التخطي إلى المحتوى الرئيسي

انتهت اللعبة، لا فرص أخرى (الفصل الثاني)

 هذه المرة، لم تتضمّن رسالة ويندي أي كلمات، بل صورة فقط.


كانت صورة لزاك وهو نائم.


كان مستلقيًا خلف ويندي، ذراعاه ملتفتان حولها، يحتضنها بقربه فيما هو غارق في نوم عميق.

أما هي، فكانت ترتسم على وجهها ابتسامة خجولة متصنّعة البراءة، شفاهها متورّمة، ويكشف ياقة ثوب نومها المفتوح عن آثار قُبَلاتٍ وعضّات خفيفة امتدت على طول عنقها.


لم يكن هناك حاجة للتخمين عمّا حدث في الليلة السابقة.


سيرينا وزاك قضيا خمس سنوات معًا، ومع ذلك لم يتجاوزا يومًا تلك "الخطوة الأخيرة".

في الماضي، حين كان زاك يجد صعوبة في كبح رغباته، كان يضمها إلى صدره ويهمس بصوت أجشّ عميق:

"رينا، ألا يمكنك أن تكبري أسرع قليلًا؟"

لكن مع مرور الوقت، توقّف عن معانقتها بذلك الشكل. وصار يكتفي بملاطفتها قائلاً إن عليهما الانتظار حتى الزواج.


كانت سيرينا تصدّق أنّ السبب هو أنّه يكنّ لها الاحترام. أنّه يحبها.


لكنها أدركت الآن أن الرغبة أيضًا شكل من أشكال الحب.


حدّقت في الصورة والدموع تنهمر من عينيها، شعرت وكأن قطعة من قلبها انتُزعت، تاركة جرحًا عميقًا لن يلتئم أبدًا.


بعد الإفطار، توجّهت إلى الفيلا المجاورة.

عبرت الجسر الزجاجي المعلّق الذي بُني خصيصًا لربط المنزلين، ونظرت إلى الحديقة المنسّقة بعناية أسفلها. كانت الأزهار الملوّنة في أبهى تفتّحها، لكن قلبها لم يشعر إلا بالفراغ.


هذان المنزلان اشتراهما زاك بعد أن أنهيا معًا صفقة كبيرة. أوراق الملكية كُتبت باسمها.

زاك قال لها حينها إن كل ما يملكه ملك لها، فسجّل العقارات باسمها. بل وعيّن مصممًا خاصًا ليُشيّد حديقة مشتركة وجسرًا يصل بين الفيلتين.


قال لها ذات مرة: "لو غضبتِ وأردتِ العودة إلى بيت أهلك، يمكنكِ الانتقال فقط إلى الجهة الأخرى. هكذا، كلما رفعت رأسي، سأراكِ، وسأطمئن."


والآن، ها هي أمام عينيه كل يوم، لكنه لم يعُد يراها بالطريقة ذاتها.


أدخلت الرمز السري ودفعت الباب لتدخل.

لم يكن المنزل مفروشًا للسكن، بل بُني كقاعة عرض.


داخل كل صندوق زجاجي، قطعة بورسلان ثمينة—إرث حياة والدتها "آمبر".


قبل سنوات، رتّبت سيرينا هذه المجموعة بعناية، سلّمت نفسها ومستقبلها لزاك معها. أما الآن، فقد قررت أن تجمعها قطعة قطعة، وتستعيد مستقبلها بيديها.


مررت أصابعها على الزجاج المخصّص لأكبر صندوق عرض. توقّفت أمامه.


هذه القطع لم تكن رقيقة أو جميلة كبقية المقتنيات، بل كانت خشنة وغير متناسقة الشكل.


في كل عام، في ذكرى وفاة "آمبر"، كان زاك يصطحبها إلى ورشة خزف لصنع قطعة بيديها.

كان يقول: "رينا، لا تحزني. فلنصنع شيئًا تحبه والدتك. ستعلم كم تفتقدينها، وستعلم أنك تتحسنين يومًا بعد يوم."


لكن سيرينا لم ترث موهبة والدتها. في بداياتها، لم تكن قادرة حتى على تشكيل قطعة طين واحدة بشكل صحيح.


وقتها، لم يكن زاك الرئيس التنفيذي القوي الذي هو عليه الآن، ولم يكن يملك الثراء لعيش حياة مرفّهة.


لا تزال تذكره وهو يخفض رأسه قليلًا، يهمس للمالك، متوسّلًا أن يسمح لها بالبقاء أطول وقت ممكن، حتى تتمكّن من الغوص في الحرفة وتهدأ نفسها.


مع مرور السنوات، تحسّنت أعمالها الخزفية، لكن صبر زاك وحضوره بدأ يتناقص شيئًا فشيئًا.


فتحت الصندوق، وأمسكت بمرطبان خزفي ملوّن يُعتبر الأجمل بينهم. كان مكتوبًا عليه اسماهما بخط فني، يتوسطهما قلب صغير. بدا طفوليًا.


تذكّرت تلك اللحظة بوضوح: كان زاك يمسك بيدها، يوجّهها لتكتب الحروف. ثم، وقد غلبه التأثر، طبع قبلة خفيفة على أذنها، وصوته العميق يحمل شيئًا من الضحك:

"في نظر والدتك، لقد أصبحنا مرتبطين للأبد. لا يمكنكِ التراجع الآن، مفهوم؟"


ابتسمت سيرينا ابتسامة مريرة. كل ما اعتزّت به يومًا، كل لحظة جميلة، لم يكن سوى نكتة قاسية.


ارتخت قبضتها، وسقط المرطبان على الأرض، ليتناثر إلى شظايا صغيرة.

كما ذكرياتها—تحطمت، وتبعثرت، وتلاشت مع الريح.


بحلول الوقت الذي أنهت فيه تعبئة القطع وإرسالها إلى شاحنات النقل، كان الوقت قد تجاوز الرابعة مساءً.


اتصلت بوكيل العقارات، وقّعت الأوراق اللازمة، أنهت إجراءات البيع، وأوصته بعرض العقار رسميًا ابتداءً من يوم الاثنين المقبل.


وبعد أن رتّبت كل شيء، استقلت سيارة أجرة متجهة إلى مزرعة في الريف.


"هل حقًا سترحلين؟" سألتها بولين بأسف، وهي تتنهد: "كنت أظن أن علاقتك بزاك لا تنفصم. كنت أعتقد أنكما ستظلان معًا إلى الأبد."


لم تُجب سيرينا. أغمضت عينيها واتكأت إلى الخلف في الكرسي الهزّاز. للحظة، خُيّل إليها أنها تسمع صوت جرس دراجة زاك يتردّد من بعيد، وصوته الشاب يعلو:


"رينا، أسرعي! ستتأخرين. جلبت لكِ خبز البيغل وحليب الصويا. هيا!"


انتزعت نفسها بقوة من الذكرى، وفتحت عينيها لتنظر إلى المرأة متوسطة العمر وهي تقطع الفاكهة أمامها.


سألتها بهدوء: "خالتي بولين، حين تركتِ عائلة يانسن لأجل رجل… هل ندمتِ؟"


توقّفت يدا بولين لحظة، ثم تابعت التقطيع وقالت: "أنجبتُ ابني. هذا يكفي."


سيرينا لم تستطع كبح نفسها عن التفكير: هل ندمت بالفعل أم لا؟ ظلّت تنظر إليها، بانتظار جواب لم يأتِ.


قبل سنوات، حاول "هوارد" إجبار بولين على زواج مرتب. لكنها هربت مع رجل، وقطعت كل صلة بالعائلة. عائلة يانسن تبرأت منها، وتصرفت وكأنها لم تكن موجودة.


لكن حين كانت على وشك إنجاب طفلها، ذلك الرجل اختفى.


والآن، ابنها "ديريك وارنر" صار في الجامعة، وهي لا تزال تنتظر الرجل الذي ضحّت لأجله بكل شيء.


سيرينا تساءلت في نفسها: "الحب… ما معناه أصلًا؟"


مسحت بولين يديها، ثم مدّت لتلمس معصم سيرينا برفق.

قالت: "إن كنتِ سترحلين فقط لأن والدك أجبركِ، فلا داعي لذلك."


هزّت سيرينا رأسها: "ليس هذا السبب. زاك لديه امرأة أخرى."


كان صوتها خافتًا، لكنه بقي معلقًا في أجواء الشرفة كصدى طويل.

صمتت بولين. لم يكن لديها ما تقوله.


أسندت سيرينا رأسها إلى الكرسي الهزّاز:

"لن أسمح بإزالة نصب أمي التذكاري من كنيسة إيفرستيد!"


لطالما عرفت أن والدها رجل أناني، لكنها لم تتوقع أن ينحدر إلى هذا المستوى.


وافق على طلب تلك المرأة السخيف—بزعم أنّ سيرينا ابتعدت عن العائلة لسنوات، وأن عائلة يانسن يجب أن تتبرأ منها، تمامًا كما فعلت مع بولين. بل والأدهى، أن والدتها لا تستحق أن يبقى اسمها محفورًا في الكنيسة بعد الآن.


أمر لا يُصدّق.


وقبل أن ترحل، أعطتها بولين كيسًا أصفر صغيرًا.


"طلبتِ مني أن أجلبه لكِ."


فتحت سيرينا الكيس داخل السيارة. وجدت داخله ورقة حمراء كُتب عليها تاريخ محدّد.


كان ذلك التاريخ الذي اتفقت هي وزاك عليه في عامهما الثاني معًا—اليوم الذي تبلغ فيه الثالثة والعشرين، يتزوّجان.


بولين، كونها أقرب عائلة لها في مدينة "يلو بروك"، ذهبت إلى الكنيسة واختارت لها التاريخ. لم تكن تتوقع أن يكون الموعد المصادف هو الاثنين المقبل.


اليوم ذاته الذي خططت فيه لمغادرة "يلو بروك" إلى الأبد.


كم كان الأمر ساخرًا.


حين عادت إلى الفيلا، تناهت إلى مسامعها أنغام كمان هادئة تنبعث من غرفة المعيشة.


وقفت ويندي قرب النافذة الممتدة من الأرض إلى السقف، غارقة في ضوء الشمس الذهبي، كأنها لوحة مرسومة.

زاك جلس على الأريكة، ساقاه الطويلتان متشابكتان، ينصت إليها بكل تركيز.


كان المشهد صورةً من الألفة الحميمية، رجل وعشيقته غارقين في عالمهما الخاص.


دخلت سيرينا بخطوات واثقة، دون تردد.


وما إن لمحتها ويندي حتى توقفت عن العزف، والتفتت مبتسمة برقة متصنّعة.

قالت: "سيرينا، لقد ألّف فينسنت هذه المقطوعة خصيصًا لي. زاك سجّل اسمي في مسابقة دولية، لكنني لست واثقة من نفسي. هل يمكنكِ الاستماع وإعطائي بعض النصائح؟"


حدّقت سيرينا في وجهها الشاحب الرقيق.

في البداية، كانت قد انخدعت ببراءتها المزيّفة.

أعارتها فساتينها، وعلّمتها العزف على الكمان.

أخفت مواهبها، وشجعتها على المشاركة في مسابقات الجامعة، بل وكانت تفرح لنجاحاتها.


لكن في النهاية، لم تكن ويندي تطمح إلى الجوائز فقط—بل إلى زاك أيضًا.


ساد الصمت بينهنّ لحظة، ثم خفضت ويندي رأسها فجأة، بصوت خجول:

"سيرينا، هل أنتِ منزعجة لأنني سأبقى هنا؟"


تجهّمت ملامح سيرينا على الفور، واستدارت نحو زاك بحدة:

"هي ستبقى؟"


تعليقات

إرسال تعليق

شاركنا برأيك في التعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين ندم طليقي (الفصل الأول: وثيقة الطلاق)

ترجّلتُ من سيارتي وسرتُ ببطء نحو القصر. كانت يداي ترتجفان، وجسدي يتصبب عرقًا. ما زلتُ غير مصدقة أن الأمر قد انتهى. أنني أخيرًا تطلّقتُ منه. والدليل على ذلك كان في حقيبتي. جئت اليوم لأسلّمه الأوراق النهائية... ولأصطحب نوح. دخلتُ المنزل، وتتبعتُ أصواتًا هامسة، لكنني توقفتُ فجأة عند اقترابي من المطبخ. في تلك اللحظة، بات بإمكاني سماعها بوضوح، وما سمعته جمّد الدم في عروقي. "لا أفهم لماذا لا يمكنك العيش معي ومع أمي؟" سأل نوح والده بصوت بريء. وضعتُ يدي المرتجفتين على صدري، وقلبي يتألم من نبرة الحزن في صوته. كنتُ مستعدة لفعل أي شيء من أجله، لكن هذا الطلاق كان حتميًّا. زواجنا كان خطأ. كل ما جمعنا كان خطأ. فقط استغرقني وقتٌ لأدرك الحقيقة. "أنت تعرف السبب، نوح... لم نعد معًا، أنا ووالدتك." قالها بصوت خافت. من الغريب حقًا... طوال سنوات زواجنا، لم يحدث أن كلّمني بذلك اللين. كان صوته دائمًا باردًا، خاليًا من أي مشاعر، مسطحًا، جامدًا. "ولكن، لماذا؟" "هذه أمور تحدث أحيانًا..." تمتم بها. أستطيع أن أتخيل تعابير وجهه العابسة، محاولًا شرح الأمر لنوح كي لا يُكثر من ا...

حين ندم طليقي (الفصل الثاني: آسف لخسارتك والدك)

 "يجب أن أذهب... هل يمكنك البقاء مع نوح؟ لا أعلم كم من الوقت سأمكث هناك"، قلتُ بشرود بينما كنت ألتقط حقيبتي. "بالطبع... سأأتي حالما أطلب من والدتي أن تأتي لتبقى معه"، أجاب روان، لكن صوته تلاشى وسط طنين أذنيّ. لم أعد أعي ما يدور حولي بينما ودّعتُ ابني وغادرت. ركبتُ السيارة، وبدأتُ القيادة نحو المستشفى، وذهني غارق تمامًا في الذكريات. لقد نشأتُ في جوّ من الإهمال العاطفي، إن صح التعبير. كنتُ الطفلة التي لم يُبالِ بها أحد من والديّ. كان والدي يفضّل أختي الكبرى، إيما. كان يناديها دائمًا "أميرتي"، و"فتاتي الصغيرة". أما والدتي، فكان ابنها المفضل هو أخي الأكبر، ترافيس. كانت تراه الفتى الوسيم المدلل لديها. وأنا؟ لم أكن مفضّلة لدى أحد. كنت فقط آڤا. دائمًا ما شعرت أنني غير مرغوبة. دخيلة. ليس فقط من قِبل والديّ، بل من إخوتي أيضًا. مهما فعلت—تحصيل دراسي جيد، رياضات، أنشطة مدرسية—كنت دائمًا أقف على الهامش. أنظر من الخارج إلى الداخل، وكأنني أراقب عائلة سعيدة لا أنتمي إليها. وبعد ما حدث قبل تسع سنوات، انقطعت تمامًا العلاقة الهشة التي كانت تربطني بعائلتي. ترافيس ب...

حين ندم طليقي (الفصل الرابع: محطمة كلياً)

 هل شعرت يومًا وكأن قلبك وُضع داخل مفرمة لحم؟ هذا تمامًا ما أشعر به الآن وأنا أنظر إليهما. أشعر وكأن قلبي تمزّق إلى قطع صغيرة. لو كان بإمكاني أن أنزع هذا العضو عديم الفائدة وأرميه بعيدًا، لفعلت. لأن الألم الذي ينهشني الآن لا يمكن تصوره. أردت أن أهرب. أن أُبعد نظري، لكنني لم أستطع. كانت عيناي ملتصقتين بهما، وكلما حاولت أن أُدير وجهي، شعرت وكأنهما التصقتا بهذا المشهد المُفعم بالحب أمامي. أراقبهما وهما ينفصلان عن بعضهما. عينا روان تلينان وهو يحدّق في حبّ حياته. أشاهده وهو يضع كفيه على وجهها، يقربها منه... لا يُقبّلها، فقط يُسند جبهته على جبهتها. يبدو... مسالمًا. وكأنه أخيرًا عاد إلى منزله بعد غيابٍ طويل. وكأن روحه اكتملت أخيرًا. "اشتقتُ إليكِ" قرأتُ الكلمات وهي تتكوّن على شفتيه. لم أرغب في تخيّل ما كان سيحدث بينهما لو التقيا في ظروف مختلفة... لو التقيا ونحن لا نزال متزوجين. هل كان ليخونني معها؟ جزء مني يريد أن يرفض هذا الاحتمال، لكنني لست واثقة. نحن نتحدث عن إيما. روان قد يذهب إلى الجحيم ويعود من أجلهَا. غير قادرة على تحمّل المزيد، وقفتُ واندفعتُ إلى الخارج. ما إن وصلتُ حتى بدأت...