التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حين ندم طليقي (الفصل التاسع والخمسون: مفاجأة)

 

مرّ شهر منذ أن حدث كل شيء مع إيثان. هل أنا بخير؟ بالتأكيد لا.

هل ما زلت أتألم؟ بحق الله، نعم.

هل تجاوزت الأمر؟ قطعًا لا.


لم تكن الأمور سهلة أبدًا. كل يوم أشعر وكأنني أغرق أكثر فأكثر في بحر من الألم والوجع.

كنت أظن أنني بدأت أتعافى حين قررت المضي قدمًا مع إيثان، لكنني الآن أدرك أنني كنت أكذب على نفسي.


خيانة إيثان نبشت كل الآلام القديمة التي حاولت دفنها. كل الجراح التي حاولت نسيانها. وكأنني عدت إلى نقطة البداية،

لكن مع ندوب جديدة، تشوه قلبي وروحي.


أعيش أيامي وكأنني وسط ضباب، أمرّ عليها بجمود. الزمن والأحداث تمر بي دون أن أشعر، لأنني ببساطة لا أعيش حقًا.

أنا فقط أقاوم... أتنفس بصعوبة، أعيش كل يوم على حدة.


الجميع من حولي يبدو وكأنهم تجاوزوا الأمر، أما أنا، فأشعر وكأنني عالقة. عالقة في حلقة لا تنتهي من الألم والانكسار.

عالمي الآن مظلم وبارد، وأشعر أنني وحدي تمامًا.


"آنسة شارب، هل أنت بخير؟"

سألني مارك، أحد طلابي.


بحق الله، أكره هذا الاسم. إنه تذكير دائم بأن من منحوني إياه كانوا أول من كسروني.

فكرت في تغييره، لكنني لم أعرف أي اسم أختار. لم أرد أن أحمل اسم عائلة هويل، لأنني لا أعرفهم جيدًا.

كما أنني لم أتحدث معهم منذ ذلك اليوم في منزلي.


"أنا بخير... ركّز على الدرس."

أجبته وأنا أوجه نظري نحو الكتب على مكتبي.


كنت أحب التدريس، لكن في الآونة الأخيرة أصبح كأنه واجب ثقيل.

في كل صباح آتي إلى العمل، أتمنى لو تمر الساعات سريعًا لأعود إلى المنزل.

كنت أريد العزلة، لكنني لا أحصل عليها بوجود ليتّي وروان الذين لا يتوقفان عن الاطمئنان عليّ في كل وقت.


طلابي لاحظوا أن شيئًا ما ليس على ما يرام. الدروس لم تعد ممتعة كما كانت،

ولم أعد مرحة كما كنت من قبل. أصبحت مثل الروبوت... بلا روح.

وبسبب ذلك، بدأ بعض الطلاب في التغيب عن الصف. لا أعلم كيف أعيد آڤا القديمة.


"بدلًا من محاولة استعادة نفسك القديمة، لم لا تخلقي نسخة جديدة منكِ؟"

سألني صوت داخلي.


هل هذا ممكن؟ أن أخلق نسخة جديدة مني؟ نسخة تختلف عن الطفلة والمراهقة والمرأة التي تم تحطيمها مرارًا وتكرارًا؟


قبل أن أستطيع الإجابة أو الغوص في التفكير، رنّ الجرس.

جمعت أغراضي وخرجت من الصف دون أن أنطق بكلمة واحدة لطلابي.


أخفض رأسي وأنا أندفع نحو غرفة المعلمين، فقط لألتقط أنفاسي قليلًا قبل الحصة التالية.

ولحسن الحظ، لم يوقفني أحد في الممر. لم أكن في مزاج يسمح لي بالحديث مع أي شخص.


وصلت إلى غرفة المعلمين وتوقفت فجأة. توقعت أن تكون شبه فارغة، لكنها كانت مكتظة بحق الله.

تنهدت وأنا أتوجه إلى أبعد كرسي في الزاوية.


رنّ هاتفي ما إن جلست. ظهر اسم "نورا" على الشاشة.

كنت أتجاهل مكالماتهم، لست متأكدة كيف أتعامل معهم، خصوصًا بسبب علاقتهم بإيثان.

هممت برفض المكالمة، لكني ضغطت على زر الرد بدلًا من ذلك.


"مرحبًا، آڤا؟" نادتني.


لم أجبها. فقط أطلقت الزفير الذي كنت أحتبسه.


"رجاءً، عزيزتي، لا تغلقي بابك في وجهي. لا تقصي والدك وأنا عنك."

همست بصوت متهدج.


ما زلت لا أقول شيئًا. حتى لو أردت، ففمي يرفض الحركة. لا يمكنني التفوه بكلمة واحدة.


"أنتِ ابنتي، آڤا، وأريد أن أكون جزءًا من حياتك. أريد أن أكون الأم التي كان يجب أن أكونها لكِ.

أعلم أنكِ تتألمين، وأريد أن أكون بجانبك. لقد فقدتُ طفلًا بالفعل...

أرجوكِ، لا تدعيني أفقدك أنتِ أيضًا. فقدانك مجددًا بعد أن وجدتك قد يقتلني."

توسلت، وهي تبكي، وكلماتها كسرت قلبي.


امتلأت عيناي بالدموع. بحق الله، لقد أصبحت شديدة الحساسية في الأسابيع الماضية.


"أحتاج إلى وقت."

قلت لها ببطء، وأنا أحاول كتم مشاعري.


زفرت براحة.

"سأمنحك الوقت إن كان هذا ما تحتاجينه، لكن تذكري دومًا أنني أحبك.

لقد كنت في قلبي طوال هذه السنين، حتى حين كنت أظن أنك قد متِّ.

آمل أن تثقي بي، وأن تعلمي أنني سأكون دائمًا هنا إن احتجتني."


يا الله... كم هو شعور جميل أن يشعر بك أحدهم، لكنني لا أعلم إن كنت أستطيع الوثوق بهم بعد.

الزمن وحده هو من سيُثبت لي ذلك.


"حسنًا."

أجبتها وأغلقت المكالمة.


أفهم ما تحاول قوله، لكنني لا أعلم...

ماذا لو كانت تبحث فقط عن أحد يملأ الفراغ؟

هذا ما يخيفني، أن أُستغل. أن أكون خيارًا ثانيًا، تمامًا كما كنت مع روان.


لم أكن أقسو عليهم، كنت فقط أحاول حماية ما تبقى من قلبي المحطم.


"يا فتاة!"

قالت كارول وهي تتجه إلى طاولتي.


"بحق الله."

تمتمت وأنا أتنهّد.


كانت معلمة في المرحلة الإعدادية، ولها طريقة مزعجة في التدخل بشؤون الآخرين.

كانت تحب التدخل فيما لا يعنيها، وهذا ما يجعلها مزعجة جدًا.


"كل هذا الطعام؟"

نظرت إليّ بصدمة.

"بالشكل اللي صايرة تأكلين فيه والمزاج المتقلب اللي عندك، الواحد يظن إنك حامل!"

ضحكت وهي تقولها.


أعلم أنها كانت تمزح، لكنني تجمدت في مكاني.

كلماتها بدأت تتردد في عقلي كأنها تسجيل معطل.

تسلل الخوف إلى كل خلية في جسدي.


لاحظت ردة فعلي فعبست.

"أنتِ بخير، آڤا؟ لازم تعرفي إني كنت أمزح بس، صح؟"


وقفت فجأة، والذعر يجتاحني.

ركضت خارج غرفة المعلمين، اندفعت عبر الممرات دون وعي حتى خرجت من المدرسة،

ثم قفزت داخل سيارتي وانطلقت بسرعة من موقف السيارات.


بحق الله... هذا لا يمكن أن يكون حقيقيًا.

أرجوكِ يا رب، لا تدع هذا يحدث.


حاولت التفكير، حاولت إجراء الحسابات، لكن رأسي كان فوضى عارمة.

كنت أقود بسرعة، غير مبالية إن كنت سأتلقى مخالفة بسبب السرعة.

كان كل ما أريده أن أتأكد من أن كارول كانت مخطئة.


وصلت إلى المتجر، ركنت السيارة وخرجت مسرعة.

لسوء حظي، اصطدمت بإيما.


"آڤا؟"

نادتني بدهشة.

ربما بسبب شكلي الذي بدا كأنه خرج من معركة.


تجاهلتها وركضت نحو قسم النساء.

عندما وجدت ما أحتاجه، أخذت كمية كبيرة منه وتوجهت مباشرة إلى المحاسبة.

وبمجرد أن دفعت، خرجت.


دخلت إلى سيارتي، وسرعان ما وصلت إلى المنزل.

أعرف الخطوات التي يجب اتباعها.

فشربت حوالي ثلاث أكواب من الماء، ثم توجهت إلى الحمام...


وأجريت الاختبار.


تعليقات

إرسال تعليق

شاركنا برأيك في التعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين ندم طليقي (الفصل الأول: وثيقة الطلاق)

ترجّلتُ من سيارتي وسرتُ ببطء نحو القصر. كانت يداي ترتجفان، وجسدي يتصبب عرقًا. ما زلتُ غير مصدقة أن الأمر قد انتهى. أنني أخيرًا تطلّقتُ منه. والدليل على ذلك كان في حقيبتي. جئت اليوم لأسلّمه الأوراق النهائية... ولأصطحب نوح. دخلتُ المنزل، وتتبعتُ أصواتًا هامسة، لكنني توقفتُ فجأة عند اقترابي من المطبخ. في تلك اللحظة، بات بإمكاني سماعها بوضوح، وما سمعته جمّد الدم في عروقي. "لا أفهم لماذا لا يمكنك العيش معي ومع أمي؟" سأل نوح والده بصوت بريء. وضعتُ يدي المرتجفتين على صدري، وقلبي يتألم من نبرة الحزن في صوته. كنتُ مستعدة لفعل أي شيء من أجله، لكن هذا الطلاق كان حتميًّا. زواجنا كان خطأ. كل ما جمعنا كان خطأ. فقط استغرقني وقتٌ لأدرك الحقيقة. "أنت تعرف السبب، نوح... لم نعد معًا، أنا ووالدتك." قالها بصوت خافت. من الغريب حقًا... طوال سنوات زواجنا، لم يحدث أن كلّمني بذلك اللين. كان صوته دائمًا باردًا، خاليًا من أي مشاعر، مسطحًا، جامدًا. "ولكن، لماذا؟" "هذه أمور تحدث أحيانًا..." تمتم بها. أستطيع أن أتخيل تعابير وجهه العابسة، محاولًا شرح الأمر لنوح كي لا يُكثر من ا...

حين ندم طليقي (الفصل الثاني: آسف لخسارتك والدك)

 "يجب أن أذهب... هل يمكنك البقاء مع نوح؟ لا أعلم كم من الوقت سأمكث هناك"، قلتُ بشرود بينما كنت ألتقط حقيبتي. "بالطبع... سأأتي حالما أطلب من والدتي أن تأتي لتبقى معه"، أجاب روان، لكن صوته تلاشى وسط طنين أذنيّ. لم أعد أعي ما يدور حولي بينما ودّعتُ ابني وغادرت. ركبتُ السيارة، وبدأتُ القيادة نحو المستشفى، وذهني غارق تمامًا في الذكريات. لقد نشأتُ في جوّ من الإهمال العاطفي، إن صح التعبير. كنتُ الطفلة التي لم يُبالِ بها أحد من والديّ. كان والدي يفضّل أختي الكبرى، إيما. كان يناديها دائمًا "أميرتي"، و"فتاتي الصغيرة". أما والدتي، فكان ابنها المفضل هو أخي الأكبر، ترافيس. كانت تراه الفتى الوسيم المدلل لديها. وأنا؟ لم أكن مفضّلة لدى أحد. كنت فقط آڤا. دائمًا ما شعرت أنني غير مرغوبة. دخيلة. ليس فقط من قِبل والديّ، بل من إخوتي أيضًا. مهما فعلت—تحصيل دراسي جيد، رياضات، أنشطة مدرسية—كنت دائمًا أقف على الهامش. أنظر من الخارج إلى الداخل، وكأنني أراقب عائلة سعيدة لا أنتمي إليها. وبعد ما حدث قبل تسع سنوات، انقطعت تمامًا العلاقة الهشة التي كانت تربطني بعائلتي. ترافيس ب...

حين ندم طليقي (الفصل الرابع: محطمة كلياً)

 هل شعرت يومًا وكأن قلبك وُضع داخل مفرمة لحم؟ هذا تمامًا ما أشعر به الآن وأنا أنظر إليهما. أشعر وكأن قلبي تمزّق إلى قطع صغيرة. لو كان بإمكاني أن أنزع هذا العضو عديم الفائدة وأرميه بعيدًا، لفعلت. لأن الألم الذي ينهشني الآن لا يمكن تصوره. أردت أن أهرب. أن أُبعد نظري، لكنني لم أستطع. كانت عيناي ملتصقتين بهما، وكلما حاولت أن أُدير وجهي، شعرت وكأنهما التصقتا بهذا المشهد المُفعم بالحب أمامي. أراقبهما وهما ينفصلان عن بعضهما. عينا روان تلينان وهو يحدّق في حبّ حياته. أشاهده وهو يضع كفيه على وجهها، يقربها منه... لا يُقبّلها، فقط يُسند جبهته على جبهتها. يبدو... مسالمًا. وكأنه أخيرًا عاد إلى منزله بعد غيابٍ طويل. وكأن روحه اكتملت أخيرًا. "اشتقتُ إليكِ" قرأتُ الكلمات وهي تتكوّن على شفتيه. لم أرغب في تخيّل ما كان سيحدث بينهما لو التقيا في ظروف مختلفة... لو التقيا ونحن لا نزال متزوجين. هل كان ليخونني معها؟ جزء مني يريد أن يرفض هذا الاحتمال، لكنني لست واثقة. نحن نتحدث عن إيما. روان قد يذهب إلى الجحيم ويعود من أجلهَا. غير قادرة على تحمّل المزيد، وقفتُ واندفعتُ إلى الخارج. ما إن وصلتُ حتى بدأت...