التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حين ندم طليقي (الفصل الثاني والستون: عودة نوح)

 

آفا


كنت أنظف المنزل تنظيفًا عميقًا، فقط لأُشغل نفسي عن التفكير في الأمور التي ترهقني. لا زلت أُحاول استيعاب حقيقة أنني حامل.


حين رفض روان فكرة أن ننجب طفلًا آخر، تخلّيت تمامًا عن حلمي في أن يكون لنوح أخ أو أخت. والآن لديّ طفل آخر في الطريق، ولا أعلم بعد كيف أشعر حيال ذلك.


رنّ هاتفي، فالتقطته. عادةً كنت لأرفض الرد، لكن ليس اليوم. إبعاد من أحبهم عني لم يكن يجدي نفعًا.


قلت وأنا أجلس: "مرحبًا، ليتي."


كنت متعبة جدًا مؤخرًا، وكان عليّ أن أدرك أن الأمر أعمق من مجرد تعب عابر.


صرخت في الهاتف بفرح ممزوج بالبكاء: "يا إلهي! لقد أجبتِ! ظننتك لن تفعلي. اشتقت لسماع صوتك، لقد مرت أسابيع."


تنهدت وقلت: "أنا آسفة... فقط لم أعرف كيف أتعامل مع كل ما يحدث، فدفعت الجميع بعيدًا."


لطالما كنت سيئة في التعبير عن مشاعري، بل حتى في الاعتراف بها. عندما أكون مضغوطة أو مفرطة المشاعر، أنغلق على نفسي. أحاول دفنها لأتمكن من الاستمرار. دفن مشاعري دائمًا بدا كخيار أفضل من مواجهتها... لكن الآن أعلم أن هذا غير صحي إطلاقًا.


"هل أصبحتِ بخير الآن؟"


"لست على ما يُرام تمامًا، لكنني سأكون كذلك." طمأنتها.


لا أعلم كيف سأفعل ذلك، لكنني أعلم أنني سأخرج من هذه المحنة أقوى.


لا أزال غير مصدقة أنني فكرت في إنهاء حياتي... وحياة طفلي. ربما لا أعرف كيف أشعر بعد، لكن هذا الطفل من دمي، تمامًا كنوح. وسأكون له أو لها أمًا جيدة... لا، سأكون أفضل أم ممكنة.


هززت رأسي لأطرد تلك الأفكار. لا أريد التفكير في مدى الحضيض الذي وصلت إليه. لا أريد تذكّر ما كنت على وشك فعله.


همست، عندما طال صمتها: "أنا حامل."


صرخت بدهشة: "ماذا؟! متى علمتِ بذلك؟"


"قبل أسبوع تقريبًا."


تمامًا كما حدث مع نوح، هذا الحمل لم يكن متوقعًا ولا مخططًا له، لكنه لن يمنعني من أن أحب هذا الطفل. لطالما رغبت بطفل آخر. ربما لا أحب والده الآن، لكن الطفل لا ذنب له.


قالت بنبرة يغمرها الفرح بعد أن هدأت من صدمتها: "مبارك يا عزيزتي. أنا سعيدة حقًا لأجلك."


قلت بتردد: "تبدين سعيدة لهذا الخبر... ظننتك لن تكوني كذلك، بالنظر إلى من هو الأب."


"أنا كذلك، حقًا. أؤمن أن الطفل نعمة، وهذا الطفل بالذات هو ما تحتاجينه لتتجاوزي الألم الذي عانيتِ منه مؤخرًا. هو طوق نجاتك. لقد جاء في الوقت المناسب تمامًا." تنهدت وقد غصّت مشاعرها بصوتها.


"كنتِ تغرقين يا آفا... وقد رأيتُ ذلك. كلنا رأيناه. وأؤمن أن هذا الطفل فعل ما لم يستطع أي شخص فعله... انتشلكِ من الظلام."


فكرت في كلماتها، وكانت محقّة. بسبب نوح وهذا الطفل، قررت أن أتعافى. قررت أن أطلب المساعدة.


"شكرًا لأنكِ لم تتوقفي عن المحاولة يا ليتتي، حتى عندما دفعتك بعيدًا... لم تستسلمي." كنت على وشك البكاء.


كل شيء يجعلني عاطفية الآن.


قالت: "أنتِ أعزّ صديقاتي... بل أختي التي لم تلدها أمي. كيف لي أن أستسلم وأنتِ في حاجة إليّ؟ أعلم أنكِ كنتِ لتفعلي المثل."


تبادلنا الحديث بعد ذلك، وابتعدنا عن المواضيع الجدية. وحين ودّعنا بعضنا وأغلقنا الخط، كانت قد مرّت ساعة تقريبًا.


كان شعور الحديث معها جميلًا. لم أدرك كم افتقدتها، أو كم كنت وحيدة في الأسابيع الماضية. شعرت أنني أعود لنفسي شيئًا فشيئًا... لم أعد كما كنت، لكنني في الطريق.


أنهيت التنظيف، وكنت مرهقة تمامًا. ارتميت على الأريكة، وفجأة سمعت باب منزلي يُفتح.


عقدت حاجبيّ. من يجرؤ على دخول منزلي دون طرق أو حتى دق الجرس؟


لكن سؤالي لم يطل، فقد سمعت صوته الحبيب:


"ماما! ماما! أنا عدت!" صرخ بفرح.


ارتسمت ابتسامة كبيرة على وجهي، ونهضت مسرعة من غرفة المعيشة، تزامنًا مع اندفاعه عبر المدخل.


"نوح!"


ارتمى جسده في حضني، واحتضنته بقوة والدموع تنهمر من عيني. جسده الصغير كان ملائمًا تمامًا بين ذراعيّ... لقد افتقدته بشدّة.


قبلته في كل مكان على وجهه، وشددت احتضاني له.


ضحك وقال: "ماما!" لكنه لم يدفعني بعيدًا.


سألته بينما كنت أبتعد قليلًا عنه دون أن أفلته: "لقد اشتقت إليك كثيرًا! كيف وصلت إلى هنا؟"


كنا جالسين على الأرض، لكن لم أكن أهتم. كنت سعيدة لدرجة الجنون بوجوده معي.


قال: "أبي جاء لأجلي، وقال إنكِ تحتاجين إليّ. كانت مفاجأة، لهذا لم أخبركِ عندما تحدثنا أمس."


ولم أدرك وجود روان إلا عندما ذكره نوح. كان واقفًا خلفه، ونظراتنا التقت. كان هناك شيء في عينيه لم أستطع تفسيره.


قلت بهدوء: "مرحبًا."


كان يزورني كل يوم ليطمئن عليّ. كان داعمًا ولطيفًا، وهذا ما كان يفاجئني دومًا. لقد تغيّر كثيرًا عن روان الذي كنت أعرفه... لدرجة أنني لا أعلم كيف أتعامل مع هذا التغيير.


صدق وعده، وأحضر لي معالجًا نفسيًا بدأت في زيارته قبل ثلاثة أيام. وكل مرة يفعل فيها شيئًا لطيفًا، أُفاجأ. هذا ليس من طبعه.


ابتسم قليلًا وسألني: "كيف حالكِ اليوم، آفا؟"


هززت كتفي وقلت: "أنا بخير." كنت أخطو خطوات صغيرة نحو التعافي، وهذا ما يهم.


شدّ نوح كُمّي، فنظرت إليه، فقال: "هل صحيح أنكِ ستُنجبي طفلًا؟"


رمقت روان بنظرة غاضبة، وكان يفرك مؤخرة رأسه بمظهر مرتبك.


قلت بنبرة فيها خوف: "نعم."


لم يسبق له أن تحدّث عن رغبته في أخ أو أخت، ولم أكن أعلم كيف سيتفاعل.


لكنني دُهشت حين ابتسم ابتسامة عريضة ورفع قبضته في الهواء بحماس:


"ياااه! هذا رائع جدًا!" صرخ بفرح. "هل يمكنك أن تجعلي الطفل فتاة؟ لطالما أردت أختًا صغيرة!"


فرحته أزاحت ثقلًا عن قلبي. جزء من الذعر الذي شعرت به خفّ. إذا كان نوح سعيدًا بقدوم طفل جديد، فكل شيء سيكون على ما يرام.


ابتسمت وقلت له بلطف: "الأمر لا يسير بهذه الطريقة، صغيري. الاحتمال خمسون بخمسون، قد يكون ولدًا."


قال بحزم: "لا! ستكون فتاة يا ماما. سأحصل على أخت صغيرة، لأن هذا ما أريده، وأنا دائمًا أحصل على ما أريد."


في تلك اللحظة، بدا شبيهًا بروان إلى درجة مخيفة.


قلت بقلق: "نوح..." لم أرد له أن يُصاب بخيبة أمل إن كان الطفل ولدًا.


بدأ يعترض، لكن روان قاطعه قائلًا: "صديقي، هل يمكنك أن تتركنا أنا وأمك نتحدث قليلًا؟"


نظر إلينا ثم أومأ برأسه وصعد إلى الطابق العلوي.


كنت قد أجريت له جولة بالفيديو في المنزل من قبل، لذا كان يعرف مكان غرفته.


وقفت وسألت روان: "كيف عرفت أنني أحتاجه؟"


هزّ كتفيه وقال: "مجرد إحساس... لا أستطيع شرحه."


قلت بقلق: "أنا سعيدة برؤيته، لكن أليس هذا خطرًا عليه؟ جماعة الريبرز لا تزال تهدد، حتى وإن لم نسمع منهم شيئًا."


تنهد وقال: "لا تقلقي بشأن ذلك، لن يؤذوا نوح. لا أستطيع أن أعدك بشأن الباقين، لكن نوح ليس هدفًا لهم، وهذا كل ما يهمني الآن."


لم أشعر بشيء خاص حين ذكر الآخرين. كما قال... نوح هو همّي الأول. باستثناء ليتتي، يمكن للبقية أن يحترقوا في الجحيم.


قلت بصدق: "شكرًا لأنك أعدته، ولكل ما فعلته لأجلي."


أجاب: "أي شيء من أجلكِ، آفا."


قطّبت حاجبي حين قال ذلك. بدا غريبًا أن أسمعه يقولها، وهو الذي لم يهتم بي قط من قبل. راودتني رغبة في تحسس جبينه... فقط لأتأكد أنه لا يعاني من حُمّى.


قبل أن أُفكّر في سبب تغيّره، سمعت خطوات تركض على السلم.


صرخ نوح: "ماما! غرفتي رائعة! تبدو أجمل مما كانت عليه في الفيديو!"


ابتسمت. لم يعد يهمني لماذا تغيّر روان... لا ينبغي أن يكون هذا شأني الآن. لديّ أمور كثيرة لأفكر بها. مثل كيف سأواجه إيثان غدًا.


تعليقات

  1. 💞💞❤️❤️

    ردحذف
  2. متى بتنزل بقية الفصول

    ردحذف
  3. ياترى هتكون مع مين فى النهاية

    ردحذف
  4. 😍😍😍😍

    ردحذف

إرسال تعليق

شاركنا برأيك في التعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين ندم طليقي (الفصل الأول: وثيقة الطلاق)

ترجّلتُ من سيارتي وسرتُ ببطء نحو القصر. كانت يداي ترتجفان، وجسدي يتصبب عرقًا. ما زلتُ غير مصدقة أن الأمر قد انتهى. أنني أخيرًا تطلّقتُ منه. والدليل على ذلك كان في حقيبتي. جئت اليوم لأسلّمه الأوراق النهائية... ولأصطحب نوح. دخلتُ المنزل، وتتبعتُ أصواتًا هامسة، لكنني توقفتُ فجأة عند اقترابي من المطبخ. في تلك اللحظة، بات بإمكاني سماعها بوضوح، وما سمعته جمّد الدم في عروقي. "لا أفهم لماذا لا يمكنك العيش معي ومع أمي؟" سأل نوح والده بصوت بريء. وضعتُ يدي المرتجفتين على صدري، وقلبي يتألم من نبرة الحزن في صوته. كنتُ مستعدة لفعل أي شيء من أجله، لكن هذا الطلاق كان حتميًّا. زواجنا كان خطأ. كل ما جمعنا كان خطأ. فقط استغرقني وقتٌ لأدرك الحقيقة. "أنت تعرف السبب، نوح... لم نعد معًا، أنا ووالدتك." قالها بصوت خافت. من الغريب حقًا... طوال سنوات زواجنا، لم يحدث أن كلّمني بذلك اللين. كان صوته دائمًا باردًا، خاليًا من أي مشاعر، مسطحًا، جامدًا. "ولكن، لماذا؟" "هذه أمور تحدث أحيانًا..." تمتم بها. أستطيع أن أتخيل تعابير وجهه العابسة، محاولًا شرح الأمر لنوح كي لا يُكثر من ا...

حين ندم طليقي (الفصل الثاني: آسف لخسارتك والدك)

 "يجب أن أذهب... هل يمكنك البقاء مع نوح؟ لا أعلم كم من الوقت سأمكث هناك"، قلتُ بشرود بينما كنت ألتقط حقيبتي. "بالطبع... سأأتي حالما أطلب من والدتي أن تأتي لتبقى معه"، أجاب روان، لكن صوته تلاشى وسط طنين أذنيّ. لم أعد أعي ما يدور حولي بينما ودّعتُ ابني وغادرت. ركبتُ السيارة، وبدأتُ القيادة نحو المستشفى، وذهني غارق تمامًا في الذكريات. لقد نشأتُ في جوّ من الإهمال العاطفي، إن صح التعبير. كنتُ الطفلة التي لم يُبالِ بها أحد من والديّ. كان والدي يفضّل أختي الكبرى، إيما. كان يناديها دائمًا "أميرتي"، و"فتاتي الصغيرة". أما والدتي، فكان ابنها المفضل هو أخي الأكبر، ترافيس. كانت تراه الفتى الوسيم المدلل لديها. وأنا؟ لم أكن مفضّلة لدى أحد. كنت فقط آڤا. دائمًا ما شعرت أنني غير مرغوبة. دخيلة. ليس فقط من قِبل والديّ، بل من إخوتي أيضًا. مهما فعلت—تحصيل دراسي جيد، رياضات، أنشطة مدرسية—كنت دائمًا أقف على الهامش. أنظر من الخارج إلى الداخل، وكأنني أراقب عائلة سعيدة لا أنتمي إليها. وبعد ما حدث قبل تسع سنوات، انقطعت تمامًا العلاقة الهشة التي كانت تربطني بعائلتي. ترافيس ب...

حين ندم طليقي (الفصل الرابع: محطمة كلياً)

 هل شعرت يومًا وكأن قلبك وُضع داخل مفرمة لحم؟ هذا تمامًا ما أشعر به الآن وأنا أنظر إليهما. أشعر وكأن قلبي تمزّق إلى قطع صغيرة. لو كان بإمكاني أن أنزع هذا العضو عديم الفائدة وأرميه بعيدًا، لفعلت. لأن الألم الذي ينهشني الآن لا يمكن تصوره. أردت أن أهرب. أن أُبعد نظري، لكنني لم أستطع. كانت عيناي ملتصقتين بهما، وكلما حاولت أن أُدير وجهي، شعرت وكأنهما التصقتا بهذا المشهد المُفعم بالحب أمامي. أراقبهما وهما ينفصلان عن بعضهما. عينا روان تلينان وهو يحدّق في حبّ حياته. أشاهده وهو يضع كفيه على وجهها، يقربها منه... لا يُقبّلها، فقط يُسند جبهته على جبهتها. يبدو... مسالمًا. وكأنه أخيرًا عاد إلى منزله بعد غيابٍ طويل. وكأن روحه اكتملت أخيرًا. "اشتقتُ إليكِ" قرأتُ الكلمات وهي تتكوّن على شفتيه. لم أرغب في تخيّل ما كان سيحدث بينهما لو التقيا في ظروف مختلفة... لو التقيا ونحن لا نزال متزوجين. هل كان ليخونني معها؟ جزء مني يريد أن يرفض هذا الاحتمال، لكنني لست واثقة. نحن نتحدث عن إيما. روان قد يذهب إلى الجحيم ويعود من أجلهَا. غير قادرة على تحمّل المزيد، وقفتُ واندفعتُ إلى الخارج. ما إن وصلتُ حتى بدأت...