التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حين ندم طليقي (الفصل الثاني والأربعون: انتهى الأمر بيننا)

 

راون


شاهدت إيما وهي تعتذر وتنهض من مقعدها. لم أكن لأهتم بها لولا أنها خرجت بعد آفا بدقائق.


كان هناك شيء بداخلي يصرخ بي لألحق بها. لم أستطع تجاهل الكلمات التي قالتها آفا لي عن إيما. كانت تعبث برأسي وكنت بحاجة إلى إجابات. خاصة بعد تصرفات إيما الغريبة مؤخرًا.


الحماس الذي أبدته بشأن الحضور إلى هنا اختفى تمامًا. أراهن على شركتي كلها أن السبب هو اكتشافنا أن آفا هي من نظّمت هذا الحدث. وأنها لم تكن تلك الخاسرة التي ظنتها إيما.


لم يبدُ أن أحدًا من الآخرين واجه مشكلة، حتى غيب طلب من بعض السيدات رقصة. أما ترافيس، فعلى الرغم من النظرات الحزينة التي كان يوجهها لليتي، بدا مرتاحًا هنا، خصوصًا بعد أن جلست ليتى معنا على الطاولة.


نهضتُ ببطء. لم أقل شيئًا رغم نظرات الاستغراب التي رمقني بها الآخرون.


خرجتُ فوجدتُ آفا وإيما واقفتين وجهًا لوجه.


كانتا مندمجتين في حديثهما لدرجة أنني لا أظن أنهما لاحظتا وجودي.


قالت إيما:

"هل تظنين أن كونك مؤسسة مؤسسة هوب يجعلك شيئًا ذا قيمة؟"


تنهدت آفا بتعب وقالت:

"لا وقت لدي ولا طاقة للتعامل معك يا إيما، هل يمكنك التنحي جانبًا؟"


وأنا أراقبهما، شعرت فجأة أنني كنت مخطئًا طوال هذا الوقت. أن كل ما آمنت به لم يكن سوى كذبة كبيرة.


قالت إيما بسخرية:

"أنت لا شيء يا آفا. وقلت لك ذلك مرارًا، ولن يتغير شيء. المال لن يغير حقيقة أن الجميع يكرهونك، وراون خصوصًا."


لكن آفا لم تتأثر.


قالت بهدوء:

"هل انتهيتِ؟ لأن كل ما أسمعه هو نفس الهراء الذي كنتِ ترددينه منذ أن عدتِ."

توقفت قليلًا ثم أضافت:

"والآن، إذا سمحتِ، لقد اكتفيت من تفاهاتك."


حاولت تجاوزها، لكن إيما أمسكت بيدها بطريقة عنيفة. كنت متأكدًا أنها ستترك كدمة.


هممتُ بالتدخل، لكن آفا نزعت ذراعها منها بعنف.


صرخت إيما:

"راون لي أنا، آفا! ابتعدي عنه، تبا لك! لا تفكري ولو للحظة أنك صرتِ مساوية له!"


لم أتمكن من رؤية وجه إيما لأن ظهرها كان نحوي، لكني رأيت وجه آفا، وكانت الغضب يتصاعد فيه.


رفعت آفا يدها في الهواء وقالت:

"كم مرة عليّ أن أقول لكِ إنني لا أريد راون؟ ماذا يلزمك لتفهمي أنني تجاوزته؟ خذيه، لا يعنيني. لا أريده أصلًا!"


عند كلماتها هذه، شعرت بشيء غير مريح في داخلي.


قالت إيما بصوت قاسٍ:

"لا أصدقك! رأيتُه يتبعك إلى الشرفة. دمرتِ علاقتي به مرة، ولن أسمح بحدوث ذلك مجددًا. سأفعل كل ما بوسعي لأمنعك من النجاح."


ردت آفا بحدة:

"هل لهذا السبب كذبتِ عليه؟ ولهذا تواصلين لعب دور الضحية وأنا الشريرة؟ هل أخبرتِه أصلًا أن كلتا المرتين اللتين اتهمتني فيهما بأذيتك، كنتِ أنتِ من جاءت إلى منزلي لتفتعلي المشاكل؟"


تشنجت قبضتي. لم أكن أعلم ذلك. إيما أخبرتني أن آفا هي من سعت إليها، وكالأحمق، صدقتها.


قالت إيما:

"هذا لا يهم. ما كان عليه أن يعرف سوى ما أخبرته به. ألا ترين، آفا؟ راون دائمًا سيقف إلى جانبي ضدك. دائمًا سيصدقني أنا لأنّه يحبني، بينما أنتِ لا تعنين له شيئًا."


أغمضت عينيّ في مواجهة الحقيقة المؤلمة. كنت أريد أن تكون آفا هي المخطئة، لكنها لم تكن كذلك. كم مرة صدقت غيرها بدلًا منها؟ كم مرة عاقبتها بسبب أكاذيب الآخرين؟


بدأ ثقل الظلم الذي ربما ارتكبته في حقها يضغط على صدري. كرهت حقيقة أنه من الممكن أنني كنت ظالمًا.


قهقهت آفا بسخرية، ففتحت عينيّ.


قالت:

"مؤسف حقًا... أن تضطري للانحدار إلى هذا المستوى فقط لتحتفظي به. تقولين أنك تحبينه، لكنك تكذبين عليه وتخدعينه. أي حب هذا؟ ربما هو يحبك بصدق، لكني أشك أن حبك له حقيقي. لو كان كذلك، لما استخدمتِ هذه الأساليب القذرة ضده."


وقبل أن ترد إيما، تابعت آفا:


"ماذا تظنين أنه سيحدث عندما يكتشف راون أنك كذبتِ عليه؟ عندما يعرف ما قلته عن نوح؟"


تجمد جسدي عند سماع اسم ابني. أردت أن أعرف ما قيل، لأنه إذا كان هناك شيء لا أحتمله، فهو أن يمس أحدهم نوح بسوء.


قالت إيما بثقة مغرورة:

"لن يكتشف شيئًا، تعلمين لماذا؟ لأنه سيصدق كل ما أقوله له. هكذا يثق بي."


قالت آفا وهي تزفر بقوة:

"ثقة خنتِها مرارًا وتكرارًا. راون هو أقل شخص مفضل لدي، ولو أتيحت لي الفرصة، لدفعته عن حافة جبل لما فعله بي، لكنه لا يستحق أن يُطعَن في ظهره من المرأة التي يحبها. المرأة التي أحبها بإخلاص لسنوات. هذا ظلم له."


ثم حاولت مجددًا تجاوز إيما، لكنها أمسكت يدها مرة أخرى.


قالت آفا بصوت خطير:

"اتركيني، أو أقسم أنني سأجعل رجالي يطردونك كما فعلت مع كريستين وبريندا."


عندها خرجت من الظل. لقد حان الوقت لإجراء محادثة جادة مع إيما.


قلتُ:

"لن يكون ذلك ضروريًا. أعدكِ أنني سأتعامل معها بنفسي."


التفتت كلتاهما إليّ. أفلتت آفا يدها من إيما وغادرت دون أن تنظر خلفها. أما إيما، فتجمدت في مكانها وكأنها غزالة رأت ضوء المصابيح.


سألت بصوت مرتعش:

"منذ متى وأنت واقف هناك؟"


أجبتها بحدة:

"منذ وقت كافٍ لأعرف أنك كنتِ تكذبين علي."


زأرت وأنا أشتعل غضبًا:

"والآن أريد الحقيقة. ولا تجرئي على أن تكذبي عليّ يا إيما، أقسم بالله لن يعجبك ما سأفعله."


ابتلعت ريقها ثم أومأت بتردد.


سألتها وأنا أقبض على فكيّ:

"هل صفعتك آفا منذ أسبوعين؟"


"ن–نعم؟"


"لماذا؟"


لم تقل شيئًا. فقط نظرت إلى الأرض. من المضحك أنها كانت تملك الكثير لتقوله لآفا، لكنها الآن صامتة تمامًا.


صرخت فيها:

"أجيبي تبا لك، إيما!"


عليها أن تدرك أنني لم أعد ذلك الصبي الذي يتجاهل عيوبها لأنه يحبها.


قالت بتردد وتلعثم:

"لـ... لأنني... قلت لها أن تسيطر على نوح. قلت إنني لن أسمح له بتدمير علاقتي بك، وإن اضطررت سأجعلك ترسله إلى مدرسة داخلية فقط ليبتعد عنا..."


كانت ترتجف والكلمات تتساقط منها كأنها سم.


ترنحتُ وأنا أحاول التقاط أنفاسي. لم أصدق ما كنت أسمعه. صدقتها. دعمتها. حتى ذهبتُ إلى منزل آفا وتفوهتُ بتلك التفاهات وأنا غاضب، كل ذلك دفاعًا عنها، بينما في الحقيقة... كذبت عليّ.


الشيء الوحيد الذي صدقت فيه كان الصفعة، وحتى هذا استغلته لتخدعني وتكسبني. والآن أدرك لماذا صفعتها آفا. كانت تحمي نوح كما أفعل أنا تمامًا.


أين ذهب كل شيء؟ إيما كانت دومًا طيبة. ألطف فتاة عرفتها في حياتي. لم تكن تملك ذرة شر. لهذا أحبها الجميع.


أما المرأة الواقفة أمامي الآن، فهي عكسها تمامًا. خبيثة، حاقدة، وحقودة. سمات لم أكن لأربطها بإيما يومًا.


تمتمت من بين أسناني:

"انتهى الأمر بيننا."


"م–ماذا؟" تلعثمت، وعدم التصديق في صوتها.


"فقط لأن بيننا ماضٍ مشترك لن أجعلك تدفعين الثمن. لكن لا أحد – وأعني لا أحد – يمس ابني ويخرج دون عقاب."


بكت وهي تحاول إمساكي:

"أرجوك لا تفعل هذا يا راون. هذه كان من المفترض أن تكون فرصتنا الثانية!"


أرتمت عليّ، لكنني نزعت يديها عني بلطف.


قلت لها وأنا أبتعد:

"ربما... وربما لا."


سمعتها تبكي وتناديني باسمي، لكنني لم ألتفت. هذه المرة، لم تؤثر دموعها فيّ.


كان هذا القرار الأفضل لنا. ليس فقط بسبب ما فعلته، بل أيضًا لأن رأسي كان فوضى حقيقية.


لم أرد أن أؤذيها، لكنني كنت أعلم أن ذلك سيحدث لا محالة مع حالتي الذهنية هذه.


لا أستطيع أن أدّعي أنني أحبها، بينما أفكاري مشغولة بالكامل بطليقتي.


ولا أستطيع أن أدّعي أنني أريد البقاء معها، بينما مجرد تخيلي لآفا مع رجل آخر يكاد يدفعني للجنون.


كنت أظن أنني لا أزال بلا مشاعر تجاه آفا...


لكن ماذا لو كنت مخطئًا... طوال هذا الوقت؟



---


من المؤلفة جيجي، مترجمة الرواية:


مرحبًا أحبائي. أردت فقط أن أرحب بالقراء الجدد وأشكر الجميع على دعمكم المتواصل من خلال المراجعات والتعليقات ومشاركة الرواية مع أصدقائكم. هذا يعني لي الكثير حقًا. لا تنسوا ترك تعليق إن لم تفعلوا سابقا، وشاركوا هذه الرواية مع من تحبون. أحب أن أقرأ أرائكم دائمًا.

اعتنوا بأنفسكم، إلى اللقاء.


تعليقات

إرسال تعليق

شاركنا برأيك في التعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين ندم طليقي (الفصل الأول: وثيقة الطلاق)

ترجّلتُ من سيارتي وسرتُ ببطء نحو القصر. كانت يداي ترتجفان، وجسدي يتصبب عرقًا. ما زلتُ غير مصدقة أن الأمر قد انتهى. أنني أخيرًا تطلّقتُ منه. والدليل على ذلك كان في حقيبتي. جئت اليوم لأسلّمه الأوراق النهائية... ولأصطحب نوح. دخلتُ المنزل، وتتبعتُ أصواتًا هامسة، لكنني توقفتُ فجأة عند اقترابي من المطبخ. في تلك اللحظة، بات بإمكاني سماعها بوضوح، وما سمعته جمّد الدم في عروقي. "لا أفهم لماذا لا يمكنك العيش معي ومع أمي؟" سأل نوح والده بصوت بريء. وضعتُ يدي المرتجفتين على صدري، وقلبي يتألم من نبرة الحزن في صوته. كنتُ مستعدة لفعل أي شيء من أجله، لكن هذا الطلاق كان حتميًّا. زواجنا كان خطأ. كل ما جمعنا كان خطأ. فقط استغرقني وقتٌ لأدرك الحقيقة. "أنت تعرف السبب، نوح... لم نعد معًا، أنا ووالدتك." قالها بصوت خافت. من الغريب حقًا... طوال سنوات زواجنا، لم يحدث أن كلّمني بذلك اللين. كان صوته دائمًا باردًا، خاليًا من أي مشاعر، مسطحًا، جامدًا. "ولكن، لماذا؟" "هذه أمور تحدث أحيانًا..." تمتم بها. أستطيع أن أتخيل تعابير وجهه العابسة، محاولًا شرح الأمر لنوح كي لا يُكثر من ا...

حين ندم طليقي (الفصل الثاني: آسف لخسارتك والدك)

 "يجب أن أذهب... هل يمكنك البقاء مع نوح؟ لا أعلم كم من الوقت سأمكث هناك"، قلتُ بشرود بينما كنت ألتقط حقيبتي. "بالطبع... سأأتي حالما أطلب من والدتي أن تأتي لتبقى معه"، أجاب روان، لكن صوته تلاشى وسط طنين أذنيّ. لم أعد أعي ما يدور حولي بينما ودّعتُ ابني وغادرت. ركبتُ السيارة، وبدأتُ القيادة نحو المستشفى، وذهني غارق تمامًا في الذكريات. لقد نشأتُ في جوّ من الإهمال العاطفي، إن صح التعبير. كنتُ الطفلة التي لم يُبالِ بها أحد من والديّ. كان والدي يفضّل أختي الكبرى، إيما. كان يناديها دائمًا "أميرتي"، و"فتاتي الصغيرة". أما والدتي، فكان ابنها المفضل هو أخي الأكبر، ترافيس. كانت تراه الفتى الوسيم المدلل لديها. وأنا؟ لم أكن مفضّلة لدى أحد. كنت فقط آڤا. دائمًا ما شعرت أنني غير مرغوبة. دخيلة. ليس فقط من قِبل والديّ، بل من إخوتي أيضًا. مهما فعلت—تحصيل دراسي جيد، رياضات، أنشطة مدرسية—كنت دائمًا أقف على الهامش. أنظر من الخارج إلى الداخل، وكأنني أراقب عائلة سعيدة لا أنتمي إليها. وبعد ما حدث قبل تسع سنوات، انقطعت تمامًا العلاقة الهشة التي كانت تربطني بعائلتي. ترافيس ب...

حين ندم طليقي (الفصل الرابع: محطمة كلياً)

 هل شعرت يومًا وكأن قلبك وُضع داخل مفرمة لحم؟ هذا تمامًا ما أشعر به الآن وأنا أنظر إليهما. أشعر وكأن قلبي تمزّق إلى قطع صغيرة. لو كان بإمكاني أن أنزع هذا العضو عديم الفائدة وأرميه بعيدًا، لفعلت. لأن الألم الذي ينهشني الآن لا يمكن تصوره. أردت أن أهرب. أن أُبعد نظري، لكنني لم أستطع. كانت عيناي ملتصقتين بهما، وكلما حاولت أن أُدير وجهي، شعرت وكأنهما التصقتا بهذا المشهد المُفعم بالحب أمامي. أراقبهما وهما ينفصلان عن بعضهما. عينا روان تلينان وهو يحدّق في حبّ حياته. أشاهده وهو يضع كفيه على وجهها، يقربها منه... لا يُقبّلها، فقط يُسند جبهته على جبهتها. يبدو... مسالمًا. وكأنه أخيرًا عاد إلى منزله بعد غيابٍ طويل. وكأن روحه اكتملت أخيرًا. "اشتقتُ إليكِ" قرأتُ الكلمات وهي تتكوّن على شفتيه. لم أرغب في تخيّل ما كان سيحدث بينهما لو التقيا في ظروف مختلفة... لو التقيا ونحن لا نزال متزوجين. هل كان ليخونني معها؟ جزء مني يريد أن يرفض هذا الاحتمال، لكنني لست واثقة. نحن نتحدث عن إيما. روان قد يذهب إلى الجحيم ويعود من أجلهَا. غير قادرة على تحمّل المزيد، وقفتُ واندفعتُ إلى الخارج. ما إن وصلتُ حتى بدأت...