(ملاحظة: الفصل الرابع والتسعون مفقود من المصدر، متى يتوفر سيتم ابلاغكم ان شاء الله. التالي هو الفصل الخامس والتسعون.)
_____
اتصل كالفن فوراً ما إن وصله إشعار بالمكالمة الفائتة. شرح لي أن السبب في عدم رده هو أنه كان في اجتماع، وهاتفه كان على الوضع الصامت. أراد أن يعود إلى المنزل مباشرة، لكنني أخبرته أن كل شيء صار على ما يرام، وأنني تعاملت مع الموقف وأن غَنَر بخير الآن. لم يعد يبكي، ولم يعد حزيناً. وذلك كان كافياً بالنسبة لي.
كان متردداً، لكنه وافق أخيراً، خاصة أن اجتماعه سيمتد حتى وقت متأخر.
ها أنا الآن أعدّ العشاء لنا، فيما رأسي مزدحم بآلاف الأفكار. وكأنني لا أستطيع أن أتنفس من ثِقَل أفكاري، فهي تلاحقني باستمرار، والآن انضافت إليها أفكار تخص غَنَر.
قال نوح وهو يجلس عند الطاولة:
ـ "ما العشاء يا أمي؟"
وأضاف غَنَر مبتسماً:
ـ "نعم، ما هو؟ أنا أتضور جوعاً."
وها هو مجدداً… تلك الابتسامة اللعينة. ليس أنني أكره ابتسامته، لا، فلا يمكنني أن أكره ابتسامة من غَنَر أبداً، لكنها تزعجني كثيراً. هناك شيء ما فيها لا أستطيع تحديده.
قلت لهما:
ـ "لست متأكدة… لمَ لا ننتظر لنرى ما الذي ستشتهيه نفسي؟"
ابتسم نوح ابتسامة عريضة، ثم التفت إلى غَنَر قائلاً:
ـ "أمي لديها رغبات غريبة بسبب الحمل. أحياناً تكون رائعة، وأحياناً مقززة تماماً."
أومأ غَنَر برأسه وسأل:
ـ "هل أستطيع المساعدة؟"
قلت له:
ـ "بالطبع، لمَ لا تبدأ بتغليف الدجاج بالطحين؟"
نوح لم يكن بارعاً في المطبخ، في الواقع كان كارثة حقيقية، ولهذا لم يكن يساعدني عادة إلا في أشياء بسيطة لا يفسدها.
أخرجت له صدور الدجاج المقطعة والمتبلة، وكيس الطحين المُنكّه، وسلمته له. أخذه بسرور وابتسامة على وجهه. ومن خلال معرفتي به، اكتشفت أنه يحب الطعام ويحب الطبخ أيضاً. سيجعل امرأة ما محظوظة جداً يوماً ما إن استمر على هذا الحال.
التفتُّ إلى نوح وقلت:
ـ "أما أنت يا نوح، فستساعدني في الحلوى."
ابتسم وقال:
ـ "على الأقل هذا سهل ولن أفسده."
ضحكت أنا وغَنَر معاً. أحببت في نوح وعيه بنفسه.
ثم حذّرت غَنَر:
ـ "اسمع، إن علقت المخلطة الحامضة على أصابعك فلا تلمس عينيك أبداً، فهي تحتوي على تباسكو وملح، وستحرقك."
ـ "حسناً." أجاب ببساطة.
بدأنا العمل، نتحدث ونمرح. شعرت بسعادة كبيرة أنني أستطيع أن أمنح غَنَر هذه اللحظات. لم أستطع أن أمحو كل آلامه وحزنه، لكن هذا يكفي الآن.
إنه فتى رائع. خجول في البداية، لكن عندما تتعرف إليه تدرك كم هو مذهل. ولا أستطيع أن أفهم كيف لوالدته أن تفعل به ما فعلت. من القليل الذي عرفته، هي لا تريد أن تكون في حياته. لا أعلم إن كان ذلك باختيارها أو لظروف أجبرتها، كل ما أعلمه أن ذلك يحطم قلب غَنَر. وآخر ما أريده هو أن يكبر حاملاً جراحاً مثل جراحي.
أعادني صوته الخافت إلى الحاضر حين قال:
ـ "هذا ما كنت أحلم به دائماً وأدعو الله لأجله."
سأله نوح:
ـ "ماذا تعني؟"
أخذ غَنَر نفساً عميقاً ثم أجاب:
ـ "هذا. أن تكون هناك أم إلى جانبي، أراها تطهو وأشاركها الطبخ. لا تفهمني خطأ، أبي رائع، لكنه يبقى أباً… ولن يكون أبداً أماً."
تفتت قلبي إلى أشلاء بسبب كلماته. لو استطعت أن أمنحه الدنيا كلها لفعلت، لكن بعض الأشياء ببساطة مستحيلة. تماماً مثل رغبة نوح بأن يعود والده روان وأنا لبعضنا.
سألته بلطف:
ـ "هل أنت بخير يا عزيزي؟"
ابتسم إليّ وقال:
ـ "نعم. لديّ أنتِ ونوح وأبي. وهذا يكفيني. أعلم أنك لستِ أمي الحقيقية، لكنك بالفعل مثل أمي بالنسبة لي."
تركت ما في يدي، وعانقته، ثم قبّلت جبينه.
تأوه نوح قائلاً:
ـ "تباً!"
فوبخته فوراً:
ـ "انتبه لألفاظك!" فسكت.
ثم قال بعد قليل:
ـ "آسف يا أمي… لقد كنت أضغط وألحّ على أن تعودي أنتِ وأبي لبعضكما، ولم أدرك كم أنا محظوظ أنكما ما زلتما في حياتي. هل تسامحينني؟"
فتحت له ذراعيّ، فأسرع نحوي، فأحطته بذراعي وقبّلت جبينه.
قلت له:
ـ "أنت مسامَح."
فأضاف:
ـ "سأستمر بالدعاء والأمل، لكنني سأتوقف عن الضغط."
أجبته بابتسامة:
ـ "شكراً."
عدنا لإكمال العشاء، ثم جلسنا على المائدة وأكلنا معاً. نحن الثلاثة ـ أو بالأحرى الأربعة ـ أنهينا تقريباً كل الطعام، لكنني أصريت على إبقاء بعض البقايا، فأنا أعلم أن كالفن سيعود متعباً وجائعاً، ولن يجد وقتاً ليطبخ لنفسه.
بعد العشاء، جعلتهما يستحمان ثم أرسلتهما إلى النوم.
وعندما غرقا في النوم، خطرت لي الفكرة. لديّ بيت فيه خمس غرف نوم. حتى بعد تحويل إحدى الغرف إلى حضانة، بقيت غرفة إضافية. يمكن أن تكون غرفة لغَنَر. ينام فيها حين يأتي لزيارتنا، وتكون مساحته الخاصة أيضاً. تحمست للفكرة سريعاً، فأخذت دفتر ملاحظاتي وبدأت أكتب ما أحتاجه.
بالطبع كان عليّ أن أطلب إذن كالفن أولاً، لكنني كنت واثقة أنه سيوافق. بل إنه سيكون مفيداً في تصميم الغرفة، فهو يعرف غَنَر أكثر من أي شخص آخر. يعرف ما يحبه.
كنت على وشك إنهاء القائمة حين رن جرس الباب. أسرعت لأفتحه، متأكدة أن الطارق هو كالفن. ولم أكن مخطئة.
ـ "مرحباً." قلت له.
ـ "مرحباً بكِ أيضاً." أجاب بابتسامة متعبة.
تنحيت جانباً ودخل. جلسنا في غرفة المعيشة.
سألني:
ـ "البيت هادئ. هل ناموا؟"
ـ "نعم."
ترددت. كان لديّ الكثير من الأسئلة، لكنني خشيت أن أتجاوز حدودي.
قلت أخيراً:
ـ "بخصوص اليوم… غَنَر كان يبكي بسبب أمه."
ما إن نطقت حتى تجمد وجهه وصار بارداً كالحجر.
قال بصرامة:
ـ "لا تذكري تلك الحقيرة أمامي مجدداً! لم تفعل شيئاً سوى إيذائي وإيذاء ابني مراراً. أي نوع من النساء تهجر ابنها؟ أفهم أنها لا تحبني ولن تحبني أبداً، هذا مؤلم لكنني قبلته. لكن أن تدير ظهرها لغَنَر… هذا شيء آخر. لن أسامحها أبداً على ذلك."
كان يتنفس بعنف وصوته قاسياً.
آه، الحب غير المتبادل… أليس لعنة؟ عانيت منه منذ أن وقعت في حب روان. ولم أرد لصديقي أن يمرّ به، لكن يبدو أنه يعاني الآن.
قال وهو يمتلئ مرارة:
ـ "كل مرة أتصل بها وترفض رؤية غَنَر، أشعر أنني أموت. إنه طفل رائع، ومع ذلك لا تريد أي علاقة به. حاولت أن أخفي الأمر عنه، لكن مع كبره بدأ يفهم. بدأ يدرك أن أمه لا تريده. تباً… أكرهها كثيراً، لكنني أيضاً لا أستطيع التوقف عن حبها."
ثم أكمل، والألم يطفح من عينيه:
ـ "أريد أن أمنح غَنَر العالم كله، لكن الشيء الوحيد الذي يريده بعيد عن متناول يدي. أندم على أنني أحببتها يوماً. أندم أنني قابلتها. لكن الحقيقة هي أن ندمي عليها يعني ندمي على غَنَر، وهذا شيء لن أفعله أبداً."
أين سمعت هذه الكلمات من قبل؟ نعم… من نفسي. ألم أقل لروان الشيء نفسه؟ إنني مهما أردت أن أندم عليه، فلن أستطيع، لأن ذلك يعني أن أندم على نوح.
قلت له:
ـ "ليس عندي كلمات مثالية لك. مواقفنا متشابهة ومختلفة في الوقت نفسه. كل ما أستطيع قوله هو: كن دائماً إلى جانب غَنَر. أحبه حباً يغنيه عن حب أمه. أظهر له أنه يكفي، وأن الخسارة هي خسارتها هي، لا خسارته."
كانت تلك كل الكلمات التي استطعت أن أقدمها. كنت أريد قول المزيد، لكنني لم أجد ما يواسيه. أومأ برأسه، وبقينا في صمت.
ثم قال بعد لحظة:
ـ "شكراً لكِ يا آفا… لكونكِ موجودة من أجلي ومن أجل ابني."
أجبته بهدوء:
ـ "لا شكر على واجب."
وبعد قليل غادر، وهو يحمل غَنَر نائماً، ومعه الطعام الذي أبقيته له.
لكن حتى بعد ساعات من مغادرته، وبعد أن نمت في سريري، ظلّت ابتسامة غَنَر تطارد ذهني. ابتسامته، وأمه الغامضة، غزتا كل أفكاري.
هناك شيء ناقص… لو استطعت أن أرتب القطع معاً، ربما أكتشف لماذا يزعجني هذا الأمر بهذا الشكل، ولماذا لا يمنحني عقلي أي راحة بشأنه.
تعليقات
إرسال تعليق
شاركنا برأيك في التعليقات