غابرييل
تنهدت وأنت استلقي. كان هذا بالضبط ما أحتاجه. أفضل وسيلة أعرفها للاسترخاء وتصفية الذهن.
قالت وهي تبتسم بعينين يلمع فيهما الرضا:
ــ "ومتى سنلتقي مجددًا؟ غدًا؟"
بدت أكثر ارتخاءً وراحة. أظنها كانت تحتاج لهذا بقدر ما كنت أحتاجه. نظرت لها لكني لم أنطق بشيء. هي تعرف القاعدة. أنا من يتصل ويسأل وهي من تجيب، وليس العكس.
كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة ليلًا، وكنت أرغب في إغماض عينيّ قليلًا قبل جدول أعمالي المزدحم غدًا.
كما قلت، هي تعرف القاعدة. لا تبيت عندي، ولا أبيت عندها. لسنا أكثر من "رفيقين".
"غابرييل؟" قالت.
هي الوحيدة التي تناديني باسمي الكامل. لم أشعر أنني أستحقه. يذكرني بالملاك، بينما أنا حرفيًّا النقيض التام لأي ملاك.
زمجرت:
ــ "اصمتي. لستِ من يحدد القواعد. سنفعل هذا حين أقرر أنا ذلك."
بدأ شعور بالاختناق يتسرب إليّ من مجرد سؤالها. ورأيت على وجهها مسحة ألم عابرة، تجاهلتها. فهي كانت تعرف جيدًا ما الذي تقحم نفسها فيه حين وافقت على هذا الاتفاق.
قالت هامسة:
ــ "إذًا عليّ أن أنتظر دوري؟ أنتظر حتى تملّ من نسائك الأخريات؟"
لم أخفِ الأمر عنها يومًا. كانت تعلم أنها لم تكن الوحيدة. أنا أحب التنويع. اليوم اردتها، وغدًا ربما امرأة أخرى.
قلت بصرامة:
ــ "نعم."
خبت لمعة عينيها، وحاولت جاهدًة إخفاء مشاعرها، لكنني رأيت بوضوح صراعها الداخلي مع الألم الذي سببته لها.
تبا! أنا أكره هذا. أكره حين تبدأ إحداهن بتطوير مشاعر. عامان ونحن على هذا الحال، وكان كل شيء يسير بشكل جيد. لكن يبدو أن الوقت قد حان لإنهائه من جذوره.
لم يكن لديها وقت لتواعد أحدًا، وأنا لا أواعد أصلًا. كان هذا الحل الأمثل. وفوق ذلك، هي سكرتيرتي فقط. حتى لو فكرت يومًا في الارتباط، فهي لا تنتمي إلى عالمي.
قلت ببرود:
ــ "ظننت أنكِ قادرة على التحمّل، لكن يبدو أنني كنت مخطئًا. سيكون هذا آخر لقاء بيننا. ستستمرين في العمل لديّ وكأن شيئًا لم يحدث، مفهوم يا إيدن؟"
تحدّثت عيناها إليّ بقوة وهي تحدق بي، ثم همست والدموع تملأ عينيها:
ــ "لا أظن أنني أستطيع الاستمرار. أنا أحبك، لكنني أرى أنك لن تحبني أبدًا. لسبب ما أوصدت قلبك، ولا أستطيع أن أستمر في هذا وأنا أعلم أنك لن تبادلني مشاعري."
كانت سكرتيرة ممتازة، لكن إلى الجحيم مع ذلك.
سخرت قائلًا:
ــ "إذن، أظن أنه قد حان وقت كتابة استقالتك، أليس كذلك؟"
لم تجب. اكتفت بهز رأسها ثم استدارت وغادرت بهدوء. أطلقت تنهيدة، ولم ألحق بها. فتحت لها البوابة عبر هاتفي، وما إن رحلت حتى ارتميت على سريري.
لقد كانت محقّة. أنا بالفعل أغلقت قلبي. أقسمت على ألا أقع في الحب. صحيح أن والديّ يملكان زواجًا رائعًا ومليئًا بالحب، لكن حالتهما نادرة. واحدة في المليون.
لقد رأيت كيف يمكن للحب أن يدمّرك. كيف يقتلك من الداخل ويتركك مجرّد قشرة فارغة.
لقد حطّم الحبُ روان حين فقد إيما. كان كمن يعيش مع شبح لأشهر، إلى أن وُلد نوح. كان يسكر حتى يفقد وعيه. رؤية ذلك بأمّ عيني جعلتني أتساءل: لماذا أمنح أي امرأة تلك القدرة المهولة على تدميري؟ لماذا أمنحها السلاح الذي يمكن أن يقضي عليّ؟
لقد تحطّم روان حين انهارت الأمور مع إيما، والآن؟ الآن أنا أخشى أن يحدث معه الأمر ذاته.
هو لم يُدرك بعد أنه يحب آفا. وحين تنزل عليه الحقيقة كالصاعقة، ستحطمه. سيعلم أنه آذاها مرارًا، وهي المرأة التي يحبها.
زفرت بعمق وتوجهت للاستحمام. وبعد عشر دقائق خرجت، جففت جسدي وارتديت بنطالًا رياضيًّا. كنت على وشك الاتصال بأخي حين فتح نظام أمنيتي الباب. لم يكن هناك سوى شخص واحد مخوّل بالدخول: روان.
نزلت في الوقت المناسب لأراه يترنّح داخل منزلي.
ــ "روان؟ ما الأمر بحق الله؟" قلت وأنا أساعده لأقف إلى جانبه وأدعمه.
كان مخمورًا. لم يكن الأمر يحتاج إلى تخمين. هو عادةً يتجنب الإفراط في الشرب بعد ما حدث له سابقًا. لكن الليلة مختلفة، وهذا أقلقني إلى حد الرعب، لأن آخر مرة شرب فيها هكذا كانت خلال أحلك أيّامه.
أجلسته على الأريكة وجلست بجواره.
ــ "ماذا حدث يا رو؟" سألت بقلق.
تمتم بتلعثم:
ــ "كنت على حق… تبا، كنت على حق كالعادة. لقد دمّرت كل شيء بيدي. كيف بحق الجحيم سأصلح ما حطّمته؟"
شعرت بألمه في صوته، وكان يمزّقني. أنا أحب أخي أكثر من أي شيء. حين يتألم، أتألم معه. كنت على استعداد لفعل أي شيء لأزيل عنه هذا الألم، لكنني أعلم أنني لا أستطيع.
قلت له:
ــ "اشرح لي فقط. لماذا تظن أنك أفسدت كل شيء؟ وأين بالضبط أخطأت؟"
بدا محطّمًا، وكأن عالمه انهار عليه. ثم صرخ:
ــ "أنا أحبها يا غاب…تبا أحبها!"
قلت بدهشة:
ــ "من؟"
صرخ:
ــ "آفا! أحبها بحقّ الله! أدركت ذلك اليوم!"
وقد ضربه الإدراك بقسوة. هذا ما كنت أخشاه. أن يدرك الحقيقة متأخرًا جدًا. وها هو تنبؤي يتحقق. هذا الوعي هو بداية سقوطه.
أضاف وهو يبكي بحرقة:
ــ "لماذا لم أدرك ذلك من قبل؟ لماذا استغرق الأمر كل هذا الوقت؟ لن تصدقني إن أخبرتها أنني أحبها. لقد قتلت حبها لي بيدي. قضيت تسع سنوات في جعلها تدفع ثمن تلك الليلة. آذيتها بشدة… لن تصدقني أبدًا."
انهمرت دمعة على وجهه، والحزن يكسو عينيه الرماديتين المشابهتين لعينيّ. شعرت بقلبي يتلوى وأنا أرى الألم يفيض منه.
ــ "ماذا سأفعل؟ كيف سأصلح كل ما حطّمت؟ كيف بحقّ الله سأجبر قلبها المكسور، وأنا من كسرته؟"
وضعت يدي على كتفه وجذبته ناحيتي. روان لم يكن يومًا ممّن يُظهرون ضعفهم. حتى حين تركته إيما، لم يُظهر انكساره. لم يبكِ. لم يشكُ. لم يحاول إصلاح ما انهار. كان فقط يسكر.
والآن يهتز كتفاه وهو يقاتل دموعه. قلبي ينزف من أجله. إنه توأمي، وأبغض أن أراه هكذا. تسع سنوات من الألم والخذلان ليست شيئًا يسهل إصلاحه.
آفا تغيّرت. نهضت من تحت الرماد كطائر الفينيق اللعين. ولن تسمح بسهولة للذين آذوها بالاقتراب مجددًا.
قلت بحزم:
ــ "لا أعلم يا رو، لكنك روان وودز اللعين. دائمًا تحصل على ما تريد. ستُصلح هذا، وستعيد آفا إليك. أنت لا تستسلم، فلا تبدأ الآن."
اعتدل جالسًا، وعيناه شاردتان في الفراغ، كأنه ضائع في ذهنه. تمتم:
ــ "وماذا لو لم تقبل عودتي؟"
هذا لم يكن أخي الذي أعرفه. روان دائمًا واثق. لكن شكّه بنفسه الآن يثبت مدى القوة التي تملكها آفا عليه. بل أؤمن أنها أقوى مما كانت تملكه إيما. حبّه لإيما كان حبًا طفوليًّا. لذلك لم يصمد. انهار عند أول محنة. لكن ما يشعر به نحو آفا؟ أظنّه أقوى بكثير… أقوى بحقّ الجحيم.
همست له:
ــ "ستبذل جهدك فقط."
جلسنا صامتين، غارقين في أفكارنا، حتى غلبه النوم. وقفت وساعدته إلى غرفته التي يستخدمها دائمًا عندي.
وضعتُه على السرير، وبقيت أراقبه قليلًا وهو يتقلب حتى في نومه.
أردت أن أكون واثقًا من أنه سينجح في استعادة آفا، لكنني لست كذلك. تسع سنوات كاملة من الألم. سأكون مندهشًا لو منحته آفا فرصة بعدها.
كل ما أملكه الآن هو الأمل… الأمل في أن حبها له لم يمت تمامًا، لأنني لست واثقًا أن روان سينجو من فقدانها.
🥺🥺🥺💔💔
ردحذف