التخطي إلى المحتوى الرئيسي

انتهت اللعبة، لا فرص أخرى (الفصل الأول)

كانت سيرينا يانسن تقف بجوار النافذة الضخمة الممتدة من الأرض إلى السقف، ينسدل على جسدها رداء حريري أنيق. كانت تحدّق في أضواء المدينة البعيدة المتلألئة.


بعد صمت طويل، التقطت هاتفها وأجرت مكالمة.

قالت بصوت ثابت:

"أوافق على الخطوبة."


ساد صمت قصير في الطرف الآخر، قبل أن يصلها صوت والدها، هوارد يانسن، وقد بدا متحمسًا بالكاد يستطيع كبح انفعاله.

قال: "نينا، متى ستعودين؟ سأذهب لاصطحابك."


انقبض صدرها، وشعرت بغصّة في حلقها. مرّت سنوات طويلة منذ آخر مرة سمعت فيها والدها يناديها بلقب طفولتها.

"الاثنين القادم." ثم أنهت المكالمة دون أن تنتظر رده.


بعد وفاة والدتها، أمبر هانسون، لم يتأخر هوارد في إدخال امرأة جديدة إلى البيت مع ابنتها. سيرينا كرهتهما، وأقسمت ألا تسمح أبدًا بأن تؤول شركة والدتها إلى أيديهما.


لسنواتٍ طويلة، أرهقت نفسها من أجل زاك فوستر. لكنها الآن لم تعد ترى فائدة في ذلك. هناك طريق أقصر وأكثر مباشرة لاستعادة ما يخصها.


ومع ذلك، لمجرد أن خطر اسم زاك على بالها، شعرت بوخز مؤلم في قلبها.


في وقت سابق من تلك الليلة، عند الساعة الثامنة والنصف، كانت قد رتبت المائدة بعشاء أعدته بعناية. وما إن انتهت حتى اهتز هاتفها برسالة.


كتب زاك: "طرأ أمر في العمل. لا تنتظريني."


شعرت بالشلل وهي تحدق في الشاشة.


ذلك اليوم لم يكن مجرد عيد ميلادها الثالث والعشرين، بل أيضًا الذكرى الخامسة لعلاقتهما.


منذ السادسة مساءً وهي تتصل وترسل له رسائل. لم يرد على مكالماتها، ورسائله كانت مقتضبة جدًا. أرسلت له عشر رسائل، ولم يجب سوى بكلمة واحدة: "مشغول."

حتى محادثتهما على "ويشات" بدت كأنها حديث من طرف واحد.


سيرينا: "طلبت شريحة لحم توموهاوك..."

سيرينا: "أحضرت زهورًا طازجة من الورود والزنابق..."

سيرينا: "العصير الأحمر الذي تحبه، جلبته اليوم من الكرم."

سيرينا: "الشموع برائحة الغاردينيا، صنعتها بنفسي خصيصًا لهذه الليلة."


لقد عرفت زاك منذ ثلاثة عشر عامًا، ولم يغب يومًا عن عيد ميلادها.


رافضة تصديق الواقع، طلبت رقمه مرة أخرى. هذه المرة انتقل مباشرة إلى البريد الصوتي.


تفقدت آخر وقت لرسالته، وفجأة ظهر إشعار—منشور من أحد حساباتها المفضلة.


"حفل فينسنت. انتظرته منذ زمن."


وكانت مرفقة بصورة لرجل وامرأة ملتصقين ببعضهما.


تحت الأضواء الخافتة للحفل، تعرّفت سيرينا على أزرار الأكمام التي يرتديها الرجل فورًا. النقش المحفور بشكل غاردينيا كان تصميمًا خاصًا طلبته له.


كان ذلك الموديل المفضل لدى زاك، ولا يوجد منه سوى قطعة واحدة في مدينة يلو بروك بأكملها.


قبضت على هاتفها بقوة، تكبّر الصورة وتصغّرها مرارًا حتى احمرت عيناها من التحديق، ثم ألقت الهاتف على الطاولة، تلهث وكأنها تختنق.


لقد اشترت التذاكر فور إعلان فينسنت جولته الوطنية. يومها أخبرت زاك أن ذلك هو الشيء الوحيد الذي تريده في عيد ميلادها.

ووعدها أن يرافقها. لكنه في النهاية، خذلها.


والآن، في عيد ميلادها، تخلى عنها وذهب مع ويندي بدلًا منها.


انتشر ألم عميق من صدرها إلى كل جزء في جسدها. غطّت وجهها بكفيها المرتعشتين، لم تعد قادرة على خداع نفسها.


عندما كانت في العاشرة، كانت مريضة وضعيفة، واضطرت للانتقال من مدينة جاڤرتون إلى مدينة يلو بروك للعلاج. وهناك التقت بزاك.


بسببه، حتى بعد أن استعادت صحتها، لم ترغب أبدًا في مغادرة يلو بروك.


زاك كان يكبرها بعامين، وقد حماها دائمًا وأغدق عليها عطفه، وبقي بجانبها من المدرسة الإعدادية حتى الجامعة.


في ليلة عيد ميلادها الثامن عشر، لم يستطع كبح مشاعره، فاعترف لها بحبه، وأهداها أجمل باقة زهور، ووعدها بأنها ستكون الوحيدة التي يحبها طوال حياته.


تساءلت سيرينا: متى بدأ ذلك الوعد يتلاشى؟ ربما منذ اللحظة التي عرّفته فيها على ويندي.


الفتاة الرقيقة بثوبها الأبيض ابتسمت بخجل، وعيناها مليئتان بالضعف وانعدام الأمان.

قالت: "زاك، أنا الطالبة التي تكفلت السيدة يانسن بمنحتها الدراسية."


كزهرة زنبق على حافة جرف، أثارت بسهولة غريزته في الحماية. ومنذ ذلك اليوم، كلما كان عليه أن يختار بين سيرينا وويندي، كان يختار ويندي في تسع مرات من أصل عشر.


سيرينا لم تسكت، وحاولت المقاومة. لكن زاك كان ينظر إليها بعينين يملؤهما الخذلان، ويقول لها بصرامة:

"ويندي ليست قوية مثلك، ولا تملك ما تملكين. لا تسيئي إليها."


كانت سيرينا ترغب في الصراخ: وهل ضعفها يمنحها الحق في سرقة حبيبي علنًا؟


اهتز هاتفها فجأة، قاطعًا الصمت الخانق. التقطته بسرعة. ظهرت ثلاث رسائل متتالية:


ويندي: "عزف فينسنت على الكمان كان مذهلًا، حقًا عالمي المستوى! زاك رتب أن ألتقيه بعد الحفل كي أطلب منه أن يكون أستاذي."

ويندي: "آه، اليوم عيد ميلادك، أليس كذلك؟ ظللت أطلب من زاك أن يعود لرؤيتك، لكنه خشي أن لا آكل جيدًا، وأصر أن يبقى معي. اتصالاتك الكثيرة أزعجته فأغلق هاتفه."

ويندي: "زاك اشترى هذه الهدية! آنسة يانسن، هل تساعدينني لأرى إن كانت تناسب ملابسي؟"


كانت صورة لسوار ماسي متعدد الألوان، أحدث إصدار لدار مجوهرات فاخرة، لا يُتاح إلا عبر طلب مسبق. عندما عُرضت الإعلانات الأولى عنه، كانت سيرينا قد ذكرته عرضًا لزاك. فاشتراه.


لكن ليس لها.


وضعت سيرينا الهاتف بهدوء، أشعلت شمعة، وأكملت عيد ميلادها وحيدة. ثم رمت كل الطعام الذي أعدته في القمامة، بما في ذلك الكعكة التي قضت أسبوعين تتعلم خبزها.


لم ترحل في الحال لأنها قضت ثلاثة عشر عامًا متداخلة مع زاك—حبًا وحياةً.

والانفصال عنه لن يكون سهلاً.

هي فقط تحتاج بعض الوقت.


وبينما كانت نصف نائمة، شعرت بجلوس أحدهم على طرف سريرها. في اللحظة التالية، لامست يد باردة وجهها، تربت على خدها برفق.


وجاء صوت عميق دافئ مألوف:

"رينا، آسف على تأخري. هذه هدية عيد ميلادك، آمل أن تعجبك."


فتحت عينيها متجهمة. كان زاك يجلس هناك بقميص أسود دون سترته.


ملامحه تحت الضوء الخافت بدت أكثر لينًا، تزيده جاذبية. عيناه كانتا عميقتين حتى الاختناق.


اعتدلت في جلستها تراقبه وهو يفتح علبة مخملية ويقدمها لها. في الداخل كان السوار الماسي متعدد الألوان يلمع تحت الضوء.

قال زاك بابتسامة: "أردتِ هذا منذ مدة، صحيح؟ دعيني أضعه لك."


لكن قبل أن يلمس السوار، رن هاتفه. رمى العلبة على السرير ونهض مسرعًا للإجابة.

"سقطتِ؟ هل تأذيتِ؟ لا تبكي، أنا قادم الآن."


خرج على عجل دون أن يشرح شيئًا.

نادته سيرينا، لكن الباب أُغلق خلفه بقوة قبل أن تقول المزيد. لم يلتفت.


وبعد دقائق قليلة، وكما توقعت، وصلت رسائل جديدة من ويندي:


ويندي: "هل ارتديتِ السوار؟ عليكِ أن تقبليه، آنسة يانسن! توسلت لزاك طويلًا حتى وافق أن يعطيكِ إياه."

ويندي: "إنه يعتبرني لطيفة جدًا... بعد الحفل أصر أن يذهب معي ليشتري آخر."

ويندي: "أعشق المعنى وراء هذا التصميم. إنه يرمز للسعادة الأبدية لمن يُحب حقًا."


كانت قد أرفقت صورة لسوار زوجي شهير من نفس الماركة—تصميم كلاسيكي خالد.


في السنة التي أسس فيها زاك شركته، اصطحبها لتري ذلك السوار.


حينها كانت الشركة تعاني ماليًا. كانت المشاريع على وشك الانهيار، فاضطرت سيرينا لبيع قطعتين نادرتين من خزف والدتها لتسد فجوة التمويل. لم تحتمل أن تراه ينهار.


لكن بعدما استقرت أوضاع الشركة، لم يفكر زاك يومًا في شراء ذلك السوار لها.


وحين حاولت لاحقًا استعادة تلك القطع الخزفية، اكتشفت أن جامع تحف مجهول قد اشتراها بمبلغ ضخم. لقد ضاعت إلى الأبد.


تلك الليلة، لم يعد زاك إلى المنزل.


وفي صباح اليوم التالي، وبينما كانت تتناول إفطارها، ظهرت رسالة جديدة من ويندي على شاشة هاتفها...




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين ندم طليقي (الفصل الأول: وثيقة الطلاق)

ترجّلتُ من سيارتي وسرتُ ببطء نحو القصر. كانت يداي ترتجفان، وجسدي يتصبب عرقًا. ما زلتُ غير مصدقة أن الأمر قد انتهى. أنني أخيرًا تطلّقتُ منه. والدليل على ذلك كان في حقيبتي. جئت اليوم لأسلّمه الأوراق النهائية... ولأصطحب نوح. دخلتُ المنزل، وتتبعتُ أصواتًا هامسة، لكنني توقفتُ فجأة عند اقترابي من المطبخ. في تلك اللحظة، بات بإمكاني سماعها بوضوح، وما سمعته جمّد الدم في عروقي. "لا أفهم لماذا لا يمكنك العيش معي ومع أمي؟" سأل نوح والده بصوت بريء. وضعتُ يدي المرتجفتين على صدري، وقلبي يتألم من نبرة الحزن في صوته. كنتُ مستعدة لفعل أي شيء من أجله، لكن هذا الطلاق كان حتميًّا. زواجنا كان خطأ. كل ما جمعنا كان خطأ. فقط استغرقني وقتٌ لأدرك الحقيقة. "أنت تعرف السبب، نوح... لم نعد معًا، أنا ووالدتك." قالها بصوت خافت. من الغريب حقًا... طوال سنوات زواجنا، لم يحدث أن كلّمني بذلك اللين. كان صوته دائمًا باردًا، خاليًا من أي مشاعر، مسطحًا، جامدًا. "ولكن، لماذا؟" "هذه أمور تحدث أحيانًا..." تمتم بها. أستطيع أن أتخيل تعابير وجهه العابسة، محاولًا شرح الأمر لنوح كي لا يُكثر من ا...

حين ندم طليقي (الفصل الثاني: آسف لخسارتك والدك)

 "يجب أن أذهب... هل يمكنك البقاء مع نوح؟ لا أعلم كم من الوقت سأمكث هناك"، قلتُ بشرود بينما كنت ألتقط حقيبتي. "بالطبع... سأأتي حالما أطلب من والدتي أن تأتي لتبقى معه"، أجاب روان، لكن صوته تلاشى وسط طنين أذنيّ. لم أعد أعي ما يدور حولي بينما ودّعتُ ابني وغادرت. ركبتُ السيارة، وبدأتُ القيادة نحو المستشفى، وذهني غارق تمامًا في الذكريات. لقد نشأتُ في جوّ من الإهمال العاطفي، إن صح التعبير. كنتُ الطفلة التي لم يُبالِ بها أحد من والديّ. كان والدي يفضّل أختي الكبرى، إيما. كان يناديها دائمًا "أميرتي"، و"فتاتي الصغيرة". أما والدتي، فكان ابنها المفضل هو أخي الأكبر، ترافيس. كانت تراه الفتى الوسيم المدلل لديها. وأنا؟ لم أكن مفضّلة لدى أحد. كنت فقط آڤا. دائمًا ما شعرت أنني غير مرغوبة. دخيلة. ليس فقط من قِبل والديّ، بل من إخوتي أيضًا. مهما فعلت—تحصيل دراسي جيد، رياضات، أنشطة مدرسية—كنت دائمًا أقف على الهامش. أنظر من الخارج إلى الداخل، وكأنني أراقب عائلة سعيدة لا أنتمي إليها. وبعد ما حدث قبل تسع سنوات، انقطعت تمامًا العلاقة الهشة التي كانت تربطني بعائلتي. ترافيس ب...

حين ندم طليقي (الفصل الرابع: محطمة كلياً)

 هل شعرت يومًا وكأن قلبك وُضع داخل مفرمة لحم؟ هذا تمامًا ما أشعر به الآن وأنا أنظر إليهما. أشعر وكأن قلبي تمزّق إلى قطع صغيرة. لو كان بإمكاني أن أنزع هذا العضو عديم الفائدة وأرميه بعيدًا، لفعلت. لأن الألم الذي ينهشني الآن لا يمكن تصوره. أردت أن أهرب. أن أُبعد نظري، لكنني لم أستطع. كانت عيناي ملتصقتين بهما، وكلما حاولت أن أُدير وجهي، شعرت وكأنهما التصقتا بهذا المشهد المُفعم بالحب أمامي. أراقبهما وهما ينفصلان عن بعضهما. عينا روان تلينان وهو يحدّق في حبّ حياته. أشاهده وهو يضع كفيه على وجهها، يقربها منه... لا يُقبّلها، فقط يُسند جبهته على جبهتها. يبدو... مسالمًا. وكأنه أخيرًا عاد إلى منزله بعد غيابٍ طويل. وكأن روحه اكتملت أخيرًا. "اشتقتُ إليكِ" قرأتُ الكلمات وهي تتكوّن على شفتيه. لم أرغب في تخيّل ما كان سيحدث بينهما لو التقيا في ظروف مختلفة... لو التقيا ونحن لا نزال متزوجين. هل كان ليخونني معها؟ جزء مني يريد أن يرفض هذا الاحتمال، لكنني لست واثقة. نحن نتحدث عن إيما. روان قد يذهب إلى الجحيم ويعود من أجلهَا. غير قادرة على تحمّل المزيد، وقفتُ واندفعتُ إلى الخارج. ما إن وصلتُ حتى بدأت...