التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حين ندم طليقي (الفصل الرابع عشر: العالم الموازي)

 

رأسي ينبض بالألم.

في الواقع، لا—دعك من رأسي، جسدي بأكمله يتلوى من الألم.

أحاول فتح عيني، لكن لا فائدة.

كأن جفوني مثقلة بالحجارة.

أحاول أن أنادي على نوح، أو أي أحد…

لكن لا صوت يخرج من فمي.


أشعر بأنني أتحرك.

أو أن أحدهم يحركني.

كل حركة تصيبني بوخز مؤلم يزيد حالتي سوءًا.

ليتهم يبطئون… أو يتوقفون كليًا.


"نحتاج إلى طبيب!" صرخ أحدهم.


لم أفهم ما الذي يحدث، أو لماذا يحتاجون إلى طبيب.

أو حتى ما الذي أصابني.

حاولت أن أبقى يقظة، لكن الظلام عاد ليبتلعني، واستسلمت له.



---


عندما عدت إلى وعيي مجددًا، لم أكن أشعر بالألم،

لكنني ما زلت غير قادرة على فتح عيني.

ولا أستطيع تحريك جسدي.

كأن أطرافي مصبوبة في الأسمنت.

كأنني محاصرة داخل جسدي، بلا مخرج.


أسمع أصواتًا تتحدث، لكن الكلمات تصلني مشوشة،

كما لو أنني أسمعها من تحت الماء.

لا شيء واضح، لا شيء مفهوم.

ولا أفقه لماذا يحدث لي هذا.


كنت أتشوق لأن أرى نوح، أن أسمع صوته.

لابد أنه قلق جدًا بسبب عدم اتصالي به.

لكنني لا أستطيع فعل أي شيء.


عدت إلى الفراغ مرة أخرى،

وآخر ما فكرت به هو نوح…

وكم سيكون حزينًا لأنني لم أتصل به.



---


استيقظت، والغرفة غارقة في الضوء.

سطوعه يجعلني أغمض عيني بتألم.


"أنتِ مستيقظة"، قالت امرأة بصوت لم أعهده.


حاولت فتح عيني مجددًا،

لكن الإضاءة المزعجة منعتني.


"أنا آسفة حقًا على هذا"، توقفت لحظة، وسمعت صوتها تتحرك.

"يمكنك الآن فتح عينيك، خففنا الإضاءة."


وفعلًا، عندما فتحت عيني، كانت الستائر مغلقة،

والأنوار خافتة.

نظرت إلى المرأة—بدت في أواخر الثلاثينيات من عمرها، ترتدي زي ممرضة.

نظرة سريعة على الغرفة أخبرتني أنني في مستشفى.


"شكرًا لكِ"، تمتمت، وكان صوتي خشنًا كأنني لم أتكلم منذ أيام.


"اشربي هذا، وسأذهب لأحضر طبيبك. عائلتك ستكون مسرورة بمعرفة أنك بخير."

قدّمت لي كوبًا من الماء وغادرت الغرفة.


شربت ببطء، أستمتع ببرودة الماء وهي تهدئ من خشونة حلقي.

تأملت الغرفة حولي—كانت مليئة بالزهور، والبالونات، والدُمى.

وكانت هناك أيضًا بطاقات كثيرة على الطاولة بجانبي.


مددت يدي لآخذ واحدة،

لكن الباب فُتح، ودخل روان.


"تبدو وكأنك خرجت من معركة." قلت له، وقد عاد صوتي تقريبًا إلى طبيعته.


كان شعره مشعثًا، وملابسه مجعدة، وعيناه مرهقتان.

لم أرَ روان بهذا الشكل من قبل.

هو دائمًا أنيق، مرتب، لا يتهاون في مظهره.

لكن الآن؟

يبدو كمن سقط في الجحيم وعاد للتو.


"كيف تشعرين؟" سأل وهو يجلس بجانبي.


"كأن شاحنة صدمتني… لكن ما الذي تفعله هنا؟"


فاجأني عندما أمسك يدي بيده الكبيرة.

حاولت سحبها، لكنه شد عليها بلطف.


"رجاءً، لا تفعلي"، قال بصوت خافت.

"أحتاج أن ألمسك، لأتأكد أنك على قيد الحياة… أنني لا أحلم."


قطبت حاجبي بحيرة.

هل استيقظت في عالم موازٍ؟

لأن الأمور لا تتوافق مع المنطق.


"هل أنت بخير يا روان؟ لم ترتطم رأسك، أليس كذلك؟"

سألت وأنا أضع يدي الأخرى على جبينه.


لم تسنح له الفرصة للرد، لأن الطبيب دخل.


ألقى نظرة على ملفه، ثم نظر إلي وقال:


"الآنسة شارب، سعيد جدًا أنك عدتِ إلينا… لقد أقلقتِنا."

ابتسم وتابع:

"هل تعلمين أين أنتِ، وماذا حدث لكِ؟"


أومأت برأسي.

"أنا في المستشفى… شيء قوي دفعني حين فتحت سيارتي، وارتطم رأسي بالأرض."


كنت أحاول نسيان ما حدث منذ أن استيقظت.

أخشى أن أواجه الحقيقة:

أنني كدت أموت.


"نعم، لقد كانت سيارتك مفخخة، والانفجار هو ما قذفك للخلف."

توقف لحظة وسأل:

"ما هو العام الآن؟"


أجبت، فدون ملاحظاته.

شعرت بضغط روان على يدي،

فنظرت إليه.

ومض شيء في عينيه،

لكنه اختفى قبل أن أفهمه.


كنت مصدومة.

لم أتخيل يومًا أن تُفخخ سيارتي.

ومع كل هذا التوتر، شعرت بصداع يبدأ في الظهور،

وألم يتسلل ببطء.


"بما أنك تتذكرين السنة، وتعرفين اسمك، وتعرفين من هو السيد وود،

فهذا مؤشر جيد. لكن سنُجري اختبارات إضافية للتأكد من عدم وجود فقدان في الذاكرة."


"حسنًا"، همست.


"بالنسبة لإصاباتك: خلعنا كتفك وأعدناه لمكانه،

لديك ثلاثة أضلاع مكسورة، طحال ممزق، إصابة دماغية سببت تجمع سوائل في رأسك—قمنا بتصريفها—وكان هناك تورم كذلك."

"كما أن الجرح في كتفك انفتح مجددًا واضطررنا إلى إعادة خياطته.

قلقنا الأكبر الآن هو إصابة الرأس. هل لديك أي أسئلة؟"


مددت يدي الأخرى إلى رأسي—

لكن روان لم يفرج عن يدي اليمنى.

تحسست الضمادة هناك،

وهنا فقط… بدأت الحقيقة تغرس أنيابها بداخلي.


"منذ متى وأنا هنا؟" سألت.


"اليوم هو اليوم الرابع.

اضطررنا إلى إدخالك في غيبوبة اصطناعية بسبب التورم.

قد تظهر مضاعفات مع هذا النوع من الإصابات،

لذا سنبقيك تحت المراقبة لعدة أيام إضافية. موافقة؟"


أومأت برأسي.

كنت مرهقة تمامًا، وكل ما أردته هو النوم.

كتب شيئًا في ملفه، ثم نظر إليّ مجددًا.


"سأتركك مع زوجك لبعض الوقت. سأعود لاحقًا."

ثم خرج بهدوء، وأغلق الباب خلفه.


"زوجي؟" سألت روان، وأنا أرفع حاجبي.


نظر إليّ بخجل جعلني على وشك أن أضحك.

كان لطيفًا… بطريقة غريبة.


"لم يسمحوا لي برؤيتك لولا ذلك."


"كيف حال نوح؟

أرجوك قل لي إن أحدًا لم يخبره بما حصل.

لا أريده أن يقلق."


بمجرد ذكر اسمه، اغرورقت عيناي بالدموع.

لا أصدق أنني كنت على وشك ألّا أراه مرة أخرى.

يمزق قلبي التفكير في أن آخر ذكرى كان سيحتفظ بها عني…

هي قولي له وداعًا.


"لا بأس… أنت بخير الآن، وكذلك نوح. لكنه يفتقدك كثيرًا."

قال روان وهو يمسح دموعي.


"أنت تتصرف بغرابة،" قلت وأنا أضحك باكية،

فابتسم بدوره.


هذا هو روان الذي كنت أتمنى وجوده حين كنا متزوجين.

وأعرف أن سلوكه هذا مؤقت،

بمجرد أن أتعافى… سيعود ليكرهني.

وهذه الفكرة أثقلت قلبي بالحزن.


أغمضت عينيّ بتعب.

حاولت أن أبقى مستيقظة، لكن جسدي لم يطاوعني.


كان يطالب بالنوم.


"نامي يا آفا… أعدك أنني لن أتركك."

سمعت صوته،

ثم شعرت بشفتيه تلامسان جبيني.



---


لابد أنني استيقظت في عالم موازٍ.

فروان… لا يمكن أن يكون بهذا اللين معي، أليس كذلك؟

________

...............🟦..............

لتلقي تنبيهات فور نزول فصل جديد الرجاء متابعتنا على 👇🏻 

روايات جيجي (للبنات فقط)

روايات رومانسية - Romance Novel

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين ندم طليقي (الفصل الأول: وثيقة الطلاق)

ترجّلتُ من سيارتي وسرتُ ببطء نحو القصر. كانت يداي ترتجفان، وجسدي يتصبب عرقًا. ما زلتُ غير مصدقة أن الأمر قد انتهى. أنني أخيرًا تطلّقتُ منه. والدليل على ذلك كان في حقيبتي. جئت اليوم لأسلّمه الأوراق النهائية... ولأصطحب نوح. دخلتُ المنزل، وتتبعتُ أصواتًا هامسة، لكنني توقفتُ فجأة عند اقترابي من المطبخ. في تلك اللحظة، بات بإمكاني سماعها بوضوح، وما سمعته جمّد الدم في عروقي. "لا أفهم لماذا لا يمكنك العيش معي ومع أمي؟" سأل نوح والده بصوت بريء. وضعتُ يدي المرتجفتين على صدري، وقلبي يتألم من نبرة الحزن في صوته. كنتُ مستعدة لفعل أي شيء من أجله، لكن هذا الطلاق كان حتميًّا. زواجنا كان خطأ. كل ما جمعنا كان خطأ. فقط استغرقني وقتٌ لأدرك الحقيقة. "أنت تعرف السبب، نوح... لم نعد معًا، أنا ووالدتك." قالها بصوت خافت. من الغريب حقًا... طوال سنوات زواجنا، لم يحدث أن كلّمني بذلك اللين. كان صوته دائمًا باردًا، خاليًا من أي مشاعر، مسطحًا، جامدًا. "ولكن، لماذا؟" "هذه أمور تحدث أحيانًا..." تمتم بها. أستطيع أن أتخيل تعابير وجهه العابسة، محاولًا شرح الأمر لنوح كي لا يُكثر من ا...

حين ندم طليقي (الفصل الثاني: آسف لخسارتك والدك)

 "يجب أن أذهب... هل يمكنك البقاء مع نوح؟ لا أعلم كم من الوقت سأمكث هناك"، قلتُ بشرود بينما كنت ألتقط حقيبتي. "بالطبع... سأأتي حالما أطلب من والدتي أن تأتي لتبقى معه"، أجاب روان، لكن صوته تلاشى وسط طنين أذنيّ. لم أعد أعي ما يدور حولي بينما ودّعتُ ابني وغادرت. ركبتُ السيارة، وبدأتُ القيادة نحو المستشفى، وذهني غارق تمامًا في الذكريات. لقد نشأتُ في جوّ من الإهمال العاطفي، إن صح التعبير. كنتُ الطفلة التي لم يُبالِ بها أحد من والديّ. كان والدي يفضّل أختي الكبرى، إيما. كان يناديها دائمًا "أميرتي"، و"فتاتي الصغيرة". أما والدتي، فكان ابنها المفضل هو أخي الأكبر، ترافيس. كانت تراه الفتى الوسيم المدلل لديها. وأنا؟ لم أكن مفضّلة لدى أحد. كنت فقط آڤا. دائمًا ما شعرت أنني غير مرغوبة. دخيلة. ليس فقط من قِبل والديّ، بل من إخوتي أيضًا. مهما فعلت—تحصيل دراسي جيد، رياضات، أنشطة مدرسية—كنت دائمًا أقف على الهامش. أنظر من الخارج إلى الداخل، وكأنني أراقب عائلة سعيدة لا أنتمي إليها. وبعد ما حدث قبل تسع سنوات، انقطعت تمامًا العلاقة الهشة التي كانت تربطني بعائلتي. ترافيس ب...

حين ندم طليقي (الفصل الرابع: محطمة كلياً)

 هل شعرت يومًا وكأن قلبك وُضع داخل مفرمة لحم؟ هذا تمامًا ما أشعر به الآن وأنا أنظر إليهما. أشعر وكأن قلبي تمزّق إلى قطع صغيرة. لو كان بإمكاني أن أنزع هذا العضو عديم الفائدة وأرميه بعيدًا، لفعلت. لأن الألم الذي ينهشني الآن لا يمكن تصوره. أردت أن أهرب. أن أُبعد نظري، لكنني لم أستطع. كانت عيناي ملتصقتين بهما، وكلما حاولت أن أُدير وجهي، شعرت وكأنهما التصقتا بهذا المشهد المُفعم بالحب أمامي. أراقبهما وهما ينفصلان عن بعضهما. عينا روان تلينان وهو يحدّق في حبّ حياته. أشاهده وهو يضع كفيه على وجهها، يقربها منه... لا يُقبّلها، فقط يُسند جبهته على جبهتها. يبدو... مسالمًا. وكأنه أخيرًا عاد إلى منزله بعد غيابٍ طويل. وكأن روحه اكتملت أخيرًا. "اشتقتُ إليكِ" قرأتُ الكلمات وهي تتكوّن على شفتيه. لم أرغب في تخيّل ما كان سيحدث بينهما لو التقيا في ظروف مختلفة... لو التقيا ونحن لا نزال متزوجين. هل كان ليخونني معها؟ جزء مني يريد أن يرفض هذا الاحتمال، لكنني لست واثقة. نحن نتحدث عن إيما. روان قد يذهب إلى الجحيم ويعود من أجلهَا. غير قادرة على تحمّل المزيد، وقفتُ واندفعتُ إلى الخارج. ما إن وصلتُ حتى بدأت...