيت لنوح... فخري، وفرحتي الوحيدة. الحاجة الزينة الوحيدة اللي طلعتلي من هالزواج. شكله يشبه بوه، لكن شعره لونه زي شعري.


"أهلا"، قلت بابتسامة صغيرة.


"أهلا أمي!" نوح خلى الساندويتش، نزل من الكرسي، وجا يركض ناحيتي وضمّني من خصري. "اشتقتلك."


"وحتى أنا اشتقتلك، يا قلبي." بوسته على جبينه، وهو رجع لمكانه يكمل ياكل.


وقفت شوي بحيرة. المكان هذا كان بيتي في يوم، بس توه مش حاسيه ليّا. كأني دخيلة.


وبالصراحة... هو ما كانش لي يوم.


بناه وهو يفكر فيها. كل شي فيه يصرخ باسمها. حتى الألوان من اختيارها.


وكان هذا أول دليل إنه عمره ما نوا ينسى حبّه الأول. وإنه مستحيل يحبني كيف ما حبها.


"شنو اللي جابك؟" سأل وهو يطالع في ساعته، شكله متضايق. "قلتي مش حتجي في وقتي مع نوح."


"عارفة... بس خديت ورقة الطلاق اليوم، وقلت نعدّي نعطيهالك ونرجع نوح معايا."


تغيّرت ملامحه، وسكّر شفايفه بخط. وكل مرة يرميني بهالنظرة، نحس قلبي ينهرس. حبّيته من قلبي، من زمان... لكن ما فرق معاه.


كسر قلبي مرات ومرات، وأنا نحب فيه. تمسكت، فكّرت إنه حيتغيّر... بس ما تغيّرش.


فكّرت لو نتجوزه، حنلقى الحب اللي كنت نحلم بيه من صغري. لكن كنت غالطة. الزواج كان كابوس. ديما نقارع في شبح من ماضيه... شبحها هي، اللي ما عرفتش نكون زيها مهما درت.


فركت صدري، نحاول نهدّي وجعي.


لكن ما فيش فايدة. الوجع مازال فيّا، حتى بعد ما بعدنا.


"نوح، اطلع فوق شوية. نبي نحكي مع أمك."


قالها وهو يشد في سنونه، حتى كلمة "أمك" طلّعها وكأنه مضايق.


نوح طالعنا شوي، بعدها هز راسه.


"ما تتخانقوش." قال، وطلع.


أول ما مشى، ضرب روان الطاولة بقبضته. عيونه الرماديه كانت باردة زي التلج، وهو يخاطبني.


"كان ممكن تبعتي الوراق للمكتب، مش تقطعي وقتي مع ولدي!" كلامه طلع بصوت عالي، ويديه مشدودين كأنه بينفجر.


"روان..." تنهدت، مش قادرة نكمل.


"لا! بالله لا! قلبتي حياتي من تسع سنين، وتوّا جاية تديريها من جديد بطلب الطلاق هذا؟ هذا انتقام؟ تبعديني عن ولدي خاطر ما عرفتش نحبك؟ خليني نقولها بوضوح يا آڤا... نكرهـك، والله نكرهـك!"


كان يتنفس بصعوبة، وكلامه زي الرصاص في صدري. يحفر، ويمزق اللي باقي من قلبي.


"أنا... أنا..."


شنو ممكن تقولي لما الراجل اللي مازال عندك فيه حب، يعترف إنه يكرهك؟


"اطلعي من الحوش، وحنرجّعلك نوح لما يخلص وقتي معاه." قالها بحدّة.


حطّيت ورقة الطلاق على الطاولة. كنت بنعتذر، بس تلفوني رن.


طلّعته من الشنطة، شفت من المتصل.


أمي.


كنت بنطنش، لكن هي ما تتصلش إلا في أمر كبير.


مرّيت إصبعي على الشاشة، وحطيت التلفون على ودني.


تنهدت: "أمي..."


لكن ما خلتنيش نكمل.


"امشي للمستشفى توّا! بوك... انضرب بطلق ناري!" قالتها وهي تصرخ، وسكرت المكالمة.


التلفون طاح من يدي. كنت مصدومة.


"شن فيه؟" صوته رجعني للواقع.


قلبي يدق بسرعة، نزلت وخطفت التلفون، وقلتله وأنا مش طايقة نطالع فيه:


"بابا... طلقوا عليه نار."

_________


سلام

الرواية مترجمة، لذلك مفيش داعي ناخدوها بجد جدا اوكي! 😉

الأسماء خليتها نفس الأسماء في اللغة الأصلية.

نورتوني ♥️

قراءة ممتعة 😘

مواعيد النشر يوميا الساعة 9 مساء بتوقيت ليبيا 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين ندم طليقي (الفصل الأول: وثيقة الطلاق)

ترجّلتُ من سيارتي وسرتُ ببطء نحو القصر. كانت يداي ترتجفان، وجسدي يتصبب عرقًا. ما زلتُ غير مصدقة أن الأمر قد انتهى. أنني أخيرًا تطلّقتُ منه. والدليل على ذلك كان في حقيبتي. جئت اليوم لأسلّمه الأوراق النهائية... ولأصطحب نوح. دخلتُ المنزل، وتتبعتُ أصواتًا هامسة، لكنني توقفتُ فجأة عند اقترابي من المطبخ. في تلك اللحظة، بات بإمكاني سماعها بوضوح، وما سمعته جمّد الدم في عروقي. "لا أفهم لماذا لا يمكنك العيش معي ومع أمي؟" سأل نوح والده بصوت بريء. وضعتُ يدي المرتجفتين على صدري، وقلبي يتألم من نبرة الحزن في صوته. كنتُ مستعدة لفعل أي شيء من أجله، لكن هذا الطلاق كان حتميًّا. زواجنا كان خطأ. كل ما جمعنا كان خطأ. فقط استغرقني وقتٌ لأدرك الحقيقة. "أنت تعرف السبب، نوح... لم نعد معًا، أنا ووالدتك." قالها بصوت خافت. من الغريب حقًا... طوال سنوات زواجنا، لم يحدث أن كلّمني بذلك اللين. كان صوته دائمًا باردًا، خاليًا من أي مشاعر، مسطحًا، جامدًا. "ولكن، لماذا؟" "هذه أمور تحدث أحيانًا..." تمتم بها. أستطيع أن أتخيل تعابير وجهه العابسة، محاولًا شرح الأمر لنوح كي لا يُكثر من ا...

حين ندم طليقي (الفصل الثاني: آسف لخسارتك والدك)

 "يجب أن أذهب... هل يمكنك البقاء مع نوح؟ لا أعلم كم من الوقت سأمكث هناك"، قلتُ بشرود بينما كنت ألتقط حقيبتي. "بالطبع... سأأتي حالما أطلب من والدتي أن تأتي لتبقى معه"، أجاب روان، لكن صوته تلاشى وسط طنين أذنيّ. لم أعد أعي ما يدور حولي بينما ودّعتُ ابني وغادرت. ركبتُ السيارة، وبدأتُ القيادة نحو المستشفى، وذهني غارق تمامًا في الذكريات. لقد نشأتُ في جوّ من الإهمال العاطفي، إن صح التعبير. كنتُ الطفلة التي لم يُبالِ بها أحد من والديّ. كان والدي يفضّل أختي الكبرى، إيما. كان يناديها دائمًا "أميرتي"، و"فتاتي الصغيرة". أما والدتي، فكان ابنها المفضل هو أخي الأكبر، ترافيس. كانت تراه الفتى الوسيم المدلل لديها. وأنا؟ لم أكن مفضّلة لدى أحد. كنت فقط آڤا. دائمًا ما شعرت أنني غير مرغوبة. دخيلة. ليس فقط من قِبل والديّ، بل من إخوتي أيضًا. مهما فعلت—تحصيل دراسي جيد، رياضات، أنشطة مدرسية—كنت دائمًا أقف على الهامش. أنظر من الخارج إلى الداخل، وكأنني أراقب عائلة سعيدة لا أنتمي إليها. وبعد ما حدث قبل تسع سنوات، انقطعت تمامًا العلاقة الهشة التي كانت تربطني بعائلتي. ترافيس ب...

حين ندم طليقي (الفصل الرابع: محطمة كلياً)

 هل شعرت يومًا وكأن قلبك وُضع داخل مفرمة لحم؟ هذا تمامًا ما أشعر به الآن وأنا أنظر إليهما. أشعر وكأن قلبي تمزّق إلى قطع صغيرة. لو كان بإمكاني أن أنزع هذا العضو عديم الفائدة وأرميه بعيدًا، لفعلت. لأن الألم الذي ينهشني الآن لا يمكن تصوره. أردت أن أهرب. أن أُبعد نظري، لكنني لم أستطع. كانت عيناي ملتصقتين بهما، وكلما حاولت أن أُدير وجهي، شعرت وكأنهما التصقتا بهذا المشهد المُفعم بالحب أمامي. أراقبهما وهما ينفصلان عن بعضهما. عينا روان تلينان وهو يحدّق في حبّ حياته. أشاهده وهو يضع كفيه على وجهها، يقربها منه... لا يُقبّلها، فقط يُسند جبهته على جبهتها. يبدو... مسالمًا. وكأنه أخيرًا عاد إلى منزله بعد غيابٍ طويل. وكأن روحه اكتملت أخيرًا. "اشتقتُ إليكِ" قرأتُ الكلمات وهي تتكوّن على شفتيه. لم أرغب في تخيّل ما كان سيحدث بينهما لو التقيا في ظروف مختلفة... لو التقيا ونحن لا نزال متزوجين. هل كان ليخونني معها؟ جزء مني يريد أن يرفض هذا الاحتمال، لكنني لست واثقة. نحن نتحدث عن إيما. روان قد يذهب إلى الجحيم ويعود من أجلهَا. غير قادرة على تحمّل المزيد، وقفتُ واندفعتُ إلى الخارج. ما إن وصلتُ حتى بدأت...