التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حين ندم طليقي (الفصل الرابع والثمانون: قراري)

 روان


لا أستطيع أن أصف حجم الرعب الذي اجتاحني حين رأيت ذلك الحقير يوجه مسدسه نحو رأسها. كانت ترتجف، والدموع تنهمر على وجهها، وسمعتها تتوسل إليه أن يرحمها… لكنني كنت واثقاً أنه لن يفعل.


وحين أغمضت عينيها، كأنها استسلمت لمصيرها، كاد ذلك يسقطني على ركبتي. لولا أنني كنت أعلم مدى إنهاكها، لربما أبقيت ذلك الرجل حيّاً فقط لأذيقه صنوف العذاب بيدي.


– "إنها بحاجة إلى طبيب، رووان" قالت بصوت واهن وأنا أجثو أمامها.


كنت قد أرسلت رسالة بالفعل إلى غاب، والإسعاف في طريقه إلينا. ليس لأنني لم أهتم بإيما… بل لأنني ببساطة أهتم بـ آفا أكثر.


رفعت وجهها بين يدي برفق. خدها متورم، وعينها متورمة ومزرقّة، شفتها مشقوقة.


تصلب وجهي عند مجرد فكرة أن أحدهم تجرأ ولمسها.


– "من ضربك؟ هل كان روني؟" سألتها من بين أسناني.


تألمت وهي تئن حين مررت يدي على كدماتها. اللعنة! ألمها يخنق صدري. لم أرد سوى تمزيق ذلك الحقير الذي تجرأ وأذاها.


– "لا يهم… علينا أن ننقل إيما إلى المستشفى" قالت وهي تحاول أن تنهض.


دفعتها برفق لأجلسها مجدداً، وواصلت فحص إصاباتها متجاهلاً كلامها. معصماها كانا ينزفان، وكاحلاها متورمان مليئان بالكدمات.


كلما تأملت جراحها، ازداد غضبي. لم يكن ينبغي لها أن تمر بكل هذا، خاصة وهي… حامل.


– "روان! ألا تنصت إلي؟" قالت بنبرة يائسة. لولا إنهاكها لربما صبّت عليّ سيلاً من الكلمات اللاذعة.


– "أنصت، والإسعاف سيصل الآن. فقط أخبريني… من أذاكِ؟"


زفرت تنهيدة طويلة وأسندت جسدها المرهق إلى السيارة:

– "أحد رجال روني… ضربني حين تجرأت ورددت عليه."


– "أعطيني وصفاً لوجهه."


سأجده… أقسم أنني سأجده. لا أحد، وأعني لا أحد، يجرؤ على مسّ آفا ويظل على قيد الحياة. سيبكي اليوم الذي وُلد فيه.


– "لا يهم. حين هربنا كان أول من لحق بنا. ركلته في مكان حساس، ثم أطلقت النار على فخذيه."


لم أتمالك ابتسامة صغيرة. أحببت هذه النسخة من آفا. أحببت قوتها، وكيف لم تعد تقبل أن يُملى عليها شيء.


لكن قبل أن أستطيع سؤالها عن سبب محاولتها الهرب من الأساس، دوى صوت صافرات الشرطة، وتعالت صيحات وإطلاق نار. لم تمر سوى لحظات حتى وصل غاب وترافيس والمسعفون.


المسعفون رفعوا إيما عن حجر آفا ووضعوها على النقالة.


– "ماذا حدث؟" سأل أحدهم.


ترددت آفا قليلاً قبل أن تجيب:

– "أصيبت بالرصاص ونحن نحاول الهرب… حاولت وقف النزيف قدر استطاعتي، لكنها مع مرور الوقت فقدت وعيها." عيناها كانتا معلقتين بجسد إيما. – "هل ستكون بخير؟" سألت بخوف شديد.


هذا أحد الأشياء التي جعلتني أعشقها… إيما لم تفعل معها سوى الشر، لكنها مع ذلك تقلق عليها. إنها ملاك بحق، وألعن نفسي لأنني لم أدرك هذا إلا متأخراً.


– "ستكون بخير. نبضها ضعيف بعض الشيء، لكن بمجرد أن نصل للمستشفى ستنجو بمشيئة الله."


أخذوها بعيداً.


– "هل أنت بخير يا آفا؟" سألها ترافيس بقلق ظاهر.


– "نعم" أجابت بصوت منخفض وهي تحاول أن تنهض. – "اذهب، ابقَ مع إيما. أنا بخير… هي بحاجة إليك أكثر."


أومأ وقبّل وجنتها قبل أن يذهب. أعلم أنها لم تمنعه فقط لأنها مرهقة تماماً. لو كانت في حالتها الطبيعية لكان ردها مختلفاً تماماً.


أشرت لغاب أن يلحق به.


– "هل تحتاجين إلى مساعدة؟" سألتها وأنا أراها تكافح لتقف.


– "نعم… رجاءً" قالت وهي تنظر إليّ بتعب.


انحنيت وحملتها بين ذراعي. ضممتها إلى صدري وبدأت أسير.


– "قلت إنني أحتاج لمساعدتك على الوقوف، لا أن تحملني!" لكن احتجاجها كان خافتاً، خالياً من قوتها المعتادة.


لم أجبها، فقط ضممتها إليّ أكثر. وجودها بين ذراعي هكذا كان يبدو صواباً، وكأن الكون كله يصطف في مكانه. لو استطعت أن أبقى هكذا للأبد، لقبلت بهذا المصير عن طيب خاطر.


كنت على وشك أن أصل إلى سيارتي حين أوقفني براين.


– "ماذا؟" زمجرت في وجهه. ألا يرى أنني أحمل أثمن ما لدي؟


– "تمكنا من القبض على معظم رجال الريبر، لكن… الريبر نفسه هرب."


كاد الدم يغلي في عروقي. اللعنة عليه! كل مرة يفلت. ما دام طليقاً، فلن يكون أحد ممن أحببت بأمان.


– "ابحثوا عنه تبا لكم!" صرخت وأنا أغادر.


وضعت آفا برفق في المقعد الأمامي، وأحكمت حزامها ثم قدت نحو المستشفى.


– "إلى أين نحن ذاهبون؟" تمتمت بتثاؤب.


– "يجب أن تُفحصي. أريد التأكد أن أنتِ والطفل بخير."


أومأت برأسها مستسلمة وأسندت رأسها إلى المقعد. لم يطل الأمر حتى غلبها النوم.


حين وصلنا، أيقظتها بلطف. لم أمانع أن أحملها، لكنني كنت أعلم أن الممرضين سيحتاجون منها أن تجيب على بعض الأسئلة.


– "وصلنا" قلت حين فتحت عينيها الجميلتين.


لكنني لم أتركها تنزل، بل رفعتها من جديد بين ذراعي وحملتها إلى الداخل. أسرع الممرضون بكرسي متحرك.


– "لا تقلق يا سيدي، سنهتم بها ونتصل بك فور أن نحصل على أي خبر." قالوا لي حين ترددت في تركها.


بتنهيدة ثقيلة، وضعتها في الكرسي.


– "رجاءً… اتصل بوالدي." طلبت مني قبل أن يدفعوها بعيداً.


فعلت ما طلبت. اتصلت بوالديها وأخبرتهم أن يأتوا فوراً. ثم اتصلت بوالدي أنا لأطمئن على نوح. منذ تلقيت مكالمة روني كنت قد طلبت منهم أن يأخذوه. وحين تأكدت من سلامته، ذهبت إلى غرفة الانتظار حيث كان غاب وترافيس وكيت.


– "أي خبر؟" سألت وأنا أجلس.


– "ليس بعد." أجاب ترافيس.


– "وكيف حال آفا؟ أين هي؟" سألت كيت بقلق.


– "أخذوها للفحص فقط للتأكد من أن كل شيء بخير." أجبتها.


ساد الصمت. المكان أعاد إليّ ذكريات ما بعد موت جيمس… كيف اجتاحتني العاطفة لرؤية إيما مجدداً بعد تسع سنوات. كنت غارقاً في الماضي لدرجة أنني لم أنتبه حتى لرحيل آفا.


وتذكرت أيضاً تلك اللحظة التي أصيبت فيها آفا برصاصة. كانت تقف بجانبي… ومع ذلك اندفعت لأحمي إيما. منذ ذلك اليوم تغيّرت آفا. ماتت النسخة القديمة منها وولدت أخرى، أكثر برودة. ولم أستطع لومها. لو كان الأمر معكوساً لفعلتُ الشيء ذاته. كان ذلك بمثابة يقظة لها، إذ رأت بعينيها أنني اخترت إيما عليها.


وقفت وبدأت أذرع الغرفة جيئة وذهاباً.


شيئاً فشيئاً، تغيّرت مشاعري. أصبحت أريد آفا، لكن كل ما فعلته في الماضي يقف عائقاً. جعلها تشك في كل شيء، يُفسد كل محاولة مني، ويؤكد لها أنها لن تثق بي أبداً.


لم أعد قادراً على الإنكار… أنا أريدها بحق. لكنني أعلم أيضاً أن الحب الذي كان يلمع في عينيها نحوي قد انطفأ. الآن، هي تتحمل وجودي فقط من أجل نوح.


– "السيد وودز؟" جاء صوت الممرضة يقطع أفكاري.


– "كيف حالها؟" سألتها بلهفة.


– "هي بخير، وكذلك الطفل. لكننا سنبقيها بضع ساعات لأنها وصلت وهي تعاني من الجفاف."


سمعت شهقة خلفي. اللعنة! كيت لم تكن تعلم بأمر حمل آفا، والآن الأمر انكشف. تجاهلتها وركّزت على الممرضة:

– "هل أستطيع رؤيتها؟"


أومأت برأسها وأشارت لي لأتبعها. فتحت الباب وأدخلتني، ثم خرجت وأغلقته خلفي.


آفا كانت موصولة بمحلول وريدي، معصماها مضمدان، جسدها مغطى من الخصر للأسفل، وجرح شفتيها مخيط.


– "كيف حال إيما؟" كان أول ما سألتني به.


تباً لها… ملاك حتى النهاية.


– "لا جديد من الأطباء، لكنني واثق أنها بخير." جلست قرب سريرها وأنا أكافح رغبتي في إمساك يدها.


– "أنا آسفة…" بدأت والدموع تلمع في عينيها. – "لم أقصد أن تتأذى. أردت فقط أن أهرب. لو علمت أنها ستُصاب، لكنتُ طلبت منها أن تبقى."


لم أتمالك نفسي وأخذت يديها بين يدي.


– "لماذا أردتِ الهرب؟" سألتها. ذلك السؤال كان يؤرقني منذ وجدتها. ألم تثق بي أنني كنت قادماً إليها؟ أنني لن أسمح لأحد أن يمسها؟


نظرت إليّ كأنني مجنون:

– "ولماذا أبقى؟ حين أعطاك روني ذلك الخيار، علمت أنني بلا فرصة. اختيارك الأول سيكون إيما دوماً، وإن بقيت، كنت سأموت. لذلك قررت أن أهرب… كان السبيل الوحيد لأضمن أن أنجو أنا وطفلي."


لم أنطق. لو ظننت أن رؤيتها مجروحة حطّمني، فإن كلماتها هذه نسفتني تماماً. لكن… كيف ألومها؟ أنا من زرعت هذا الاعتقاد في قلبها. كنت دوماً أظهر لها أن إيما عالمي كله. ألم أندفع لإنقاذ إيما في تلك المواجهة قبل أشهر؟ كنت أؤكد لها يوماً بعد يوم أن إيما كل شيء، وأنها هي لا شيء. كيف ألومها الآن على تصديق ذلك؟


الألم يعصرني، قبضت على يدها بقوة.


– "روان؟" نادتني بقلق، تحاول أن تسحب يدها.


خففت قبضتي، لكنني لم أتركها. كانت مرساتي وسط الهوة التي حفرتها بيدي.


– "كنت قادماً إليكِ يا آفا. كنتِ خياري منذ أن أعطاني روني ذلك الإنذار. أعلم أنني أبدو وغداً، لكنني كنت سأدع إيما تموت لو أن ذلك يعني أنني سأُنقذكِ أنت."


توسعت عيناها بدهشة، لكنني قصدت كل كلمة. لم يكن هناك خيار في الحقيقة… كنت أعلم في أعماقي أنها خياري الأول منذ زمن، حتى وإن لم تدرك هي ذلك بعد.


تعليقات

إرسال تعليق

شاركنا برأيك في التعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين ندم طليقي (الفصل الأول: وثيقة الطلاق)

ترجّلتُ من سيارتي وسرتُ ببطء نحو القصر. كانت يداي ترتجفان، وجسدي يتصبب عرقًا. ما زلتُ غير مصدقة أن الأمر قد انتهى. أنني أخيرًا تطلّقتُ منه. والدليل على ذلك كان في حقيبتي. جئت اليوم لأسلّمه الأوراق النهائية... ولأصطحب نوح. دخلتُ المنزل، وتتبعتُ أصواتًا هامسة، لكنني توقفتُ فجأة عند اقترابي من المطبخ. في تلك اللحظة، بات بإمكاني سماعها بوضوح، وما سمعته جمّد الدم في عروقي. "لا أفهم لماذا لا يمكنك العيش معي ومع أمي؟" سأل نوح والده بصوت بريء. وضعتُ يدي المرتجفتين على صدري، وقلبي يتألم من نبرة الحزن في صوته. كنتُ مستعدة لفعل أي شيء من أجله، لكن هذا الطلاق كان حتميًّا. زواجنا كان خطأ. كل ما جمعنا كان خطأ. فقط استغرقني وقتٌ لأدرك الحقيقة. "أنت تعرف السبب، نوح... لم نعد معًا، أنا ووالدتك." قالها بصوت خافت. من الغريب حقًا... طوال سنوات زواجنا، لم يحدث أن كلّمني بذلك اللين. كان صوته دائمًا باردًا، خاليًا من أي مشاعر، مسطحًا، جامدًا. "ولكن، لماذا؟" "هذه أمور تحدث أحيانًا..." تمتم بها. أستطيع أن أتخيل تعابير وجهه العابسة، محاولًا شرح الأمر لنوح كي لا يُكثر من ا...

حين ندم طليقي (الفصل الثاني: آسف لخسارتك والدك)

 "يجب أن أذهب... هل يمكنك البقاء مع نوح؟ لا أعلم كم من الوقت سأمكث هناك"، قلتُ بشرود بينما كنت ألتقط حقيبتي. "بالطبع... سأأتي حالما أطلب من والدتي أن تأتي لتبقى معه"، أجاب روان، لكن صوته تلاشى وسط طنين أذنيّ. لم أعد أعي ما يدور حولي بينما ودّعتُ ابني وغادرت. ركبتُ السيارة، وبدأتُ القيادة نحو المستشفى، وذهني غارق تمامًا في الذكريات. لقد نشأتُ في جوّ من الإهمال العاطفي، إن صح التعبير. كنتُ الطفلة التي لم يُبالِ بها أحد من والديّ. كان والدي يفضّل أختي الكبرى، إيما. كان يناديها دائمًا "أميرتي"، و"فتاتي الصغيرة". أما والدتي، فكان ابنها المفضل هو أخي الأكبر، ترافيس. كانت تراه الفتى الوسيم المدلل لديها. وأنا؟ لم أكن مفضّلة لدى أحد. كنت فقط آڤا. دائمًا ما شعرت أنني غير مرغوبة. دخيلة. ليس فقط من قِبل والديّ، بل من إخوتي أيضًا. مهما فعلت—تحصيل دراسي جيد، رياضات، أنشطة مدرسية—كنت دائمًا أقف على الهامش. أنظر من الخارج إلى الداخل، وكأنني أراقب عائلة سعيدة لا أنتمي إليها. وبعد ما حدث قبل تسع سنوات، انقطعت تمامًا العلاقة الهشة التي كانت تربطني بعائلتي. ترافيس ب...

حين ندم طليقي (الفصل الرابع: محطمة كلياً)

 هل شعرت يومًا وكأن قلبك وُضع داخل مفرمة لحم؟ هذا تمامًا ما أشعر به الآن وأنا أنظر إليهما. أشعر وكأن قلبي تمزّق إلى قطع صغيرة. لو كان بإمكاني أن أنزع هذا العضو عديم الفائدة وأرميه بعيدًا، لفعلت. لأن الألم الذي ينهشني الآن لا يمكن تصوره. أردت أن أهرب. أن أُبعد نظري، لكنني لم أستطع. كانت عيناي ملتصقتين بهما، وكلما حاولت أن أُدير وجهي، شعرت وكأنهما التصقتا بهذا المشهد المُفعم بالحب أمامي. أراقبهما وهما ينفصلان عن بعضهما. عينا روان تلينان وهو يحدّق في حبّ حياته. أشاهده وهو يضع كفيه على وجهها، يقربها منه... لا يُقبّلها، فقط يُسند جبهته على جبهتها. يبدو... مسالمًا. وكأنه أخيرًا عاد إلى منزله بعد غيابٍ طويل. وكأن روحه اكتملت أخيرًا. "اشتقتُ إليكِ" قرأتُ الكلمات وهي تتكوّن على شفتيه. لم أرغب في تخيّل ما كان سيحدث بينهما لو التقيا في ظروف مختلفة... لو التقيا ونحن لا نزال متزوجين. هل كان ليخونني معها؟ جزء مني يريد أن يرفض هذا الاحتمال، لكنني لست واثقة. نحن نتحدث عن إيما. روان قد يذهب إلى الجحيم ويعود من أجلهَا. غير قادرة على تحمّل المزيد، وقفتُ واندفعتُ إلى الخارج. ما إن وصلتُ حتى بدأت...