التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حين ندم طليقي (الفصل السابع والخمسون: لا يزال يؤلمني)

 إيما


"ما زلت لا أصدق أن آفا من عائلة هاول!" قال ترافيس ونحن ندخل منزل والدينا.


كنت أجد صعوبة في تصديق هذا الخبر بنفسي. بدا كل شيء غير واقعي. لم أستطع أن أستوعب كل ما كُشف لنا.


"أعرف، أليس كذلك؟" تمتمتُ.


كنت أظن أن لديّ أفضلية عليها. اكتشاف أنها مُتبناة كان أفضل شعور مررت به. لكن عندما أخبرنا إيثان أن والديها الحقيقيين أثرياء، تحطم كل شعور بالسعادة في داخلي. كنتُ آمل أن تكون من خلفية فقيرة. لو كان الأمر كذلك، لكان ذلك يمنحني ميزة عليها، حتى وإن أصبحت غنية الآن.


لو كانت من عائلة فقيرة، لكنتُ سأظل أفضل منها. أرقى منها بطريقة ما. فكما تعلمون، في مجتمعنا تُحترم أكثر إن كانت عائلتك ذات نفوذ. إن كانت ذات جذور ونسب طويل من المال والسلطة. قد تكون ثرياً، وسينال ذلك بعض الاحترام، لكنك ستُحترم أكثر إن كنتَ من عائلة ثرية الأصل.


كنتُ آمل أن يكون هذا هو الوضع عندما أخبرنا إيثان أنها مُتبناة. ظننتُ أن والديها ربما لم يتمكنا من تربيتها أو أنهما كانا مدمنَين وقررا التخلّي عنها للتبنّي. كان سيكون ذلك نقطة سوداء في سجلها الاجتماعي، وكنتُ سأكون حاضرة لأرى همسات الناس ونظراتهم وكلامهم عنها.


لكن يبدو أن النكتة كانت عليّ أنا. عائلة هاول قد لا يعيشون في مدينتنا، لكنهم معروفون جيداً. تماماً مثل عائلة روان، هم أقوياء وذوو نفوذ، ويسيطرون على هذا البلد. إذا أعلنوا أن آفا هي ابنتهم، فإن مكانتها الاجتماعية سترتفع. ستكون أعلى مني في كل شيء.

وما هو أسوأ من ذلك؟ أنها ستصبح في نفس مستوى روان الاجتماعي.


"لكن، ماذا سنفعل الآن؟ كيف سنجعلها تسامحنا؟" سأل ترافيس، قاطعاً الصمت ومخرجاً إيّاي من أفكاري.


هل هو جاد؟ لماذا بحق الله أريد مسامحتها أصلاً؟ هي من يجب أن تطلب الغفران. أن تتوسل إليّ لأغفر لها ما فعلته بي.


"ولماذا نريد غفرانها؟" سألته بمرارة. "هل نسيتَ ما فعلته بي؟"


"أعلم، وأتذكر، لكن كما قال والداها، هذا أمر من الماضي. لقد دفعت ثمن خطئها، ثم إننا علمنا أنها كانت ثملة فعلاً وقتها."


لقد سمعتُ عن هذا، لكنني لم أصدّقه. رفضت تصديقه. آفا كانت تطارد روان لسنوات، لا يمكن أن يكون كل ما حدث مجرد مصادفة. حتى وإن كانت ثمِلة، فمن المحتمل أنها خططت لكل شيء مسبقاً.


"لن أسامحها أبداً يا ترافيس." قلتها له بصرامة وغضب.


هذا قرار اتخذته منذ زمن بعيد. لن أتخلّى عن مرارتي بسهولة.


"إيما، أرجوك، إنها أختنا. عليكِ أن تتخلي عن الماضي. عليكِ أن تتعافي، إيما. التمسّك بكل هذا الغضب والألم لا يفيدك." قالها بلطف واقترب مني.


"كم مرة عليّ أن أكرر أنني لن أسامحها؟ يا إلهي يا ترافيس، حتى إنني تمنيت أن يكون الحقير الذي استأجره إيثان لقتلها قد نجح في مهمته قبل أن يصل إيثان لإنقاذها!"

صرخت في وجهه.


ودون أن أنتظر منه أي رد، صعدتُ الدرج غاضبة جداً. دخلت غرفتي وصفقتُ الباب بقوة. لماذا لا يستطيعون أن يفهموا أن الأمر ليس سهلاً عليّ؟ لماذا لا يدركون أن من الصعب عليّ تجاوز ما حدث؟


الألم لا يزال حياً. كل يوم أستيقظ، ثم أنام، وهو لا يفارقني. أتنفسه مع كل شهيق وزفير. أصبح جزءاً مني، متغلغلاً في داخلي إلى درجة أنني لا أعرف كيف أعيش من دونه.


أعلم أنه سامّ. أعلم أنه يدمرني، لكنني فقط لا أعرف كيف أتخلص منه. لا أعرف كيف أتوقف عن كره آفا. لقد سلبتني كل شيء. كل ما أردته في حياتي كان روان، وقد أخذته مني.


بنيت حياتي وخططي على أساس أننا سنكون معاً، لكنها سرقت مني هذا المستقبل.


حتى الآن، عندما عدت وظننت أن الأمور بدأت تتحسن بيني وبين روان، جاءت مجدداً لتخرب كل شيء. روان بالكاد يولي اهتماماً لي. منذ تلك الليلة في حفل العشاء، لم يتصل بي أو يسأل عني.


كل تركيزه منصبّ على آفا. وهذا يجعلني أكرهها أكثر، لأنها مرة أخرى تسلبه مني. لم أرد الاعتراف بذلك، لكن الأمور تغيّرت. روان لم يعد ذلك الفتى الذي أحبني.


قد لا يدرك هو ذلك، لكنني ألاحظ. لديه مشاعر تجاه آفا. لا أعرف بالضبط ما يشعر به نحوها، لكن هناك شيء.

أكبر مخاوفي أن يكون قد أحبها. لا أعلم ما الذي سأفعله إن كان هذا صحيحاً. سيحطم قلبي إن تأكدتُ من ذلك.


أخرجت هاتفي واتصلتُ بصديقتي المقربة.


"مرحباً حبيبتي"، أجابت مولي من أول رنة.


ارتميتُ على سريري وأنا أحبس دموعي. "كل شيء ينهار يا مولي. لا أعرف ماذا أفعل."


كنتُ مرهقة، متعبة. كل شيء كان مرهقاً، وشعرت وكأنني أحمل عبئاً ثقيلاً على كتفي.


"لماذا لا تخبريني بما يزعجك، ومن هناك نبدأ؟" سألتني.


بدأتُ بسرد كل شيء. كل شيء حدث منذ آخر مرة تحدثنا فيها. فقط تكرار ما حدث سبب لي ألماً حاداً في قلبي. لا أريد أن أتخيل حياتي من دون روان. أعلم أننا لم نتحدث لتسع سنوات، لكن عندما قررنا أن نحاول مجدداً، شعرت أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح. إلى أن جاءت آفا مرة أخرى بيننا.


"اسمعي، إيما، عليّ أن أقول إنني أؤيد آفا في هذا." بدأت مولي حديثها.


قطبتُ حاجبيّ. "ماذا قلتي؟"


"فقط استمعي. أنا لست من معجبي آفا، لكن عندما هددتِ ابنها، تجاوزتِ كل الخطوط الحمراء. ناهيك عن كل الأكاذيب السخيفة التي قلتِها لروان. هذا ليس من طبعك يا إيما، استخدام حيل قذرة لجعله يصدقك. هذه الأمور لن تنجح، بل قد تدفعه بعيداً عنك أكثر."


"لكن..." حاولت الرد، لكنها قاطعتني.


"ثانياً، من الواضح أن الخطأ ليس من آفا. يبدو أنها تراجعت وانسحبت من المشهد. لو كنتُ مكانها، وزوجي الذي عشت معه تسع سنوات لا يزال يحب أختي، لكنتُ انسحبت أنا أيضاً. النقطة هنا أن المشكلة تكمن في روان نفسه. إما أنه مرتبك بشأن مشاعره، أو أنه لا يدرك مشاعره الحقيقية نحو آفا." توقفت ثم أكملت.


هذا ما لم أرغب بسماعه. شعرت بطعنة في قلبي وأنا أتخيل أن روان قد يشعر بشيء نحو آفا.


"ثالثاً، عليكِ أن تتعافي. طالما أنكِ ترغبين في روان، فستظل آفا جزءاً من الصورة بسبب نوح. ليس من الصحي أن يكون روان ونوح محاصرين بخلافاتك الدائمة معها. سيكون ذلك مرهقاً، وإذا أثر ذلك على نوح، فغالباً سيبتعد روان عنك."


أسمع ما تقول، لكنني لا أستوعبه. لا أرى أبداً إمكانية أن نتصالح أنا وآفا، لأنني كلما نظرت إليها، رأيت اليوم الذي أخبرني فيه روان أنه نام معها.


أعني، اللعنة، لم يحدث بيني وبينه أي علاقة حميمة لأنني كنتُ أنتظر الوقت المثالي، لكنه نام مع أختي. هذا ما لا أستطيع تجاوزه. أن آفا تعرف مشاعر روان، بينما أنا لا أعرف، رغم أنني كنت حبيبته قبلاً بسنوات.


"وأخيراً، إيما، عليكِ أن تصارحي." قالت مولي، لتعيدني إلى الواقع.


"ولماذا أفعل ذلك؟" همست، خائفة من انكشاف سرّي.


"لأن الوقت قد حان لتتحمّلي مسؤوليتك يا إيما. في أعماقك، تعلمين أنك لا تعاملينه بإنصاف. فكّري بالأمر." قالتها وهي تتنهد بانزعاج.


لقد أخبرتني بذلك لسنوات، لكنني كنت أتجاهل الأمر. ربما هي محقّة. لكنني لستُ مستعدة بعد. سأتمسّك بسرّي لوقت أطول قليلاً. لستُ مستعدة لمواجهة خيبة الأمل التي ستنجم عنه.


تعليقات

  1. ايما عندها طفل😱😱

    ردحذف
  2. خير يا ايما مخبيه ايه علينا 🤔🤔🤔🤔

    ردحذف
  3. صباح نور
    وين 3فصول وينهن

    ردحذف
    الردود
    1. صباح الفل.
      من أمس أعلنت في الفيس والتيلي أن اليوم مفيش فصول يمناسبة عاشوراء.
      غدوة نستأنفوا بإذن الله وحينزلوا ستة فصول جديدة ♥️

      حذف

إرسال تعليق

شاركنا برأيك في التعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين ندم طليقي (الفصل الأول: وثيقة الطلاق)

ترجّلتُ من سيارتي وسرتُ ببطء نحو القصر. كانت يداي ترتجفان، وجسدي يتصبب عرقًا. ما زلتُ غير مصدقة أن الأمر قد انتهى. أنني أخيرًا تطلّقتُ منه. والدليل على ذلك كان في حقيبتي. جئت اليوم لأسلّمه الأوراق النهائية... ولأصطحب نوح. دخلتُ المنزل، وتتبعتُ أصواتًا هامسة، لكنني توقفتُ فجأة عند اقترابي من المطبخ. في تلك اللحظة، بات بإمكاني سماعها بوضوح، وما سمعته جمّد الدم في عروقي. "لا أفهم لماذا لا يمكنك العيش معي ومع أمي؟" سأل نوح والده بصوت بريء. وضعتُ يدي المرتجفتين على صدري، وقلبي يتألم من نبرة الحزن في صوته. كنتُ مستعدة لفعل أي شيء من أجله، لكن هذا الطلاق كان حتميًّا. زواجنا كان خطأ. كل ما جمعنا كان خطأ. فقط استغرقني وقتٌ لأدرك الحقيقة. "أنت تعرف السبب، نوح... لم نعد معًا، أنا ووالدتك." قالها بصوت خافت. من الغريب حقًا... طوال سنوات زواجنا، لم يحدث أن كلّمني بذلك اللين. كان صوته دائمًا باردًا، خاليًا من أي مشاعر، مسطحًا، جامدًا. "ولكن، لماذا؟" "هذه أمور تحدث أحيانًا..." تمتم بها. أستطيع أن أتخيل تعابير وجهه العابسة، محاولًا شرح الأمر لنوح كي لا يُكثر من ا...

حين ندم طليقي (الفصل الثاني: آسف لخسارتك والدك)

 "يجب أن أذهب... هل يمكنك البقاء مع نوح؟ لا أعلم كم من الوقت سأمكث هناك"، قلتُ بشرود بينما كنت ألتقط حقيبتي. "بالطبع... سأأتي حالما أطلب من والدتي أن تأتي لتبقى معه"، أجاب روان، لكن صوته تلاشى وسط طنين أذنيّ. لم أعد أعي ما يدور حولي بينما ودّعتُ ابني وغادرت. ركبتُ السيارة، وبدأتُ القيادة نحو المستشفى، وذهني غارق تمامًا في الذكريات. لقد نشأتُ في جوّ من الإهمال العاطفي، إن صح التعبير. كنتُ الطفلة التي لم يُبالِ بها أحد من والديّ. كان والدي يفضّل أختي الكبرى، إيما. كان يناديها دائمًا "أميرتي"، و"فتاتي الصغيرة". أما والدتي، فكان ابنها المفضل هو أخي الأكبر، ترافيس. كانت تراه الفتى الوسيم المدلل لديها. وأنا؟ لم أكن مفضّلة لدى أحد. كنت فقط آڤا. دائمًا ما شعرت أنني غير مرغوبة. دخيلة. ليس فقط من قِبل والديّ، بل من إخوتي أيضًا. مهما فعلت—تحصيل دراسي جيد، رياضات، أنشطة مدرسية—كنت دائمًا أقف على الهامش. أنظر من الخارج إلى الداخل، وكأنني أراقب عائلة سعيدة لا أنتمي إليها. وبعد ما حدث قبل تسع سنوات، انقطعت تمامًا العلاقة الهشة التي كانت تربطني بعائلتي. ترافيس ب...

حين ندم طليقي (الفصل الرابع: محطمة كلياً)

 هل شعرت يومًا وكأن قلبك وُضع داخل مفرمة لحم؟ هذا تمامًا ما أشعر به الآن وأنا أنظر إليهما. أشعر وكأن قلبي تمزّق إلى قطع صغيرة. لو كان بإمكاني أن أنزع هذا العضو عديم الفائدة وأرميه بعيدًا، لفعلت. لأن الألم الذي ينهشني الآن لا يمكن تصوره. أردت أن أهرب. أن أُبعد نظري، لكنني لم أستطع. كانت عيناي ملتصقتين بهما، وكلما حاولت أن أُدير وجهي، شعرت وكأنهما التصقتا بهذا المشهد المُفعم بالحب أمامي. أراقبهما وهما ينفصلان عن بعضهما. عينا روان تلينان وهو يحدّق في حبّ حياته. أشاهده وهو يضع كفيه على وجهها، يقربها منه... لا يُقبّلها، فقط يُسند جبهته على جبهتها. يبدو... مسالمًا. وكأنه أخيرًا عاد إلى منزله بعد غيابٍ طويل. وكأن روحه اكتملت أخيرًا. "اشتقتُ إليكِ" قرأتُ الكلمات وهي تتكوّن على شفتيه. لم أرغب في تخيّل ما كان سيحدث بينهما لو التقيا في ظروف مختلفة... لو التقيا ونحن لا نزال متزوجين. هل كان ليخونني معها؟ جزء مني يريد أن يرفض هذا الاحتمال، لكنني لست واثقة. نحن نتحدث عن إيما. روان قد يذهب إلى الجحيم ويعود من أجلهَا. غير قادرة على تحمّل المزيد، وقفتُ واندفعتُ إلى الخارج. ما إن وصلتُ حتى بدأت...