آفا
"كيف حالك يا ابنتي؟" سألتني أمي عبر الهاتف. "وكيف حال الطفل ونوح؟"
وكالعادة، كانا في رحلة عمل خارج البلاد. لم يُدهشني الأمر إطلاقاً، فهما يمتلكان طائرتهما الخاصة، تماماً كما يملك رووان واحدة له، هذا بالإضافة إلى الطائرة الخاصة بالعائلة. أما أنا، فلم أستخدم طائرته قط، ولم تطأ قدماي داخلها أبداً، ربما لأننا لم نذهب معاً في أي رحلات تقريباً.
وحين ارتفع مستواي المادي وازدادت ثروتي، خطرت لي فكرة شراء طائرة خاصة، لكني سرعان ما رفضت الفكرة. ما الفائدة منها؟ نادراً ما أسافر إلى أماكن تستدعي امتلاك طائرة. وإن احتجت، فأنا أستأجر واحدة أو أسافر بدرجة رجال الأعمال.
"آفا؟" عادت أمي تناديني.
"آسفة يا أمي، نحن بخير جميعاً... فقط نفتقدكما كثيراً."
وكان ذلك صحيحاً. مضى أسبوع على غيابهما وسيغيبان أسبوعاً آخر. أنا ونوح نشتاق لهما بجنون. من المدهش كيف أصبحا جزءاً كبيراً من حياتنا في فترة قصيرة جداً.
"ونحن أيضاً نشتاق إليكما. والدك يسلّم عليكِ، ويقول إنه سيكلمك مساءً حين يخف انشغاله."
"لا بأس."
"هل اشتريت شيئاً جديداً للطفل؟ أربعة أشهر ليست فترة طويلة، وسرعان ما سيأتي أو ستأتي إلى الدنيا." صوتها مفعم بالحماسة كالعادة حين تتحدث عن الطفل.
أضحك: "وكيف لي أن أشتري شيئاً جديداً، وكل من حولي قد اشترى كل شيء بالفعل؟ هذا الطفل سيكون لديه فائض من الأشياء لدرجة أنه لن يعرف ماذا يختار."
غرفة الطفل امتلأت عن آخرها بالأغراض. كنت أظن أن أمي وأبي وليتي وكورين قد بالغوا، قبل أن يدخل الريبر إلى الصورة.
فمنذ أن سمحت له بأن يكون جزءاً من حياة الطفل، وهو يرسل هدايا صغيرة جميلة. لا أعلم متى يجد الوقت للتسوق أو من أين، وهو في حالة اختباء. كل ما اشتراه كان باللون الوردي. تماماً كما فعل مع نوح وإيثان، يعتقد هو الآخر أن المولود سيكون فتاة.
لكن ابتسامتي تلاشت ما إن تذكرت أمره. أعلم أنني أعطيته وعداً، لكن…
شدني صوت أمي من أفكاري السوداء: "لا أطيق صبراً لرؤية هذا الطفل. لقد فاتتني لحظة ولادة نوح، لذلك سأعوّضها مع هذا الطفل."
"هل يمكنني أن أتصل بكِ لاحقاً يا أمي؟" سألتها، وقد لمحت لِـتي وكورين يصلان لملاقاتي في الغداء.
"بالطبع، نتحدث لاحقاً. أحبك يا آفا."
"وأنا أحبكِ يا أمي."
أغلقت الخط وتنهدت وأنا أضع الهاتف على الطاولة، لكن ما إن فعلت حتى هجمت أفكاري المتضاربة عليّ.
لم يكن والدي وحده سبب صراعي مع الريبر، بل كان هناك رووان أيضاً. صحيح أنني لم أكن أحبه، لكنه والد نوح. والريبر عازم على الانتقام، وإن فقدنا رووان فسيتحطم قلب نوح.
وفوق ذلك، هناك احتمال أن يستهدف الريبر كل من يُحبهم رووان، وهم نفس الأشخاص الذين يحبهم نوح – باستثناء إيما طبعاً. لم أكن أعلم ما أفعل. جزء مني أحس أنني ارتكبت خطأً حين أعطيته فرصة، وجزء آخر أخبرني أن أثق بحدسي، وحدسي قال إنها كانت الخطوة الصحيحة.
"فيما تفكرين بعمق هكذا؟" صوت كورين أخرجني من دوامة أفكاري.
قفزت بفزع: "تباً، أفزعتني!" وضعت يدي على صدري كأن ذلك سيهدئ ضرباته.
"آسفة، ظننت أنك رأيتني أدخل." قالت مرتبكة.
كنت غارقة في أفكاري لدرجة أنني لم ألحظ دخولهما إلى القاعة الخاصة.
"لا بأس… فقط لدي الكثير في ذهني."
"أترغبين في مشاركته معنا؟" سألت لِـتي وهي تجلس.
هززت رأسي: "ليس حقاً."
لم يكن الأمر أنني لا أريد البوح، بل لم أكن أعرف كيف. كيف أبدأ بالقول إن المجرم الذي يطارده الجميع بلا كلل هو في الحقيقة خال طفلي؟ وإنني على تواصل معه؟ بل والأسوأ أنني سمحت له بأن يكون جزءاً من حياة طفلي؟
"هل لهذا علاقة برووان مجدداً؟" سألت لِـتي بعينين متلألئتين بغرابة. "ترافيس قال إن رووان اتصل به قبل أيام وكان ثملاً تماماً."
تجهمت. لا أذكر متى كانت آخر مرة أسرف رووان في الشرب. كان قد توقف بعد ولادة نوح. ومنذ تلك الليلة التي ظهر فيها فجأة عند باب منزلي، وهو صامت لا خبر عنه.
ما زلت لا أصدق أنني لكمته. لكنه كان شعوراً رائعاً، طالما رغبت في فعله.
"ولماذا كان ثملاً؟" تساءلت كورين باهتمام.
أجابت لِـتي وهي ترفع كتفيها: "لا أنا ولا ترافيس نعرف. لكنني أراهن أن غاب يعرف، وأراهن مضاعفاً أن آفا لديها فكرة أيضاً."
التفتتا إليّ تنتظران. تحركت في مقعدي بقلق.
"تحدثي، آفا." أمرتني لِـتي.
"بصدق، لا أعرف شيئاً. آخر مرة رأيته، جاء فجأة إلى منزلي في الليل. تصرفاته كانت غريبة، فطلبت منه أن يرحل."
"غريبة كيف؟" ضغطت كورين.
ترددت للحظة ثم قلت: "أُصيب بالغيرة حين ذكر نوح أن… أن هناك رجالاً يطرقون بابي. فقد أعصابه وصرخ قائلاً إنني أنتمي له، وإنه لن يسمح لي بأن أبيع نفسي لرجال آخرين."
ما زلت أغضب كلما تذكرت كلماته. أنتمي له؟ منذ متى؟ أنا لست شيئاً يملكه أحد. أنا إنسانة.
قالت لِـتي بعينين حالِمتين: "واو، كم هو متملك! لم أتخيل أن يأتي يوم يكون فيه رووان متملكاً تجاهك."
حدقت بها كأنها فقدت صوابها.
"هل تمزحين يا لِـتي؟ نحن نتحدث عن رووان! نفس الرجل الذي كرر لي مراراً أنني لا أعني له شيئاً، وأنه لن يحبني أبداً لأنه يكرهني من أعماقه."
تحول الألم القديم إلى غضب خالص. كل ذلك الانكسار الذي عشته… من أجل ماذا؟ ما زال شوكة في حياتي.
قالت لِـتي: "أعتقد أنه أدرك الآن أنه يريدك. لماذا تعتقدين أنه—"
قاطعتها: "حتى لو كان ذلك صحيحاً، وهو ما أشك فيه بشدة، فهذا لا يهم. لقد فات الأوان. منحته فرصاً لا تُحصى خلال تسع سنوات من زواجنا، فأهدرها جميعاً. لم يعطني شيئاً سوى الألم. أنا لا أرى الأمور كما ترونها أنتما."
ساد الصمت، كلتاهما تحدقان بي وكأنهما تبحثان عن الكلمات. أما أنا، فلم أرد سوى إسدال الستار على مسألة رووان. لم أعد أحتمل التفكير فيه أو في تحوّله المفاجئ. حياتي مزدحمة بما يكفي من دونه.
تنفست بعمق: "أنظرا، أعلم أنكما تريدان سعادتي، ولسبب ما تعتقدان أنني سأجدها مع رووان. لكنكما مخطئتان. علاقتنا كانت محكومة بالفشل منذ لحظة زواجنا. كنا سامّين لبعضنا البعض. أنا أحببته وكرهته في الوقت نفسه، بينما هو لم يفعل سوى كرهي. حاولت أن أغيّر نفسي كي يحبني، ولم ينجح ذلك. حتى لو حاولت الآن، فلن ينجح. الحب الذي كنت أكنّه له مدفون تحت جبال من الألم والقلب المكسور والحقد والمرارة. لذا أرجوكما، دعانا ننهي هذا الأمر، حسناً؟"
لا يمكن إجبار القلب على شيء لا يريده. لكن هذا بالضبط ما كانت كورين ولِـتي تحاولانه. كانتا تريدان أن أعيش "النهاية السعيدة" في قصتهما، مقتنعتين أن رووان هو الطريق إليها. لكن ما لم تستوعباه هو أن رغبتهما لا تجعل الأمر حقيقة.
صحيح أن سلوك رووان تغيّر، لكنني أراه مجرد نزوة. الرجال دائماً يرغبون فيما لا يملكون. يريدني الآن لأنه لا يستطيع الحصول عليّ. وحين يملّ من المطاردة سيعود إلى "حبه الحقيقي". وإن استسلمتُ، فلن أنتظر سوى جولة أخرى من الانكسار حين يكتشف أنني لست ما يريده.
قلت بعد لحظة صمت ثقيل: "دعونا نركز على سبب لقائنا هنا."
ردت كورين: "حسناً."
تمتمت لِـتي متذمرة: "طيب."
زفرت براحة. سعيدة أنهما على الأقل قبلتا ترك الموضوع الآن. أعلم أن لِـتي ستعيده في أول فرصة، لكن سأتعامل معه حينها.
قالت لِـتي فجأة: "هل يمكننا الذهاب لمحل مثلجات أو شيء ما؟ لا أعلم لماذا يزعجني هذا المكان الفخم بنُدُلِه ومُضيفاته المتعجرفين."
أضافت كورين: "يمكننا الذهاب إلى مطعمي."
لا أعلم لماذا لم تخطر لهن الفكرة منذ البداية. لكني التزمت الصمت.
قالت لِـتي وهي تلتفت إلى كورين: "لا. هل سبق أن دخلت مطعماً للوجبات السريعة أو محلاً للآيس كريم؟"
بدت كورين متوترة وهي تهز رأسها: "ليس حقاً."
"رائع. إذاً اليوم حظك سعيد. سنتغدى في مطعم للوجبات السريعة، ثم نأخذ مثلجات، وبعدها نذهب إلى مكتبك لنتابع سير أعمالنا."
ابتسمتُ وأنا أرى ملامح كورين المذعورة. حان الوقت لتعريفها بالعالم العادي، الذي أراه أدفأ بكثير من عالم المتعجرفين المحيطين بنا.
سحبت لِـتي كورين من يدها لتنهض، فيما وقفتُ أنا أيضاً.
"ماذا لو أصبتُ بتسمم غذائي؟ سمعت أن مثل هذه المطاعم ليست صحية تماماً في طريقة إعداد الطعام." اعترضت كورين وهي تحاول الإفلات.
ردت لِـتي ساخرة: "وماذا في ذلك؟ ستصابين بإسهال لبضعة أيام ثم تتعافين. صدقيني، هذه المأكولات الشعبية أفضل بكثير من هذه الأطباق الفاخرة عديمة الطعم."
ضحكت وأنا أتبع خطواتهما وأستمع لجدالهما اللطيف. كان منعشاً بحق.
كنت أفكر بامتنان في وجود مثل هاتين الصديقتين في حياتي، حين قطع صوتٌ سامٌّ كل تلك السعادة في لحظة.
"انظروا من لدينا هنا؟ العاهرة الحامل."
التفتّ لأجد كريستين تحدق بي بعيون مليئة بالكراهية. وكأن ذلك لم يكن كافياً… إذ وقفت إيما إلى جوارها.
أغمضت عيني وزفرت. لماذا يكون حظي إلتقاء هؤلاء في طريقي؟
تعليقات
إرسال تعليق
شاركنا برأيك في التعليقات