التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصبحت خادمة في قصر الشرير (الفصل السادس: النزال)

 تبحث بعينيها في كل مكان عن شخص واحد وهي جيسيكا، إنها الشخصية الرئيسية في الرواية والتي ستتزوج من أكين، فكرت سيسيليا إنها إن كانت خسرت عالمها الحقيقي وستعلق هنا للأبد... ربما عليها أن تدافع عن الشيء الوحيد الذي تمنته في العالم الحقيقي ولم تحصل عليه بسبب ضعفها؛ أكين.


"هل تبحثين عن شخص ما؟" قال نيكولاي.


"ماذا تفعل هنا؟ لماذا لست مع سيدك؟"


"صدقيني أود ذلك، فهو ما أتمناه عوضا عن مراقبة خادمة خرقاء مثلك!"


فرقعت بأصابعها وقالت: "إذاً طر من هنا"


"طر ماذا؟" قال نيكولاي بصدمة واستغراب ثم أضاف: "لا أعلم من أين تأتين بهذه المفردات والكلمات الغريبة، أنتِ حقا غريبة الأطوار"

استمرت في البحث بعينيها وتجاهلته، فقال بملل وهو يبتعد: "أنا أراقبك لا تثيري المتاعب!"


"ماذا هل أنت جاسوس؟"


وفي اللحظة التالية وقعت عينيها على جيسيكا التي كانت كما تخيلتها بالضبط، فركضت نحوها وتركته.


اعتقد نيكولاي إنها مثل الفتيات الفقيرات حلمهن بأن يصبحن مثلها وأنها ذهبت لتشاهد حلمها يسير على قدمين، فعاد نحو أدريان وتركها.


أما سيسيليا فقد كان تفكيرها مختلف تماما، وصلت بجانب جيسيكا التي كانت فائقة الجمال، شعرها البني الطويل الخالي من التموجات على عكس شعر سيسيليا الأحمر الكثيف التموج، وبشرتها البراقة الصافية والتي هي النقيض لبشرة سيسيليا الشاحبة المملوءة بالنمش، أما عينيها الخضراوين فهما فقط اللتان تشبهان عيني سيسيليا.


كيف لا وقد تخيلت سيسيليا شخصية جيسيكا في الرواية لتكون النقيض لها، إنه الشكل الذي تسعى سيسيليا في الواقع لتكونه.


نفضت سيسيليا رأسها لتبعد تلك الأفكار فهي لن تنفعها الآن، عليها أن تنفذ خطتها التي تسعى لتنفيذها.


اتجهت بكل ثقة مباشرة نحو جيسيكا التي تحيط بها وصيفاتها الثلاث، ولكن لا شيء كان سيمنع سيسيليا من هدفها، استنشقت نفس عميق وقالت:


 "لن أخسر أكين مرتين"


ثم وقفت مباشرة أمام الطريق الذي ستعبر به جيسيكا، فجيسيكا شخصية طيبة وبطلة الرواية ومؤكد أنها ستعاملها بلطف، هذا ما اعتقدته سيسيليا.


اسرعت إحدى الوصيفات نحو سيسليا وهي تصرخ بها: "ابتعدي أيتها الوقحة من طريق الأميرة!"


ابتسمت سيسيليا ظنا منها أنها تعرف الشخصيات حق المعرفة وقالت: "الأميرة جيسيكا" وأومأت برأسها كتحية.


رفعت جيسيكا رأسها وقالت: "ما الأمر أيتها الفتاة؟"


"أنا خادمة السيد أدريان"


ضحكن الوصيفات وقالت احداهن: "ومنذ متى السادة يحضرون معهم الخادمات"


وبدأن يضحكن من جديد، فأسكتتهم جيسيكا بيدها وقالت: "إششش... دعونا نسمع ما الذي تريده يا فتيات" 


"تحدثي" قالت الوصيفة.


 ورغم انزعاج سيسيليا من اسلوبهن إلا إنها لا تريد أن تضيع فرصتها فقالت:

"لقد سمعت الكثير من السيد أدريان عنكِ، فدفعني الفضول لمقابلتك"


ابتسمت جيسيكا لها وقالت: "أتمنى أن الذي سمعتيه شيء جيد!"


"بالطبع، إنه يقول ..."


"سيسيليا!.." قال نيكولاي.


اغمضت عينيها بغضب ثم تنفست بعمق واصطنعت ابتسامة والتفتت إليه وقالت من بين أسنانها: "نعم!"


عقد يديه على صدره وقال: "إن السيد أدريان يريدك حالاً"


التفتت إلى الأميرة جيسيكا وقالت: "أعتذر، إن الواجب يناديني" وأومأت برأسها وانصرفت.


انصرفت سيسيليا ولم تعلم ما الذي أثارته في نفس الأميرة، لقد كانت جيسيكا معجبة خفية بأدريان ولكنها دائما ما تشعر أنه لا يراها في المناسبات الاجتماعية.


**


بعد أن ابتعدوا عن انظار الأميرة أمسك نيكولاي يد سيسليا وجرها خلفه حتى وصلوا إلى المكان الذي يجلس فيه أدريان، كان مكان كبير ويوجد به ثلاثة شباب بالإضافة إلى أدريان.


نظر أدريان نحو نيكولاي وهو يجر سيسيليا خلفه، فوقف فوراً وقال: "اتركها"


داخليا لم يحتمل أدريان رؤية سيسليا تعامل بهذه الطريقة، لطالما شعر أنه مسؤول عنها، منذ اللحظة التي رآها فيها.


حتى عندما يذكر خيانتها له عندما كانوا أطفال يحاول أن يجد لها مبرر.


قال نيكولاي بعد أن ابعد يده عن سيسيليا: "أنت لا تعلم ما لذي كانت تورطك فيه.. لقد كانت تقول للأميرة جيسيكا أنك معجب بها وأنك.."


"لم أقل ذلك! كل ما قلته أنك تمدحها، أردت فقط أن.. أن.. أه"


"أن ماذا؟" قال أدريان وهو يحاصرها بنظراته.


بعد أن فشلت في أن تجد إجابة مقنعة قالت: "ماذا، هل أنا في تحقيق؟"


جاء صوت نيكولاي جاداً وهو يقول:


 "بالطبع، إن الدوق الصغير هو من النبلاء ولا يجوز أن يتفوهوا بأي كلام غير مدروس"

 

قطع أدريان الكلام وهو يشعر بالملل بسبب الحديث عن النبلاء والطبقات الاجتماعية وقال:


"ستبدأ المبارزة بيننا نحن الأربعة" وأشار نحو الشبان الأربعة الجالسون بعيد قليلا وأضاف: "والرابح سيتبارى مع ولي العهد"


التفت نيكولاي نحو سيسيليا وقال: "اذهبي واجلسي في خلفية المدرجات حيث العمال ولا تتحركي من مكانك"


كانت ستقول شيئاً ما ولكنها تراجعت وذهبت حيث طلب منها.


"أين هو؟"


قالت سيسليا وهي تبحث بعينيها عن أكين الذي لم تشاهده نهائيا، حتى إنها لم تنتبه للمباراة التي خاضها أدريان.


رأت الدوقة وزوجها والد أدريان يجلسون في مقاعد مميزة.


فجأة سمعت تصفيق فانتبهت لساحة المبارزة، كان أدريان هو الرابح، ولكن فجأة توقف التصفيق ليصبح الصوت موحداً في المدرجات بهتاف واحد يقول:


"أكين.. أكين.. أكين"


وبعد عدة دقائق دخل أكين من إحدى بوابات ساحة النزال وازداد التصفيق.


كان طويل جداً بنفس طول أدريان تقريبا، إلا أنه ما دون ذلك النقيض تماماً لأدريان.


فهو أصفر الشعر ذو بشرة وعيون عسلية تميل للاخضرار، على عكس أدريان ذو البنية العضلية وبشرة برونزية وشعر أسود فاحم وعيون زرقاء حادة تسبر أغوار الشخص.


وقف أكين في منتصف الساحة وبدأ يحيي الجمهور، ثم التفت لأدريان الذي كان واقفاً متكئاً على سيفه ينظر بملل للعرض المبتذل من وجهة نظره، قال أكين وهو يمد يده ليصافح أدريان: 


"مرحباً بالخصم العنيد"


"مرحبا بولي العهد"


بسط أكين يده في علامة للبدء وقال: "ابدأ"


أجاب أدريان: "من بعد سيادتكم"


وفجأة ابتعد الخصمان عن بعضهما البعض وكأن ماساً كهربائياً أصاب كليهما، ولم يكن أحد يسمع ما يدور بينهما من حديث.


بدأ النزال وحُبست الأنفس في ترقب، كان الخصمان قويان، ولكن ظاهرياً كان الجميع يشجع أكين ابن الملك ووريث العرش، فهذا أمر طبيعي في كل الأزمان وجميع المجتمعات.


"نستطيع إنهاء النزال بالتعادل سيادة ولي العهد إن شئت!"


 قال أدريان ذلك ليغيظ خصمه، فكل ما كان يهمه هو إثبات نفسه لوالده الجالس مع زوجته على المدرجات ويشاهد النزال.


"أنت واثق بنفسك جداً، أدريان" تشدق أكين بذلك وهو يعلم مغزى كلام أدريان.


اشتد النزال على أوجه وكان نزالاً قوياً وصعباً جداً، فقد كان كلا الطرفين يتمتعان بمهارة فائقة وقوة.


ولكن فيما كان الجميع يترقب نتيجة النزال والغلبة لمن ستكون، كانت سيسيليا تفكر في آخر كليا، وهي أنها غيرت إحدى مسارات الرواية والذي كان يجب أن يفوز ولي العهد على أخ أدريان، فماذا إن فاز أدريان؟؟ هل ستتغير كل الأحداث التالية...


"أكين أرجوك أن تفوز، أرجوك"


قال لها نيكولاي الجالس بجانبها بصوت مخفض حتى لا يسمعه أحد: "أنتِ مع من بالضبط؟ هاا!!"

 نظرت له بفزع فقد نسيت أنه بجانبها وقالت: "أنا .. أأأ .."

تعليقات

  1. جميله اوي اوي 👏🏻👏🏻👏🏻👏🏻

    ردحذف

إرسال تعليق

شاركنا برأيك في التعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين ندم طليقي (الفصل الأول: وثيقة الطلاق)

ترجّلتُ من سيارتي وسرتُ ببطء نحو القصر. كانت يداي ترتجفان، وجسدي يتصبب عرقًا. ما زلتُ غير مصدقة أن الأمر قد انتهى. أنني أخيرًا تطلّقتُ منه. والدليل على ذلك كان في حقيبتي. جئت اليوم لأسلّمه الأوراق النهائية... ولأصطحب نوح. دخلتُ المنزل، وتتبعتُ أصواتًا هامسة، لكنني توقفتُ فجأة عند اقترابي من المطبخ. في تلك اللحظة، بات بإمكاني سماعها بوضوح، وما سمعته جمّد الدم في عروقي. "لا أفهم لماذا لا يمكنك العيش معي ومع أمي؟" سأل نوح والده بصوت بريء. وضعتُ يدي المرتجفتين على صدري، وقلبي يتألم من نبرة الحزن في صوته. كنتُ مستعدة لفعل أي شيء من أجله، لكن هذا الطلاق كان حتميًّا. زواجنا كان خطأ. كل ما جمعنا كان خطأ. فقط استغرقني وقتٌ لأدرك الحقيقة. "أنت تعرف السبب، نوح... لم نعد معًا، أنا ووالدتك." قالها بصوت خافت. من الغريب حقًا... طوال سنوات زواجنا، لم يحدث أن كلّمني بذلك اللين. كان صوته دائمًا باردًا، خاليًا من أي مشاعر، مسطحًا، جامدًا. "ولكن، لماذا؟" "هذه أمور تحدث أحيانًا..." تمتم بها. أستطيع أن أتخيل تعابير وجهه العابسة، محاولًا شرح الأمر لنوح كي لا يُكثر من ا...

حين ندم طليقي (الفصل الثاني: آسف لخسارتك والدك)

 "يجب أن أذهب... هل يمكنك البقاء مع نوح؟ لا أعلم كم من الوقت سأمكث هناك"، قلتُ بشرود بينما كنت ألتقط حقيبتي. "بالطبع... سأأتي حالما أطلب من والدتي أن تأتي لتبقى معه"، أجاب روان، لكن صوته تلاشى وسط طنين أذنيّ. لم أعد أعي ما يدور حولي بينما ودّعتُ ابني وغادرت. ركبتُ السيارة، وبدأتُ القيادة نحو المستشفى، وذهني غارق تمامًا في الذكريات. لقد نشأتُ في جوّ من الإهمال العاطفي، إن صح التعبير. كنتُ الطفلة التي لم يُبالِ بها أحد من والديّ. كان والدي يفضّل أختي الكبرى، إيما. كان يناديها دائمًا "أميرتي"، و"فتاتي الصغيرة". أما والدتي، فكان ابنها المفضل هو أخي الأكبر، ترافيس. كانت تراه الفتى الوسيم المدلل لديها. وأنا؟ لم أكن مفضّلة لدى أحد. كنت فقط آڤا. دائمًا ما شعرت أنني غير مرغوبة. دخيلة. ليس فقط من قِبل والديّ، بل من إخوتي أيضًا. مهما فعلت—تحصيل دراسي جيد، رياضات، أنشطة مدرسية—كنت دائمًا أقف على الهامش. أنظر من الخارج إلى الداخل، وكأنني أراقب عائلة سعيدة لا أنتمي إليها. وبعد ما حدث قبل تسع سنوات، انقطعت تمامًا العلاقة الهشة التي كانت تربطني بعائلتي. ترافيس ب...

حين ندم طليقي (الفصل الرابع: محطمة كلياً)

 هل شعرت يومًا وكأن قلبك وُضع داخل مفرمة لحم؟ هذا تمامًا ما أشعر به الآن وأنا أنظر إليهما. أشعر وكأن قلبي تمزّق إلى قطع صغيرة. لو كان بإمكاني أن أنزع هذا العضو عديم الفائدة وأرميه بعيدًا، لفعلت. لأن الألم الذي ينهشني الآن لا يمكن تصوره. أردت أن أهرب. أن أُبعد نظري، لكنني لم أستطع. كانت عيناي ملتصقتين بهما، وكلما حاولت أن أُدير وجهي، شعرت وكأنهما التصقتا بهذا المشهد المُفعم بالحب أمامي. أراقبهما وهما ينفصلان عن بعضهما. عينا روان تلينان وهو يحدّق في حبّ حياته. أشاهده وهو يضع كفيه على وجهها، يقربها منه... لا يُقبّلها، فقط يُسند جبهته على جبهتها. يبدو... مسالمًا. وكأنه أخيرًا عاد إلى منزله بعد غيابٍ طويل. وكأن روحه اكتملت أخيرًا. "اشتقتُ إليكِ" قرأتُ الكلمات وهي تتكوّن على شفتيه. لم أرغب في تخيّل ما كان سيحدث بينهما لو التقيا في ظروف مختلفة... لو التقيا ونحن لا نزال متزوجين. هل كان ليخونني معها؟ جزء مني يريد أن يرفض هذا الاحتمال، لكنني لست واثقة. نحن نتحدث عن إيما. روان قد يذهب إلى الجحيم ويعود من أجلهَا. غير قادرة على تحمّل المزيد، وقفتُ واندفعتُ إلى الخارج. ما إن وصلتُ حتى بدأت...