التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حين ندم طليقي (الفصل التاسع والسبعون: اختطاف مجدداً)

 



لم أكن في مزاجٍ جيد اليوم. والسبب الرئيسي هو أن نوح ما زال غاضبًا مني لأنني طردت روان. كنت أعتقد أنني أخفيت الأمر جيدًا، لكن اتضح أنه قادر على رؤية ما وراء هرائي.


في مثل هذه الأوقات، أتمنى لو أننا لم نتظاهر أمام نوح. أعلم أننا كنا نظن أننا نحميه، وأننا نوفر له طفولة سعيدة. لكن كل ما فعلناه كان خداعًا له.


الآن أصبح يعتقد في قرارة نفسه أننا كنا ذات يوم عاشقين، وأن بإمكاننا أن نكون كذلك من جديد.


لا أعرف كيف أخبره بالحقيقة دون أن أكسر قلبه الصغير. لا أعرف كيف أقول له إن كل ما يعتقده عني وعن روان هو كذبة.


أكبر مخاوفي هو أن يكرهنا إذا عرف الحقيقة وكشف كذبنا عليه. ومع ذلك، لا يمكننا الاستمرار على هذا النحو. لا يمكننا أن نتركه يعتقد بوجود فرصة لي ولروان.


تنهدت ونهضت من السرير. كنت قد عدت للنوم بعد أن ذهب نوح إلى المدرسة. ومع مرور الأيام، يزداد حجم بطني ويزداد معها شعوري بالإرهاق.


زحفت قدماي ببطء نحو الحمام، واغتسلت بالماء، لكنه لم ينجح في طرد التعب العالق في عظامي.


اخترت فستانًا أبيض بحمّالات رفيعة، مزينًا بأزهار زرقاء. كان يصل إلى ما فوق ركبتي بقليل، ويُظهر بطني بوضوح. وبما أن والديّ يعلمان الآن حقيقة حملي، فقد حان الوقت للتوقف عن إخفائه.


لم أكن في مزاج يسمح بوضع مساحيق التجميل، فاكتفيت بوضع خافي العيوب لإخفاء الهالات السوداء تحت عيني.


غادرت غرفتي ونزلت إلى الطابق السفلي بالتزامن مع رنين جرس الباب.


لم أكن حقًا أرغب برؤية أو التحدث إلى أحد. ليس وأنا أشعر بهذا السوء.


فتحت باب المنزل، وتمنيت لو أنني لم أفعل. كان ترافيس واقفًا على عتبة الباب، يبدو عليه التعب والارتباك.


هممت بإغلاق الباب، لكنه أوقفه قبل أن أتمكن من صفعه في وجهه.


"أرجوكِ، آفا..." توسل بصوتٍ مرهق.


"ماذا تريد؟" سألت ببرود، حتى إن نبرة صوتي أرعبتني.


المدهش أن صوتي بات يتغير تلقائيًا هذه الأيام. دون أدنى جهد مني، يصبح باردًا ومنفصلًا، وكأنني أخاطب غريبًا تمامًا.


"هل يمكنني الدخول؟" سأل.


"تباً، لا! قل ما جئت من أجله وارحل!"


سأكذب لو قلت إنني لست فضولية بشأن سبب وجوده هنا. آخر مرة رأيت فيها ترافيس كانت عندما كشفت والدتي الحقيقة حول كيف أصبحت واحدة من آل شارب.


رأيته يتردد، وازداد فضولي. لطالما كان ترافيس مغرورًا وواثقًا بنفسه. أن أراه بهذا التوتر أمامي أمر مثير للاهتمام.


"أخرج ما في جعبتك! ليس لديّ اليوم بأكمله!" صرخت به بعد دقائق من صمته.


بدأت أتساءل عن سبب منحي له فرصة للكلام من الأساس. كان يجب أن أتصل بالشرطة وأبلغ عن هذا المعتوه.


"كنت أتساءل ما إذا كان بإمكانك التحدث إلى نورا وثيو..." نطق أخيرًا، لكن صوته كان خافتًا حتى اضطررت لشد أذني لسماعه.


"حول ماذا؟"


"شركة شارب كورب. لقد هاجمونا، وأقنعوا جميع المستثمرين الذين لهم علاقة بنا بالانسحاب من شركتنا." قال بنبرة محطمة. "الشركة تنهار، آفا. نحن نفقد المستثمرين، والعملاء، والتمويل."


تنهدت. بصراحة، ظننت أن تهديد أمي وأبي كان مجرد كلام. لم أكن أعتقد فعلًا أنهم سينفذون تهديدهم ضد عائلة شارب بسبب ما فعلوه بي.


إذا كان هناك شيء واحد يحبه ترافيس أكثر من أي شيء آخر، فهو تلك الشركة. كانت ولا تزال فخره وسعادته. أن يصل به الأمر إلى القدوم إليّ وطلب المساعدة يعني أنه وصل إلى طريقٍ مسدود. يعني أنه جرّب كل شيء، ولم يتبقَ له سوى التوسل إليّ.


"عليك أن تعرف أنني لا أهتم إذا غرقت تلك الشركة أو لا." قلت وأنا أطوي ذراعيّ أمام صدري.


كان يبدو منهكًا ومحبطًا، كمن يحترق من الداخل.


ليتي لم تذكر لي شيئًا عن هذا. لكنني أخبرتها سابقًا ألا تذكر اسم ترافيس أمامي أبدًا.


"أرجوكِ، آفا. أتوسل إليكِ. نحن عائلة."


سماع تلك الكلمة جعل جسدي ينتفض، وأشعل في صدري الغضب مجددًا.


"عائلة؟" سخرت. "كيف نكون عائلة يا ترافيس؟ إن لم تخنّي ذاكرتي، فقد قطعت علاقتك بي. قلت إنني متّ بالنسبة لك، وتبرأت مني كأخت منذ سنوات. ثم أثبت مدى..."


"آفا..."


قاطعته. لا أريد سماع شيء من فمه القذر.


"في كل مرة كنت تنحاز فيها إلى إيما، في كل مرة عاملتني كقمامة، في كل مرة ضحكت حين مزق روان قلبي لأنني جرحت أختك العزيزة، هل فكرت يومًا أنني كنت من عائلتك؟ ماذا عن تلك الأوقات التي قلت فيها إنني أستحق ما أعانيه؟ أو حين تجاهلني والديّ وكأنني لا أُحسب؟ ماذا عن تلك السنوات التي نبذتموني فيها جميعًا؟ هل كنتُ حينها من العائلة أيضًا؟"


لم يقل شيئًا. لكن ماذا عساه يقول؟ هو يعرف الحقيقة. لم يعتبرني عائلته يومًا. بالنسبة له وللبقية، كنت مجرد عبءٍ مزعج، شخص يتمنون التخلص منه بأي طريقة.


"فأخبرني، إن لم تعتبرني من العائلة حينها، ما الذي يجعلك تظن أنني سأعتبرك أنت عائلتي الآن؟ ما تحاول فعله من خلال لعب ورقة العائلة لن ينجح معي."


نظرت في عينيه مباشرة. كنت سابقًا ألاحظ الفرق بيننا. لم يكن ترافيس وإيما يشبهان بعضهما كثيرًا، لكن بالنظر إليهما يمكنك تخمين أنهما أقارب. أما أنا، فلم أكن أشبه أحدًا منهم. كان ذلك يجب أن يكون أول دليل على أنني لست واحدة منهم.


"لنكن صادقين، أنت لم تهتم بي يومًا. السبب الوحيد الذي يدفعك للحضور الآن هو أنك تظن أنك تستطيع استغلالي. لكنني لن أسمح لك بذلك. عد إلى منزلك، ترافيس، ولا تجرؤ على الاقتراب من عتبة بابي مرة أخرى."


ثم دفعته بعيدًا وصفعت الباب بقوة. أسندت ظهري إليه وأنا أتنفس بصعوبة. مرت بضع دقائق بصمت قبل أن أسمع صوت محرك سيارته ينطلق مبتعدًا.


شعرت بحاجة ماسة إلى الخروج من المنزل. أخذت مفاتيح سيارتي. وبينما كنت أغادر، لمحت الملابس التي اشتراها روان. أخذتها، وقررت التوقف عند ملجأ والتبرع بها.


خلال دقائق، كنت على الطريق. رأسي يعج بالأفكار. أولًا روان، والآن ترافيس.


يا لوقاحتهم! كيف تجرؤا على الاعتقاد بأن بإمكانهم اقتحام حياتي والمطالبة بالأشياء؟ الاعتقاد بأن كل شيء يمكن نسيانه بهذه السهولة أمر في غاية السخف.


لو لم يكن روان والد نوح، لكنت طالبت ببقائه خارج حياتي بالكامل. كل ما أفعله، أفعله من أجل نوح. كثيرًا ما فكرت في أخذه والرحيل بعيدًا، لكن الحب الذي يكنه لوالده يمنعني في كل مرة.


لقد رغبت في الانتقال بعيدًا عن هنا، لكنني أعلم أن ذلك سيؤذي نوح. يعتقد روان أن نوح يحبني أكثر، لكنه لا يدرك أن نوح يحبه بالقدر نفسه.


رأيت محل آيس كريم وقررت التوقف. كان الجزء الأمامي مكتظًا، لذا ركنت في الخلف.


كنت أحتاج إلى القليل من الراحة الآن. سآكل بعض الآيس كريم لأصفّي ذهني.


دخلت المحل الصغير الدافئ، وطلبت لنفسي وعاءً كبيرًا من الآيس كريم. في العادة يمكنني أكل أي نكهة طالما أنها آيس كريم، لكن في الأيام التي أشعر فيها بالحزن وأحتاج إلى الراحة، أختار الفانيليا العادية.


ذهني عاد إلى التفكير في ترافيس. لست متأكدة من الطريقة التي يتصرف بها والديّ حاليًا. لست من النوع الذي يسعى للانتقام. عادة ما أترك الأمر للكارما، لأنها تعرف كيف تدمّر الناس بطريقة لا تُضاهى.


أنا في صراع داخلي بشأن الانتقام. جزء مني يرغب برؤيتهم يتدمرون. والجزء الآخر فقط يريد أن ينسى وجودهم تمامًا. هل يجعلني ذلك شخصًا شريرًا؟ أن الجزء الأكبر مني يريد أن يراهم يتألمون؟


أنهيت آيس كريم وبقيت مشوشة كما كنت قبل دخولي المحل. ربما الحديث مع أحد سيمنحني بعض الوضوح.


قررت زيارة معالجتي النفسية، وتوجهت إلى سيارتي. لكنني لم أتمكن من الوصول إليها، لأن شخصًا ما أمسك بي وغطى فمي وأنفي قبل أن أتمكن من الصراخ. خلال ثوانٍ، اختفى كل شيء وسقطت في الظلام.


____


الفصل السابق

تعليقات

إرسال تعليق

شاركنا برأيك في التعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين ندم طليقي (الفصل الأول: وثيقة الطلاق)

ترجّلتُ من سيارتي وسرتُ ببطء نحو القصر. كانت يداي ترتجفان، وجسدي يتصبب عرقًا. ما زلتُ غير مصدقة أن الأمر قد انتهى. أنني أخيرًا تطلّقتُ منه. والدليل على ذلك كان في حقيبتي. جئت اليوم لأسلّمه الأوراق النهائية... ولأصطحب نوح. دخلتُ المنزل، وتتبعتُ أصواتًا هامسة، لكنني توقفتُ فجأة عند اقترابي من المطبخ. في تلك اللحظة، بات بإمكاني سماعها بوضوح، وما سمعته جمّد الدم في عروقي. "لا أفهم لماذا لا يمكنك العيش معي ومع أمي؟" سأل نوح والده بصوت بريء. وضعتُ يدي المرتجفتين على صدري، وقلبي يتألم من نبرة الحزن في صوته. كنتُ مستعدة لفعل أي شيء من أجله، لكن هذا الطلاق كان حتميًّا. زواجنا كان خطأ. كل ما جمعنا كان خطأ. فقط استغرقني وقتٌ لأدرك الحقيقة. "أنت تعرف السبب، نوح... لم نعد معًا، أنا ووالدتك." قالها بصوت خافت. من الغريب حقًا... طوال سنوات زواجنا، لم يحدث أن كلّمني بذلك اللين. كان صوته دائمًا باردًا، خاليًا من أي مشاعر، مسطحًا، جامدًا. "ولكن، لماذا؟" "هذه أمور تحدث أحيانًا..." تمتم بها. أستطيع أن أتخيل تعابير وجهه العابسة، محاولًا شرح الأمر لنوح كي لا يُكثر من ا...

حين ندم طليقي (الفصل الثاني: آسف لخسارتك والدك)

 "يجب أن أذهب... هل يمكنك البقاء مع نوح؟ لا أعلم كم من الوقت سأمكث هناك"، قلتُ بشرود بينما كنت ألتقط حقيبتي. "بالطبع... سأأتي حالما أطلب من والدتي أن تأتي لتبقى معه"، أجاب روان، لكن صوته تلاشى وسط طنين أذنيّ. لم أعد أعي ما يدور حولي بينما ودّعتُ ابني وغادرت. ركبتُ السيارة، وبدأتُ القيادة نحو المستشفى، وذهني غارق تمامًا في الذكريات. لقد نشأتُ في جوّ من الإهمال العاطفي، إن صح التعبير. كنتُ الطفلة التي لم يُبالِ بها أحد من والديّ. كان والدي يفضّل أختي الكبرى، إيما. كان يناديها دائمًا "أميرتي"، و"فتاتي الصغيرة". أما والدتي، فكان ابنها المفضل هو أخي الأكبر، ترافيس. كانت تراه الفتى الوسيم المدلل لديها. وأنا؟ لم أكن مفضّلة لدى أحد. كنت فقط آڤا. دائمًا ما شعرت أنني غير مرغوبة. دخيلة. ليس فقط من قِبل والديّ، بل من إخوتي أيضًا. مهما فعلت—تحصيل دراسي جيد، رياضات، أنشطة مدرسية—كنت دائمًا أقف على الهامش. أنظر من الخارج إلى الداخل، وكأنني أراقب عائلة سعيدة لا أنتمي إليها. وبعد ما حدث قبل تسع سنوات، انقطعت تمامًا العلاقة الهشة التي كانت تربطني بعائلتي. ترافيس ب...

حين ندم طليقي (الفصل الرابع: محطمة كلياً)

 هل شعرت يومًا وكأن قلبك وُضع داخل مفرمة لحم؟ هذا تمامًا ما أشعر به الآن وأنا أنظر إليهما. أشعر وكأن قلبي تمزّق إلى قطع صغيرة. لو كان بإمكاني أن أنزع هذا العضو عديم الفائدة وأرميه بعيدًا، لفعلت. لأن الألم الذي ينهشني الآن لا يمكن تصوره. أردت أن أهرب. أن أُبعد نظري، لكنني لم أستطع. كانت عيناي ملتصقتين بهما، وكلما حاولت أن أُدير وجهي، شعرت وكأنهما التصقتا بهذا المشهد المُفعم بالحب أمامي. أراقبهما وهما ينفصلان عن بعضهما. عينا روان تلينان وهو يحدّق في حبّ حياته. أشاهده وهو يضع كفيه على وجهها، يقربها منه... لا يُقبّلها، فقط يُسند جبهته على جبهتها. يبدو... مسالمًا. وكأنه أخيرًا عاد إلى منزله بعد غيابٍ طويل. وكأن روحه اكتملت أخيرًا. "اشتقتُ إليكِ" قرأتُ الكلمات وهي تتكوّن على شفتيه. لم أرغب في تخيّل ما كان سيحدث بينهما لو التقيا في ظروف مختلفة... لو التقيا ونحن لا نزال متزوجين. هل كان ليخونني معها؟ جزء مني يريد أن يرفض هذا الاحتمال، لكنني لست واثقة. نحن نتحدث عن إيما. روان قد يذهب إلى الجحيم ويعود من أجلهَا. غير قادرة على تحمّل المزيد، وقفتُ واندفعتُ إلى الخارج. ما إن وصلتُ حتى بدأت...