التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حين ندم طليقي (الفصل الخامس والثمانون: كلامه الذي لا يصدّق)

 آڤا



"مـ.. ماذا؟" تمتمتُ وأنا أحدّق في روان بدهشة تامة.


لا يمكن أنني سمعت جيدًا. روان الذي أعرفه كان سيفعل أي شيء من أجل إيما، حتى لو كان الثمن التضحية بي.


قلبي يخفق بجنون وأنا أحدّق في ملامحه الخالية من أي انفعال.


"لقد سمعتِني يا آفا"، كرّر بجدية لا أثر فيها للكذب. "لو كان عليّ أن أختار، لكنتُ تركتها تموت عن طيب خاطر إن كان ذلك يعني إنقاذك."


في البداية، ظننت أنه يكذب كي لا أشعر بالذنب. فمن تطيق أن تعلم أن الرجل الذي قضت معه قرابة عقد من عمرها كان سيفضّل امرأة أخرى عليها؟


اعتقدت أنه يقول ذلك لمجرد أن يخفّف عني. لكنني عندما أمعنت النظر في وجهه، أيقنت أنه صادق. كان مكتوبًا في ملامحه، واضحًا في عينيه. ثم متى اعتاد روان أن يوفّر عليّ مشاعري أصلاً؟ لم يتردد يومًا في قول الحقيقة كما هي، فلماذا يبدأ بالكذب الآن؟


زفرتُ زفرة طويلة، وسحبت يدي من بين يديه. بدا الأمر حميميًا أكثر من اللازم، وأنا لديّ من الأفكار ما يكفي ليربكني، فلا أحتاج دفء يديه ليزيدني حيرة.


"أنت لا تعني ذلك"، قلت بعد لحظة صمت. "إيما هي المرأة التي أحببتها منذ اللحظة الأولى التي عرفت فيها معنى الحب. كنتَ واقعًا في حبها لسنوات طويلة، فكيف تستطيع أن تقول بهذه البساطة إنك ستضحّي بها من أجلي؟"


قطّب حاجبيه استعدادًا للكلام، لكنني قاطعته:

"أنا التي لم يكن لي أي قيمة عندك منذ البداية. تذكر؟ كنتَ تكرهني يا روان. كرهتني لسنوات، فما الذي يحدث بحق الله؟ كيف تستطيع أن تقرر فجأة أنني أهم من إيما الغالية؟ هناك شيء لا يستقيم. لا يمكنك أن تكفّ عن كرهي فجأة هكذا."


ارتكيت برأسي على الوسادة، منهكة. كنت أعلم أن ما قلته هو الحقيقة المجرّدة. لا يمكن لكل ذلك الحقد والضغينة والمرارة التي كدّسها تجاهي طوال تسع سنوات أن تتبخّر في الهواء.


لا يمكن أن يستيقظ المرء يومًا إنسان آخر. المشاعر الحادّة لا تختفي بسهولة. لا تُدفن بسهولة. وأنا أعلم ذلك أكثر من أي أحد. ألم أعانِ الأمرّين كي أقتل وأدفن الحب الذي كنت أحمله لروان؟


كان يريد أن يقول شيئًا آخر، لكنني انتهيت. لا أريد أن أسمع شيئًا. لا أريد أن يختلق أكاذيب جميلة. لا أريد أي تغييرات جديدة. أريد فقط أن تعود الأمور كما كانت… عندما كانوا جميعًا يكرهونني ويزدَرونني.


قد يتساءل البعض: لماذا قد أرغب في ذلك؟ أليس هذا ما طالما أردته؟ أن يدركوا خطأهم ويأتوا راكعين طالبين الغفران؟


الحقيقة أنني اعتدت على قسوتهم لدرجة أنني لم أعد أعرف كيف أتعامل مع نسخهم الجديدة هذه. الأمر مربك، لأن جزءًا مني يريد أن يسامح ويترك الماضي خلفه، لكن الجزء الآخر لا يثق في نواياهم.


ربما هو أثر الصدمات المتكرّرة من الرفض مرة بعد أخرى. لم أعد أستطيع أن أثق بمشاعرهم الجديدة نحوي. تبدو كأنها لعبة، لعبة انتظار السقوط التالي.


"لا يا روان"، قاطعته. "أنا ممتنة لأنك أنقذتني، لكن من فضلك ارحل. مكانك إلى جانب إيما، حيث أردت دائمًا أن تكون. إيما هنا، وقد انتظرتَ سنوات لتكون معها. لا تفسد الأمور. ما كان بيننا لم يكن شيئًا، كان خطأً منذ البداية. قضينا تسع سنوات في بؤس، حان الوقت ليجد كلٌّ منا سعادته. أليس كذلك؟ سعادتك كانت دائمًا مع إيما… أما سعادتي، فهي الآن مع أطفالي."


رأيت أنه يريد أن يجادل، بدا ذلك في عينيه الرماديتين اللتين أظلمتا وكأن عاصفة تثور في داخله. تشدّدتُ متوقعة جدالًا، لكنه لم يأتِ.


فوجئت به يتكئ على كرسيه ويزفر بعمق.

"حسنًا، سأتركك وشأنك… مؤقتًا"، قال بصوت أجش قبل أن يقف.


ظننت أنه سيرحل فورًا، لكنه مال نحوي أولًا، وقبّل جبهتي برفق. قبل أن أتمكّن من قول أو فعل أي شيء، خرج وأغلق الباب بهدوء وراءه.


بقيت أحدّق في ظهره، متسائلة: ما الذي حدث للتو؟ لم يكن الأمر أنني لست سعيدة برحيله، بل على العكس، أنا سعيدة. لكن روان اعتاد أن يفعل ما يشاء، ومع ذلك رحل حين طلبتُ، رغم أنه كان واضحًا أنه لم يُرد ذلك.


وبينما أستعيد طاقتي ببطء، عادت كلماته تتردّد في رأسي. بالطبع يصعب عليّ تصديقه. نحن نتحدث عن روان! نفس الرجل الذي قال لي يومًا إنني لن أرقى يومًا لأن أكون مثل إيما أو أي امرأة يحبها.


ما الذي يحدث له؟ تساءلت، لكن لم أجد جوابًا. أي رجل آخر، لكنتُ صدّقتُ إن قال إنه سيتخلى عن إيما من أجلي. لكن روان؟ أبدًا.


كيف يتوقّع مني أن أصدّقه؟ تسع سنوات وهو، ومعه الجميع، يرددون أنني لا شيء. أنني لا أعني له شيئًا. فكيف يتوقّع أن يقلب الأمور فجأة ويتوقّع أنني سأصدّقه؟


كانت لديّ أسئلة كثيرة بلا إجابة. وكلها كانت تدور في رأسي حتى كادت تصيبني بالجنون، فدفعتها جانبًا. ما يجري في عقل روان ليس من شأني. نحن انتهينا. لم يعد من حقي أن أحاول فهمه.


ومن حيث لا أشعر، غلبني الإرهاق وغفوت.


عندما استيقظت، وجدت والديّ في الغرفة معي. كانا يبدوان مرهقين كما كنت. كل واحد منهما كان ممسكًا بيدي، وللحظة شعرت أنني لم أُحب يومًا بهذا الشكل من قبل.


هذا ما كنت أفتقده من روان وعائلة شارب. والآن وقد حصلتُ عليه، انفجرت داخلي مشاعر لا حصر لها.


لا بد أنني أصدرت صوتًا، لأنهما رفعا رأسيهما.


"آفا"، نادتني أمي بصوت مرتجف. "كيف تشعرين يا حبيبتي؟"


امتلأت عيناي بالدموع. رمشتُ لأحبسها، لكن عبثًا.

"أحبكما كثيرًا. شكرًا لأنكما كنتما دائمًا ما حلمت به"، خرج صوتي محمّلًا بالعاطفة حتى كاد يخنقني.


"أوه، صغيرتي. لا تتخيلين كم كنتُ أتشوّق لسماعك تقولين ذلك"، قالت أمي ودموعها تتلألأ.


"ونحن نحبك أيضًا يا ابنتنا الغالية… أكثر مما تتصورين"، أضاف أبي.


تركت دموعي تنهمر بينما أستسلم لدفء حضنهما، محاطة بحبهما.


ما إن افترقنا حتى فُتح الباب ودخلت ممرضة.

"هل أنتِ جاهزة للخروج يا آفا؟" سألتني بابتسامة ودودة.


كنت في غاية السعادة حين أخبروني أن طفلي بخير، وأن الأدوية التي استنشقتها لم تؤثر فيه بأي شكل.


"نعم، أنا متلهفة لرؤية ابني واحتضانه"، أجبتها مبتسمة.


كان روان قد أخبرني أنه مع والديه. خططتُ أن آخذه في طريقي إلى البيت. لم أعد أنوي الابتعاد عنه لحظة واحدة، فقد كنت أعلم أن الأمور كادت تسير بشكل مختلف اليوم، وربما لما كنت هنا حيّة لأراه.


"حسنًا، تعالي إلى الاستقبال عندما تنتهين"، قالت الممرضة قبل أن تغادر.


أحضرت أمي ثيابًا بديلة وساعدتني على تبديلها في الحمام الصغير بينما انتظر أبي خارجًا. بعد أن انتهيت، خرجنا معًا.


أصر والداي على دفع التكاليف. لم يريداني أن أجهد نفسي.


وأثناء انتظاري، لمحت آل شارب، ومعهم غابي وروان. استنشقت نفسًا عميقًا كأنني أستجمع به شجاعتي، ثم تقدّمت ببطء نحوهم. لم أكن واثقة مما أفعل، لكنني كنت أعلم أنني أريد أن أعرف حال إيما.


التفتوا إليّ جميعًا عندما وصلت. شعرت وكأنني عدت إلى أيام الثانوية، الطفلة الخجولة تقترب من طاولة المشاهير.


"أردت فقط أن أسأل عن حال إيما"، قلت وأنا أتنقّل من قدم إلى أخرى.


لم يقل أحد شيئًا في البداية، ثم نهضت كيت فجأة وضمتني بين ذراعيها. تجمّدت. كان الأمر غريبًا لأنها لم تعانقني يومًا، فشعرت بالغرابة.


ذراعاي ظلّتا متصلبتين بجانبي. لم أرد أن أبادلها العناق. لم أرد أن أعطيها فكرة خاطئة.


"إنها بخير. خرجت للتو من الجراحة"، أجاب ترافيس.


اكتفيت بالإيماء. ماذا يمكن أن يقال أصلاً؟


أفلتتني كيت حين أدركت أنني لا أبادلها العناق. نظرت إليّ بعينين دامعتين. رفعت يدها محاولة أن تلمس وجهي، لكنني تراجعت خطوة، متجنّبة لمسها.


"أنا سعيدة لأنك بخير يا آفا. ممتنّة لأن ابنتيّ كلتيهما بأمان"، قالت وصوتها يختنق.


كنت أريد أن أصرخ فيها: لستُ ابنتكِ. لقد فقدتِ الحق في مناداتي كذلك. لكنني لم أُتح الفرصة.


"حبيبتي؟" جاءني صوت أمي الرقيق من ورائي. "حان وقت العودة إلى البيت يا عمري."


رأيت كيت ترتجف عند سماع كلماتها، لكنني لم أبالِ.


جُلت ببصري فيهم جميعًا، ثم استقرّ على روان. سرعان ما صرفتُ عيني عنه.


"أنا سعيدة لأنها بخير. لم تتح لي الفرصة لشكرها، لكن بلّغوها امتناني لما فعلته." لم يكن لديّ ما أضيفه، فاستدرت عائدة إلى والديّ.


شدّني أبي إلى صدره، وأمسكت أمي يدي. شعرت بنظرات تتبعني ونحن نمشي، ولم أحتج أن يقال لي لمن تعود.


غادرتُ وأنا غارقة في دوامة من الأفكار، رافضة أن أستدير. لم أرد أن أرى المشاعر في عيني روان، تلك التي لمحتها لثانية واحدة فقط حين نظرت إليه.


المشاعر التي رفضت الاعتراف بها، لأنني أعلم أنني ربما كنتُ واهمة. لا يمكن أنني رأيت شيئًا يشبه الحب في عينيه وهو يحدّق بي. روان لا يحب سوى امرأة واحدة… واسمها إيما.


تعليقات

إرسال تعليق

شاركنا برأيك في التعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين ندم طليقي (الفصل الأول: وثيقة الطلاق)

ترجّلتُ من سيارتي وسرتُ ببطء نحو القصر. كانت يداي ترتجفان، وجسدي يتصبب عرقًا. ما زلتُ غير مصدقة أن الأمر قد انتهى. أنني أخيرًا تطلّقتُ منه. والدليل على ذلك كان في حقيبتي. جئت اليوم لأسلّمه الأوراق النهائية... ولأصطحب نوح. دخلتُ المنزل، وتتبعتُ أصواتًا هامسة، لكنني توقفتُ فجأة عند اقترابي من المطبخ. في تلك اللحظة، بات بإمكاني سماعها بوضوح، وما سمعته جمّد الدم في عروقي. "لا أفهم لماذا لا يمكنك العيش معي ومع أمي؟" سأل نوح والده بصوت بريء. وضعتُ يدي المرتجفتين على صدري، وقلبي يتألم من نبرة الحزن في صوته. كنتُ مستعدة لفعل أي شيء من أجله، لكن هذا الطلاق كان حتميًّا. زواجنا كان خطأ. كل ما جمعنا كان خطأ. فقط استغرقني وقتٌ لأدرك الحقيقة. "أنت تعرف السبب، نوح... لم نعد معًا، أنا ووالدتك." قالها بصوت خافت. من الغريب حقًا... طوال سنوات زواجنا، لم يحدث أن كلّمني بذلك اللين. كان صوته دائمًا باردًا، خاليًا من أي مشاعر، مسطحًا، جامدًا. "ولكن، لماذا؟" "هذه أمور تحدث أحيانًا..." تمتم بها. أستطيع أن أتخيل تعابير وجهه العابسة، محاولًا شرح الأمر لنوح كي لا يُكثر من ا...

حين ندم طليقي (الفصل الثاني: آسف لخسارتك والدك)

 "يجب أن أذهب... هل يمكنك البقاء مع نوح؟ لا أعلم كم من الوقت سأمكث هناك"، قلتُ بشرود بينما كنت ألتقط حقيبتي. "بالطبع... سأأتي حالما أطلب من والدتي أن تأتي لتبقى معه"، أجاب روان، لكن صوته تلاشى وسط طنين أذنيّ. لم أعد أعي ما يدور حولي بينما ودّعتُ ابني وغادرت. ركبتُ السيارة، وبدأتُ القيادة نحو المستشفى، وذهني غارق تمامًا في الذكريات. لقد نشأتُ في جوّ من الإهمال العاطفي، إن صح التعبير. كنتُ الطفلة التي لم يُبالِ بها أحد من والديّ. كان والدي يفضّل أختي الكبرى، إيما. كان يناديها دائمًا "أميرتي"، و"فتاتي الصغيرة". أما والدتي، فكان ابنها المفضل هو أخي الأكبر، ترافيس. كانت تراه الفتى الوسيم المدلل لديها. وأنا؟ لم أكن مفضّلة لدى أحد. كنت فقط آڤا. دائمًا ما شعرت أنني غير مرغوبة. دخيلة. ليس فقط من قِبل والديّ، بل من إخوتي أيضًا. مهما فعلت—تحصيل دراسي جيد، رياضات، أنشطة مدرسية—كنت دائمًا أقف على الهامش. أنظر من الخارج إلى الداخل، وكأنني أراقب عائلة سعيدة لا أنتمي إليها. وبعد ما حدث قبل تسع سنوات، انقطعت تمامًا العلاقة الهشة التي كانت تربطني بعائلتي. ترافيس ب...

حين ندم طليقي (الفصل الرابع: محطمة كلياً)

 هل شعرت يومًا وكأن قلبك وُضع داخل مفرمة لحم؟ هذا تمامًا ما أشعر به الآن وأنا أنظر إليهما. أشعر وكأن قلبي تمزّق إلى قطع صغيرة. لو كان بإمكاني أن أنزع هذا العضو عديم الفائدة وأرميه بعيدًا، لفعلت. لأن الألم الذي ينهشني الآن لا يمكن تصوره. أردت أن أهرب. أن أُبعد نظري، لكنني لم أستطع. كانت عيناي ملتصقتين بهما، وكلما حاولت أن أُدير وجهي، شعرت وكأنهما التصقتا بهذا المشهد المُفعم بالحب أمامي. أراقبهما وهما ينفصلان عن بعضهما. عينا روان تلينان وهو يحدّق في حبّ حياته. أشاهده وهو يضع كفيه على وجهها، يقربها منه... لا يُقبّلها، فقط يُسند جبهته على جبهتها. يبدو... مسالمًا. وكأنه أخيرًا عاد إلى منزله بعد غيابٍ طويل. وكأن روحه اكتملت أخيرًا. "اشتقتُ إليكِ" قرأتُ الكلمات وهي تتكوّن على شفتيه. لم أرغب في تخيّل ما كان سيحدث بينهما لو التقيا في ظروف مختلفة... لو التقيا ونحن لا نزال متزوجين. هل كان ليخونني معها؟ جزء مني يريد أن يرفض هذا الاحتمال، لكنني لست واثقة. نحن نتحدث عن إيما. روان قد يذهب إلى الجحيم ويعود من أجلهَا. غير قادرة على تحمّل المزيد، وقفتُ واندفعتُ إلى الخارج. ما إن وصلتُ حتى بدأت...