التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حين ندم طليقي (الفصل الثالث والاربعون: بيت الأمل)

 آفا


كان يوم السبت. اليوم التالي لحفلة العشاء. كانت البارحة يوماً حافلاً، لكنني سعيدة بأنها قد تكلّلت بالنجاح رغم كل شيء.


نهضتُ من السرير وتوجهتُ إلى الحمّام لأبدأ روتين الصباح. ورغم أن إيثان عاد معي إلى المنزل، إلا أنه لم يبت عندي. كان عليه أن يبدأ يومه باكراً، ولم يُرد أن يزعج نومي حين يحين وقت مغادرته.


بينما أفرش أسناني، أفكر في كل ما حدث بالأمس.


حين حاصرتني إيما، كنتُ مستعدة للمواجهة. وكنت أعلم أن اللحظة التي خرج فيها روان ووجدني في مواجهة معها كانت ستأتي.


ما زال يدهشني أنني شعرت بوجوده بينما هي لم تلاحظ شيئاً. كنتُ أريد أن أنتقم من إيما بسبب كل الأكاذيب التي تفوّهت بها. أردت من روان أن يرى حقيقة المرأة التي يحبها بجنون.


كنتُ أعني كل كلمة قلتها لها، لكنّ الوقت قد حان ليفتح عينيه على الحقيقة.


الجميع كان ينظر إلى إيما بإعجاب، ويعتقد أنها مثالية، وأنها غير قادرة على ارتكاب أي خطأ. ربما كان هذا صحيحاً بالنسبة للفتاة التي كانتها، لكنّه لا ينطبق على المرأة التي أصبحتها الآن.


ربما كان فقدان روان منذ سنوات هو ما غيّرها، وربما مهنة المحاماة قد أفسدت نقاءها وجعلتها بلا رحمة. لن أعلم أبداً. لكن الحقيقة تبقى أنها تغيّرت كثيراً، وليس للأفضل.


بعد أن أنهيت تفريش أسناني، دخلت إلى الحمّام لأستحم، ولم يأخذ ذلك وقتاً طويلاً. خرجتُ إلى غرفة نومي، واخترت ملابس اليوم وارتديتها. كما هو الحال دائماً، كنت مرتاحة ببنطال جينز، وقميص قطني، وحذاء مسطح.


نزلت إلى الطابق السفلي وبدأت في إعداد الإفطار لنفسي. كان لديّ موعد مع ماري في "بيت الأمل" في التاسعة صباحاً. هذه كانت عادة روتينية بعد كل فعالية نقيمها.


اهتز هاتفي برسالة نصية بينما كنت أتناول الطعام، فقاطعت أفكاري.


(صباح الخير أيتها الجميلة)


ابتسمتُ لرسالة إيثان. شعور أن تكون مرغوبة ومحبوبة كان جميلاً. هكذا كنتُ أريد أن يكون الأمر مع روان، لكنه كان يكبح نفسه. كان بإمكاننا أن نحظى بعلاقة رائعة، لكنه...


لقد كان خطأه.


أنا الآن مع رجل يقدّرني، وهذا كل ما كنتُ أتمناه.


[صباح الخير لك أيضًا 😊]


[ما خططك لليوم؟]


[لا شيء كثير… فقط سأتوقف عند بيت الأمل، ثم سأقابل لِتي في المساء.]


[يبدو جيداً... أشتاق إليك بالفعل]


[حقاً؟ تشتاق إليّ تحديداً أم تشتاق إلى...؟] رددتُ عليه مازحة.


عضضتُ شفتي وأنا أنتظر رده. لم أكن بهذه الجرأة من قبل، وكان ذلك يخيفني ويثيرني في الوقت ذاته.


[كلاهما؟ تباً، أنا مشته لمجرد التفكير كم كنتِ رائعة.]


[حقاً؟]


أحببتُ أنه مشته بسببي... فقط لمجرد التفكير بي.


كنت أظن أنني كنت أُثير روان، لكن بعد ما قاله لي، لم أعد متأكدة. ربما كان يثار لأنه يتخيل أن من يعاشرها هي إيما.


[نعم... وهو أمر محرج لأني داخل سيارة دورية، وشريكي بالتأكيد لاحظ ذلك!]


ضحكتُ لذلك، ولم أستطع كتمان سعادتي. كان إيثان رائعاً في جعلي أشعر بأنني مميزة. جعلني أشعر أنني ملكة، عكس روان الذي جعلني دوماً أشعر بأنني غير مرغوبة وغير محبوبة.


[أيها المسكين... ربما أستطيع أن أجعلك تشعر بتحسن لاحقاً]


[هل أنتِ واثقة؟ لقد كنتُ عنيفاً ليلة البارحة، متأكدة أنكِ لستِ متألمة؟] رد برسالة أخرى.


أجبته بوجه مبتسم:

[متأكدة... لا تقلق!]


وبعد بضع دقائق، وصل رده:


(أعتقد أن عليّ رفع المستوى... كان الهدف أن تتذكري كل شيء مع كل خطوة تخطينها!)


انتهيتُ من الإفطار، ووضعت الصحون في الحوض، مسجلة في عقلي ملاحظة بأن أغسلها لاحقاً.


[يمكنك التعويض لاحقًا 😉]


وحين لم يرد لفترة، قررت أنه قد حان وقت المغادرة. أخذتُ ما أحتاجه، وأغلقت باب المنزل، ثم ركبت سيارتي.


كنت أشعر بسعادة غامرة وأنا أقود نحو وجهتي. لأول مرة منذ فترة طويلة، شعرتُ أن الأمور بدأت تستقيم. لم يستغرق الوصول إلى "بيت الأمل" وقتاً طويلاً.


"بيت الأمل" تحفة معمارية، بتصميم عصري أنيق. يتميز بخطوط نظيفة ونوافذ زجاجية ضخمة. طُليَ الخارج بألوان هادئة وجذابة تنسجم مع المساحات الخضراء المحيطة.


وأنت تقترب من المنزل، تستقبلك طريق طويلة تصطف على جانبيها الأشجار، تؤدي إلى مدخل مهيب مزدان بباب زجاجي مزدوج شاهق تحفّ به أعمدة زخرفية طويلة.


وعند دخولك، يرحب بك رواق رائع ذو سقف عالٍ وثريا مذهلة تتلألأ كألماسات لا تُعد.


الداخل مصمم ليجمع بين الجمال والوظيفة. غرفة الجلوس مغمورة بالضوء الطبيعي، تضم أرائك مريحة وناعمة مرتبة بطريقة تدعو للدفء والتجمع.


أما المطبخ، فهو حلم كل طاهٍ، يحتوي على أحدث الأجهزة، أسطح رخامية، وجزيرة كبيرة مع كراسي بار.


"بيت الأمل" يضم العديد من غرف النوم الواسعة، كل منها مزينة بما يتوافق مع ذوق الطفل المقيم، لضمان شعورهم بأن لهم مساحة خاصة مريحة تعبر عنهم.


كما يحتوي على مناطق ترفيهية مثل غرفة ألعاب، سينما منزلية، مكتبة، صالة رياضية، مسبح داخلي، وساحة لعب مزوّدة بالأراجيح والمنزلقات.


جميع منازل الأمل بُنيت على مساحات كبيرة وبتصميم موحّد. نحن نفاخر بأننا نقدّم الأفضل لهؤلاء الأطفال.


حين طلبت من المهندس المعماري أن يصمم هذا المكان، أردت أن يشعر الأطفال أنه بيت يستحقون أن يفخروا به.


بعيداً عن نوح، كانت "مؤسسة الأمل" فخري الآخر وسعادتي الغامرة. يسعدني دائماً أنني أستطيع تغيير حياتهم.


عند وصولي لغرفة الجلوس، استقبلني الأطفال الصغار. كان اليوم يوماً هادئاً، للاسترخاء والراحة.


عانقتُ أكبر عدد ممكن منهم قبل أن أتابع طريقي.


"مرحباً آفا!" قال المراهقون الذين كانوا مسترخين على الأرائك بصوت واحد.


ابتسمت لهم ورددت التحية.


"هل يعلم أحدكم أين ماري؟" سألتهم.


"إنها في المكتب،" أجابت كيرا، فتاة في السابعة عشرة طردها والداها بعد أن حملت.


كانت قد حملت في الخامسة عشرة، ومكثت معنا لمدة عامين. قررت أن تحتفظ بطفلتها، وقد احترمنا قرارها. مونيكا، طفلتها، كانت نسمة منعشة، من أروع الأطفال الذين رأيتهم، والجميع يعشقها.


شكرتُها، ثم توجهت إلى المكتب. في طريقي، حياني عدد من الأطفال والموظفين.


وجدت ماري جالسة على المكتب تقرأ مجلة. رفعت عينيها إليّ وابتسمت.


"وجهكِ يملأ المجلات اليوم،" قالت وهي تناوِلني المجلة التي بين يديها.


كانت الصفحة الأولى تحمل صورة لي وأنا ألقي خطابي بالأمس.


"آفا شارب تتضح أنها المؤسسة الغامضة لمؤسسة الأمل، أكبر وأهم مؤسسة للأطفال في البلاد."


قرأت العنوان وضحكتُ بخفة قبل أن أضع المجلة جانباً.


"هناك عدة مجلات أخرى بعناوين مشابهة تقريباً،" قالت وهي تنثرها على الطاولة. "بعض ما كتبوه وتوقعوه مضحك فعلاً، يجب أن تقرئيه."


هززت رأسي: "لا، لا يهمني ما يقولونه... هل يمكننا أن نركز على العمل؟"


"طبعاً،" أجابت وهي تبعد المجلات.


"أعطيني التقرير حتى الآن."


"كل شيء جيد. الحفلة كانت ناجحة، ومنذ البارحة تضاعفت التبرعات،" قالت وهي تعطني بعض الأوراق.


تصفحتها بإعجاب، كنت سعيدة بالتقدّم. أعلم أن بعضهم يتبرع فقط من أجل الظهور، لكن هذا لا يهمني. طالما أن الأموال تخدم الأطفال، فلا يهمني الدافع وراءها.


"إذا نظرتِ هنا،" أشارت إلى مبلغ في التقرير، "ستجدين أن طليقك تبرع بعشرة ملايين دولار ليلة البارحة."


حدّقتُ بها مصدومة. روان هو أكبر المتبرعين لدينا، لكنه لم يسبق له أن تبرع بهذا القدر دفعة واحدة.


"مذهل، أليس كذلك؟" سألت وهي تبتسم.


أومأت برأسي بينما عينيّ تعودان إلى الورقة. منذ تأسيس المؤسسة، روان تبرع كل شهر تقريباً، ووصل مجموع تبرعاته حتى الآن إلى نحو سبعين مليون دولار.


اهتز هاتفي، فأخرجته. كانت رسالة من إيثان:


[آسف أيتها الجميلة، انشغلت ولم أستطع الرد]


كنت على وشك الرد، لكن صوت ماري المرتجف وهي تنادي باسمي جعلني أرفع رأسي فوراً.


كان وجهها يكسوه الخوف والرعب.


"ما الأمر يا ماري؟" سألتها وشعرتُ بالقلق يتصاعد داخلي.


"مـ ــنزلـك..." تمتمت وهي ترتجف.


"تحدثي!" أمرتُها، فقد كانت توترني لدرجة جعلتني أقترب من نوبة هلع.


ثم، خرجت الكلمات من فمها أخيراً، وجمّدت كل شيء داخلي:


"منزلكِ... أُضرِمت فيه النار."


تعليقات

إرسال تعليق

شاركنا برأيك في التعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين ندم طليقي (الفصل الأول: وثيقة الطلاق)

ترجّلتُ من سيارتي وسرتُ ببطء نحو القصر. كانت يداي ترتجفان، وجسدي يتصبب عرقًا. ما زلتُ غير مصدقة أن الأمر قد انتهى. أنني أخيرًا تطلّقتُ منه. والدليل على ذلك كان في حقيبتي. جئت اليوم لأسلّمه الأوراق النهائية... ولأصطحب نوح. دخلتُ المنزل، وتتبعتُ أصواتًا هامسة، لكنني توقفتُ فجأة عند اقترابي من المطبخ. في تلك اللحظة، بات بإمكاني سماعها بوضوح، وما سمعته جمّد الدم في عروقي. "لا أفهم لماذا لا يمكنك العيش معي ومع أمي؟" سأل نوح والده بصوت بريء. وضعتُ يدي المرتجفتين على صدري، وقلبي يتألم من نبرة الحزن في صوته. كنتُ مستعدة لفعل أي شيء من أجله، لكن هذا الطلاق كان حتميًّا. زواجنا كان خطأ. كل ما جمعنا كان خطأ. فقط استغرقني وقتٌ لأدرك الحقيقة. "أنت تعرف السبب، نوح... لم نعد معًا، أنا ووالدتك." قالها بصوت خافت. من الغريب حقًا... طوال سنوات زواجنا، لم يحدث أن كلّمني بذلك اللين. كان صوته دائمًا باردًا، خاليًا من أي مشاعر، مسطحًا، جامدًا. "ولكن، لماذا؟" "هذه أمور تحدث أحيانًا..." تمتم بها. أستطيع أن أتخيل تعابير وجهه العابسة، محاولًا شرح الأمر لنوح كي لا يُكثر من ا...

حين ندم طليقي (الفصل الثاني: آسف لخسارتك والدك)

 "يجب أن أذهب... هل يمكنك البقاء مع نوح؟ لا أعلم كم من الوقت سأمكث هناك"، قلتُ بشرود بينما كنت ألتقط حقيبتي. "بالطبع... سأأتي حالما أطلب من والدتي أن تأتي لتبقى معه"، أجاب روان، لكن صوته تلاشى وسط طنين أذنيّ. لم أعد أعي ما يدور حولي بينما ودّعتُ ابني وغادرت. ركبتُ السيارة، وبدأتُ القيادة نحو المستشفى، وذهني غارق تمامًا في الذكريات. لقد نشأتُ في جوّ من الإهمال العاطفي، إن صح التعبير. كنتُ الطفلة التي لم يُبالِ بها أحد من والديّ. كان والدي يفضّل أختي الكبرى، إيما. كان يناديها دائمًا "أميرتي"، و"فتاتي الصغيرة". أما والدتي، فكان ابنها المفضل هو أخي الأكبر، ترافيس. كانت تراه الفتى الوسيم المدلل لديها. وأنا؟ لم أكن مفضّلة لدى أحد. كنت فقط آڤا. دائمًا ما شعرت أنني غير مرغوبة. دخيلة. ليس فقط من قِبل والديّ، بل من إخوتي أيضًا. مهما فعلت—تحصيل دراسي جيد، رياضات، أنشطة مدرسية—كنت دائمًا أقف على الهامش. أنظر من الخارج إلى الداخل، وكأنني أراقب عائلة سعيدة لا أنتمي إليها. وبعد ما حدث قبل تسع سنوات، انقطعت تمامًا العلاقة الهشة التي كانت تربطني بعائلتي. ترافيس ب...

حين ندم طليقي (الفصل الرابع: محطمة كلياً)

 هل شعرت يومًا وكأن قلبك وُضع داخل مفرمة لحم؟ هذا تمامًا ما أشعر به الآن وأنا أنظر إليهما. أشعر وكأن قلبي تمزّق إلى قطع صغيرة. لو كان بإمكاني أن أنزع هذا العضو عديم الفائدة وأرميه بعيدًا، لفعلت. لأن الألم الذي ينهشني الآن لا يمكن تصوره. أردت أن أهرب. أن أُبعد نظري، لكنني لم أستطع. كانت عيناي ملتصقتين بهما، وكلما حاولت أن أُدير وجهي، شعرت وكأنهما التصقتا بهذا المشهد المُفعم بالحب أمامي. أراقبهما وهما ينفصلان عن بعضهما. عينا روان تلينان وهو يحدّق في حبّ حياته. أشاهده وهو يضع كفيه على وجهها، يقربها منه... لا يُقبّلها، فقط يُسند جبهته على جبهتها. يبدو... مسالمًا. وكأنه أخيرًا عاد إلى منزله بعد غيابٍ طويل. وكأن روحه اكتملت أخيرًا. "اشتقتُ إليكِ" قرأتُ الكلمات وهي تتكوّن على شفتيه. لم أرغب في تخيّل ما كان سيحدث بينهما لو التقيا في ظروف مختلفة... لو التقيا ونحن لا نزال متزوجين. هل كان ليخونني معها؟ جزء مني يريد أن يرفض هذا الاحتمال، لكنني لست واثقة. نحن نتحدث عن إيما. روان قد يذهب إلى الجحيم ويعود من أجلهَا. غير قادرة على تحمّل المزيد، وقفتُ واندفعتُ إلى الخارج. ما إن وصلتُ حتى بدأت...