التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصبحت خادمة في قصر الشرير (الفصل الخامس: الطلب الغريب)

 

"لا عليكِ سيدتي، سأضعه أنا على الطاولة لا تتعبي نفسك" قالت سيسيليا.


كانت سيسيليا قد عادت وأمسكت بطرف الصينية فقد تذكرت أن الدوقة قد أحضرت شاي مخلوط بأعشاب تسبب مغص شديد في المعدة يستمر لعدة أيام، فكيف لا تعلم وهي التي قامت بوضع هذا الانتقام من أدريان بنفسها في الرواية لتحرمه من الاشتراك في المنافسة في المبارزة بينه وبين أكين ابن الملك...


"لا" قالت الدوقة وجذبت الصينية بدورها.


عليها أن تمنعها لكي تستطيع مرافقة أدريان ومقابلة أكين، أكين الطيب بطل الرواية.


ابتسمت سيسيليا وقالت: "أيعقل أن تقوم الدوقة بخدمة نفسها!!"


وجذبت عمداً الصينية لتنسكب كلها فوق ثوب الدوقة التي استشاطت غضباً.


كان أدريان يقف كالمتفرج من بعيد واضعاً يديه في جيوب بنطاله دون أن يتدخل، وعندما صاحت الدوقة والتفتت إليه، رفع حاجبيه باستسلام.


زاد غضبها: "أنت كما هو أنت ستظل غجري لا يستحق أن يكون وريثاً لوالده"

 

نفثت سموم كلماتها ودفعت سيسيليا جانباً لتخرج مسرعة بعد أن فشلت خطتها لمنع أدريان من مواجهة ابن الملك في المبارزة، حتى تسنح لها الفرصة بالقول لزوجها الدوق أن أدريان غير مبالي وغير مسؤول وقد تخلف عن الحضور عمداً، وتجعل ابنها يحضر المبارزة عوضاً عنه.


بعد أن خرجت الدوقة تنفست سيسيليا الصعداء، ولكن راحتها لم تستمر بعد أن أصبح أدريان في لحظة يقف قبالتها مباشرة.


"سأحضر أدوات التنظيف وأعود لتنظيف هذه الفوضى مباشرة" قالت سيسيليا بارتباك.


ولكن أدريان اقترب منها أكثر ورفع ذقنها بإصبعه لتلتقي عيونهما، كان ينظر لها بنظرات غريبة.

"كيف علمتِ أن الشاي به شيء ما؟"


بدأت تلعن داخلها بسبب دقات قلبها السريعة التي تشعر بها كلما اقتربت منه، هذا يحدث معها كل ما التقت به سواء هنا أم في العالم الحقيقي.

 

"لا أعلم عما تتحدث! أنا فقط كنت أحاول أن أقدم الضيافة نيابةً عنها!"


نظر لها مطولا وكأنه لا يصدقها ثم ارتفعت يداه تدريجيا نحو خديها وامسك وجهها بيديه:


"بكِ شيء ما متغير! كنتِ لا تجرؤين على رفع عينيكِ عندما أتحدث معك!"


أصبح وجهه أقرب إليها ولا يفصل بينهما شيء، شعرت بأنفاسه قرب شفتيها فأغلقت عينيها تلقائياً وكأنها تنتظر أن يقوم بخطوة ما!


ولكن انتظارها طال ففتحت عينيها ببطء لتجد أنه ينظر إليها وابتسامة استمتاع على شفتيه.


"خنزير شرير"


 قالت ذلك ودفعته بعيداً عنها وهربت من أمامه وهي تسمع صوت ضحكته العالية تلاحقها؛ لتذكرها بعار موقفها وردة فعلها عندما انتظرت قبلته باستسلام.


**

في صباح اليوم التالي؛ خرجت سيسيليا مسرعة من غرفتها متجهة نحو جناح أدريان، فبعد موقف الأمس تهربت من مواجهته باقي اليوم، ولكن الآن عليها أن تقنعه بأن يأخذها معه للمبارزة، عليها أن تلتقي بأكين.


وصلت إلى الجناح ودخلت مسرعة بدون أن تقرع الباب.


أغمضت عينيها بكلتا يديها وهي تقول: "أووه، أنا أسفة"


كان أدريان في الغرفة لا يرتدي سوى سروال وهو يتحدث مع حارسه الشخصي نيكولاي.


ابتسم أدريان ابتسامة جانبية وقال: "نيكولاي، اتركنا قليلا!"


’كل كلامه أمر، المتعجرف‘ قالت سيسيليا داخل عقلها.


خرج نيكولاي وأقفل الباب خلفه.



"ما الأمر الذي يجعلك تقتحمين غرفتي!؟" قال أدريان وهو رافع إحدى حاجبيه وعاقد ذراعيه على صدره العاري.


نزعت يديها من على عينيها لتصرخ وتعيدهم مرة أخرى: 


"ارتدي شيئاً ما أولاً؟"


"أممم، هذا مثير للاهتمام حقاً، كنت بالأمس تسترقين النظر لي وأنا أتدرب عاري الصدر!"


احمر وجهها ونزعت يديها لتقول بحدة: "لا، لم أفعل، كنت أنظف النافذة"


"حسنا إذا كما تقولين!" قال ذلك بنبرة صوت أنه لا يصدقها واتجه نحو السرير وأخذ قميصه وارتداه.


"ها قد ارتديت قميصي، والآن ما الأمر فليس لدي الصباح بطوله!"


اجلت حلقها وقالت: "هل أستطيع مرافقتكم للمبارزة في القصر الملكي؟"


بدأ في ارتداء سترة المبارزة فوق قميصه وقال بلا مبالاة:

"والسبب؟"


حاولت التفكير في سبب سريع ومقنع فقالت: "أتمنى زيارة القصر ومشاهدته فالجميع يتحدث عن جماله"


"حسنا!"


رفعت حاجبيها بتعجب: "حسنا!؟ بهذه البساطة؟"


"ماذا؟ هل كنت تتوقعين أن أطلب أموراً غير أخلاقية للموافقة؟"


التمعت عيناه بالتسلية عندما شاهد احمرار وجهها وأضاف: "أستطيع تغيير رأيي و.... ثم أوافق!"


قالت بغضب: "أيها اللع...."

ولكنه أشار لها لتصمت: "إن تجاوزتِ حدودكِ مرة أخرى سأسمح لنيكولاي بسجنك تأديبيا"


"انصرفي الآن!"


صفق بيديه بقوة فدخل نيكولاي للغرفة وهو ينظر لكلاهما بالتوالي.


التفتت لتخرج وقد شعرت بالسخط من لسانها، لو فقط صمتت كانت ستذهب معهما؛ ولكنها جمدت مكانها ما إن وصلت للباب عندما سمعته يقول:


"جهز عربتين، فذات الجدائل الحمراء ستذهب معنا"


تلقائيا وضعت يديها على ضفيرتيها ثم نظرت له فرفع حاجبيه وكأنه يتحداها لتتحدث.


خرجت مسرعة لتتجنب أن تحرج نفسها أكثر، لطالما كرهت نفسها صهباء بسبب تنمر أدريان عليها وعلى لون شعرها ونمشها أثناء المرحلة الثانوية في الحياة الواقعية، وها هي الآن في هذا العالم تجده أمامها لتعيش تحت رحمته وتعاني من تنمره مجددا!


**


كانت عيناها الخضراوتين مملوئتين بالتحدي وهي تصعد للعربة التي ستقلها إلى قصر الملك.


كان أدريان في العربة التي أمامها، وأما العربة التي ركبتها هي فكانت تشغلها هي ونيكولاي.


ساد الصمت طوال الطريق حتى وصلوا أمام القصر الشاهق المذهل، فقطع نيكولاي الصمت بقوله:

"لا نريد متاعب، هذه المبارزة مهمة للدوق الصغير، لا تجعليه يندم على سماحه لكِ بمرافقته"


علمت من نغمة صوته أنه لم يوافق أدريان على اصطحابها، ولكن هل أدريان يستمع لشخص غير نفسه!!


"سأكون مثل السحابة، موجودة وغير موجودة" قالت ذلك وهي تقف خارج العربة.


"سحابة حمراء فالشك أنها لن تلفت النظر حتى لو أرادت ذلك!" جاءها صوت أدريان من خلفها.


استدارت له وانحنت قليلا للتحية وقالت: "اعدك أنني لن أثير المتاعب سيدي"


هز برأسه يجاريها ثم سار مبتعداً نحو الساحة التي ستقام فيها المبارزة، نظرت حولها وهي لا تصدق أنها في القرن الثامن عشر، هذا شيء مذهل، الحراس والساحة والمدرجات الضخمة، سرت رجفة في جسدها إنها نفس الصورة التي تخيلتها في روايتها لقصر الملك.


صرخت بساعدة: "كم هذا مذهل!"


التفت إليها بعض المارين نحو الساحة وهم يتهامسون، لابد أنهم يعتقدون أنها جنت.


’الآن علي أن أذهب مباشرة نحو مقعد الملك حيث ابنه ووريث عرشه أكين الحبيب يجلس بجانبه’


ثم فكرت أنها في النسخة الأصلية جعلت أدريان يصاب بداء في بطنه ليتخلف عن الحضور ويحزن بسبب حبه للمبارزة وبسبب اتهام والده له بالتخاذل.


وبهذا يفوز أكين على أخ أدريان في المبارزة.


’ولكن اليوم أدريان موجود وسيقوم هو بالمبارزة على عكس ما كان في الرواية، من سيفوز يا ترى!؟‘ فكرت سيسيليا وهي تحادث نفسها.


ثم قالت بصوت مسموع وعينيها تنقط حباً وهي تضم يديها سوياً: 


"من المؤكد أن أكين سيفوز، هو بطل الرواية والأبطال دائماً يفوزون"


ولكن فجأة تذكرت شيء ما فجأة مما جعلها تجفل وتشعر بالارتباك، ’يا لي من حمقاء كيف نسيت أمرها؟ ماذا عليّا أن أفعل الآن؟‘

تعليقات

إرسال تعليق

شاركنا برأيك في التعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين ندم طليقي (الفصل الأول: وثيقة الطلاق)

ترجّلتُ من سيارتي وسرتُ ببطء نحو القصر. كانت يداي ترتجفان، وجسدي يتصبب عرقًا. ما زلتُ غير مصدقة أن الأمر قد انتهى. أنني أخيرًا تطلّقتُ منه. والدليل على ذلك كان في حقيبتي. جئت اليوم لأسلّمه الأوراق النهائية... ولأصطحب نوح. دخلتُ المنزل، وتتبعتُ أصواتًا هامسة، لكنني توقفتُ فجأة عند اقترابي من المطبخ. في تلك اللحظة، بات بإمكاني سماعها بوضوح، وما سمعته جمّد الدم في عروقي. "لا أفهم لماذا لا يمكنك العيش معي ومع أمي؟" سأل نوح والده بصوت بريء. وضعتُ يدي المرتجفتين على صدري، وقلبي يتألم من نبرة الحزن في صوته. كنتُ مستعدة لفعل أي شيء من أجله، لكن هذا الطلاق كان حتميًّا. زواجنا كان خطأ. كل ما جمعنا كان خطأ. فقط استغرقني وقتٌ لأدرك الحقيقة. "أنت تعرف السبب، نوح... لم نعد معًا، أنا ووالدتك." قالها بصوت خافت. من الغريب حقًا... طوال سنوات زواجنا، لم يحدث أن كلّمني بذلك اللين. كان صوته دائمًا باردًا، خاليًا من أي مشاعر، مسطحًا، جامدًا. "ولكن، لماذا؟" "هذه أمور تحدث أحيانًا..." تمتم بها. أستطيع أن أتخيل تعابير وجهه العابسة، محاولًا شرح الأمر لنوح كي لا يُكثر من ا...

حين ندم طليقي (الفصل الثاني: آسف لخسارتك والدك)

 "يجب أن أذهب... هل يمكنك البقاء مع نوح؟ لا أعلم كم من الوقت سأمكث هناك"، قلتُ بشرود بينما كنت ألتقط حقيبتي. "بالطبع... سأأتي حالما أطلب من والدتي أن تأتي لتبقى معه"، أجاب روان، لكن صوته تلاشى وسط طنين أذنيّ. لم أعد أعي ما يدور حولي بينما ودّعتُ ابني وغادرت. ركبتُ السيارة، وبدأتُ القيادة نحو المستشفى، وذهني غارق تمامًا في الذكريات. لقد نشأتُ في جوّ من الإهمال العاطفي، إن صح التعبير. كنتُ الطفلة التي لم يُبالِ بها أحد من والديّ. كان والدي يفضّل أختي الكبرى، إيما. كان يناديها دائمًا "أميرتي"، و"فتاتي الصغيرة". أما والدتي، فكان ابنها المفضل هو أخي الأكبر، ترافيس. كانت تراه الفتى الوسيم المدلل لديها. وأنا؟ لم أكن مفضّلة لدى أحد. كنت فقط آڤا. دائمًا ما شعرت أنني غير مرغوبة. دخيلة. ليس فقط من قِبل والديّ، بل من إخوتي أيضًا. مهما فعلت—تحصيل دراسي جيد، رياضات، أنشطة مدرسية—كنت دائمًا أقف على الهامش. أنظر من الخارج إلى الداخل، وكأنني أراقب عائلة سعيدة لا أنتمي إليها. وبعد ما حدث قبل تسع سنوات، انقطعت تمامًا العلاقة الهشة التي كانت تربطني بعائلتي. ترافيس ب...

حين ندم طليقي (الفصل الرابع: محطمة كلياً)

 هل شعرت يومًا وكأن قلبك وُضع داخل مفرمة لحم؟ هذا تمامًا ما أشعر به الآن وأنا أنظر إليهما. أشعر وكأن قلبي تمزّق إلى قطع صغيرة. لو كان بإمكاني أن أنزع هذا العضو عديم الفائدة وأرميه بعيدًا، لفعلت. لأن الألم الذي ينهشني الآن لا يمكن تصوره. أردت أن أهرب. أن أُبعد نظري، لكنني لم أستطع. كانت عيناي ملتصقتين بهما، وكلما حاولت أن أُدير وجهي، شعرت وكأنهما التصقتا بهذا المشهد المُفعم بالحب أمامي. أراقبهما وهما ينفصلان عن بعضهما. عينا روان تلينان وهو يحدّق في حبّ حياته. أشاهده وهو يضع كفيه على وجهها، يقربها منه... لا يُقبّلها، فقط يُسند جبهته على جبهتها. يبدو... مسالمًا. وكأنه أخيرًا عاد إلى منزله بعد غيابٍ طويل. وكأن روحه اكتملت أخيرًا. "اشتقتُ إليكِ" قرأتُ الكلمات وهي تتكوّن على شفتيه. لم أرغب في تخيّل ما كان سيحدث بينهما لو التقيا في ظروف مختلفة... لو التقيا ونحن لا نزال متزوجين. هل كان ليخونني معها؟ جزء مني يريد أن يرفض هذا الاحتمال، لكنني لست واثقة. نحن نتحدث عن إيما. روان قد يذهب إلى الجحيم ويعود من أجلهَا. غير قادرة على تحمّل المزيد، وقفتُ واندفعتُ إلى الخارج. ما إن وصلتُ حتى بدأت...