التخطي إلى المحتوى الرئيسي

انتهت اللعبة، لا فرص أخرى (الفصل الثالث)

 ومضة تردّد لمعت في عيني زاك.


قال بصوت متردّد:

"رينا… شقة ويندي تحت الترميم. الأبخرة قوية جدًا وتضر بصحتها، لذلك…"


شعرت سيرينا بانقباض في صدرها. كانت قد أقنعت نفسها أنها لم تعد تكترث، ومع ذلك اجتاحها ألم خانق امتد في جسدها كله.


قالت بحدة:

"ألا تستطيع استئجار فندق؟"


احمرّت عينا ويندي وهي تلمّ أغراض كمانها:

"أرجوكما، لا تتشاجرا بسببي. سأرحل فورًا."


مدّت يدها بسرعة نحو حقيبتها، لكنها في عجلة من أمرها اصطدمت بطرف الطاولة. خرج منها أنين خافت وهي تمسك صدرها، صوتها المرتجف خليط بين الألم والضعف.


قال زاك بقلق وهو يهرع إليها ويرفعها بين ذراعيه:

"هل أنتِ بخير؟ لماذا أنتِ مهملة هكذا؟ أين يؤلمك؟ هل أحضرتِ دواءك؟"


واتجه بها صاعدًا إلى الطابق العلوي.


لم يكن في الأعلى سوى غرفتين: غرفته وغرفة سيرينا.


اعترضت سيرينا طريقه:

"هذا بيتي. لا أوافق!"


سرت في الجو توتّرات خانقة.


اسودّ وجه زاك وهو يقول ببرود:

"سيرينا، ويندي مريضة الآن. إن أردتِ أن تفتعلي مشهدًا، فاختاري وقتًا آخر. ولأذكّرك فقط: أنا من اشترى هذه الفيلا. ضعي ذلك جيدًا في بالك."


أشرق بريق الرضا في عيني ويندي، فطوّقت عنقه بذراعيها الواهنتين، حتى كادت شفتاها تلامسان فكّه.


قالت بصوت متهدّج متصنّع:

"زاك، أنزلني. فتاة مثلي… كيف أستحق البقاء هنا؟"


فاستعر فيه غريزة الحماية أكثر، فدفع سيرينا جانبًا، وحمل ويندي إلى الأعلى.


قال بجفاء وهو يختفي من أمامها:

"أنا من يقرر من يحق له البقاء هنا."


تعثّرت سيرينا إلى الوراء وارتطم ساقها بدرابزين السلم، فانطلق الألم حادًا منها حتى شحب وجهها. بينما كان زاك يربّت على ويندي ويواسيها، لم يلقِ عليها ولو نظرة واحدة.


وبعد أن تأكد من أن ويندي استقرت في غرفته، نزل إلى الطابق السفلي فلم يجد لسيرينا أثرًا. حاول الاتصال بها لكنها لم تجب.


لم يشغل باله كثيرًا. فبالنسبة له، في مدينة "يلو بروك" لم يكن أمامها سوى مكانين: هنا أو منزل بولين في الريف. قد تغضب، لكنها ستعود دائمًا.


وهو يهمّ بالصعود ثانية، وقع بصره على شيء في الزاوية: كيس حرزي أصفر صغير.


تذكر فجأة حديث سيرينا عن اختيار تاريخ للزواج قبل عيد ميلادها. التقط الكيس وأخرج منه قصاصة حمراء كُتب عليها تاريخ: الاثنين القادم.


تناول هاتفه واتصل بمساعده، وأمره بإخلاء جدوله في ذلك الصباح.


وما إن أنهى المكالمة حتى بدأت الإشعارات تتوالى من بطاقة سيرينا الائتمانية الثانوية: مجوهرات، ملابس، حقائب مصمّمين…


فتح "واتس" وأرسل لها رسالة:

"حدّ أقصى عشرة ملايين. اصرفيها كلها وعودي للبيت. ممنوع المبيت خارجه."


كان في كلماته دلال مبالغ فيه، ممزوج بعجز و"دلال" اعتاد أن يمنحه لها.


في تلك اللحظة، كانت سيرينا توقع إيصال شراء جديد حين وصلتها رسالته. ازداد فراغ قلبها أكثر من أي وقت مضى.


لقد تحكم زاك في حياتها منذ كانت في العاشرة. كلمة واحدة منه، وكانت دومًا تطيع.


لكن الآن، الرجل الذي وعدها يومًا أن يبقى بجانبها إلى الأبد، كان في الغرفة التي خططا أن يقضيا فيها ليلة زفافهما—يحتضن امرأة أخرى.


قهقهت بسخرية:

"ممنوع المبيت خارجه؟"

لم تكن تنوي العودة أصلًا.


وبعد أن فقدت رغبتها في التسوّق، حملت أكياسها واتجهت مباشرة إلى أفخم فندق سبع نجوم في "يلو بروك". استأجرت الجناح الملكي وطلبت أغلى زجاجة مشروب وأفخر شريحة لحم لديهم.


وبعد حمام طويل مريح، وقفت أمام النوافذ الزجاجية الشاهقة، ممسكة كأس العصير، تحدّق في أفق المدينة المتلألئ. لطالما اعتقدت أنها لن تغادر هذا المكان أبدًا. لكن الحياة لها خطط أخرى.


وبينما كانت تنهي كأس عصيرها الثاني، التقطت هاتفها وأرسلت رسالة:

"غدًا الساعة 10 صباحًا. مقهى إيست سايد. أحضر المال وسأوقع."


جاء الرد سريعًا:

"اتفقنا!"


شركة "زارينا جروب" كانت ثمرة بنائها مع زاك معًا. وعندما تأسست، منحها 10% من الأسهم. مثل الفيلا، كان ذلك رابطًا أبديًا بينهما.


في ذلك الوقت، كانت في غاية السعادة، متأثرة بتفانيه. وربطت حساب الأرباح بميزانية الشركة لتخفف العبء عنه. وعلى مدى السنين، لم تأخذ فلسًا واحدًا، بل أعادت استثمار كل شيء.


أما الآن وقد قررت الرحيل، فلتقطع كل الروابط—نهائيًا!


قبل أن تنام، وصلتها رسالة أخرى من زاك عبر "واتس":

"مددت إقامتك في الفندق حتى الاثنين القادم. رينا، لا تظلي غاضبة. سأصطحبك في ذلك الصباح ونذهب سويًا إلى المحكمة."


فتّشت في حقيبتها فلم تجد الكيس الحرزي.


حدّقت في رسالته طويلًا.


زاك الذي حمل ويندي بنفسه إلى السرير الذي كان يفترض أن يكون فراش زواجهما، يمدد لها إقامتها في الفندق وكأن الأمر عادي. والآن، يتحدث باستخفاف عن تسجيل الزواج، وكأن شيئًا لم يحدث.


ياللسخرية! كيف يمكنه أن يتوهم أنها ما زالت ستتزوج به بعد كل هذا؟


في الساعة 11:30 ليلًا، استيقظت سيرينا على ألم حارق.


لهيب لاذع اجتاح معدتها، وكأن النار تأكل أحشائها.


تذكرت تلك الأيام حين كان زاك يؤسس عمله. كانت تتنقل من مأدبة عمل إلى أخرى، تكافح لتأمين الصفقات وجذب المستثمرين، وكل همّها أن تساعده ليثبت نفسه أمام عائلة فوستر.


الإفراط في المشروبات الغازية أودى بها إلى المستشفى بثقب في المعدة. احتاجت ستة أشهر كاملة لتتعافى. وبعدها، حرّم عليها زاك التدخل في الشركة، مصرًا أن تبقى بعيدة لتكون زوجته المستقبلية.


الألم غيّب أفكارها. جلست وأخرجت درج الطاولة لتبحث عن دوائها، لكنه كان فارغًا.


ثم تذكرت—هذا ليس بيتهما. إنه فندق. دواؤها لم يكن هنا.


اندفع الألم موجة جديدة عنيفة جعلتها تنكمش على نفسها، والعرق يتصبب من جبينها.


ظنت أنها ستتحمله حتى يزول، لكن بعد عشر دقائق ازداد سوءًا.


لم تعد تستطيع الانتظار. ارتجفت يداها وهي تلتقط الهاتف وكادت تطلب الإسعاف.


عندها، جاء اتصال من زاك.


الإنسان أضعف ما يكون حين ينهكه الوجع. لمّا رأت اسمه على الشاشة، غص حلقها، وانهارت صلابتها في لحظة. أجابت بصعوبة، بالكاد قادرة على رفع الهاتف لأذنها.


لكن قبل أن تنطق، جاء صوته غاضبًا مكبوتًا:

"سيرينا، هل تكرهين ويندي لهذه الدرجة؟ إنها أعز صديقاتك."


تجمد عقلها، وضغطت بيدها على بطنها، أسنانها تصطك من الألم:

"ماذا جرى لها؟" قالت بصوت خافت، بالكاد مسموع. أي شخص منتبه كان سيدرك أنها ليست بخير.


لكن زاك لم يدرك. بل زاد غضبه بسبب نبرتها الباردة:

"كيف تجرؤين حتى على السؤال؟ متى أصبحتِ هكذا؟ كنت تعلمين أنها مصابة بالربو، ومع ذلك رششْتِ المعقم في كل أرجاء البيت ووضعتِ شموعًا معطّرة في الحمام. هل تدركين أنها كادت تختنق؟"


عضّت سيرينا شفتها حتى نزف الدم، وارتسمت على وجهها ابتسامة مرة ساخرة.


المعقم—كانت تستخدمه لمحو أي أثر لها.


الشموع—كانت لأجل زاك. فقد عانى من الأرق، وبحثت طويلًا حتى وجدت له تركيبة خاصة تساعده على النوم.


قالت بصوت متهدج:

"زاك، أنا لا أقرأ المستقبل. لم أكن أعلم أنك ستسمح لويندي بالبقاء."


ساد صمت، لكن أنفاسه الغاضبة كانت دليلاً على احتقانه.


اندفع الألم مرة أخرى، فلم تعد قادرة على كتم أنينها. سقط الهاتف من يدها المرتجفة.


سألها بحدة:

"ما بك؟"


تمتمت بتوسل:

"زاك… معدتي تؤلمني. هل يمكنك أن—"


لكن قبل أن تُكمل، قاطعها صوته المرهق النافد الصبر.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين ندم طليقي (الفصل الأول: وثيقة الطلاق)

ترجّلتُ من سيارتي وسرتُ ببطء نحو القصر. كانت يداي ترتجفان، وجسدي يتصبب عرقًا. ما زلتُ غير مصدقة أن الأمر قد انتهى. أنني أخيرًا تطلّقتُ منه. والدليل على ذلك كان في حقيبتي. جئت اليوم لأسلّمه الأوراق النهائية... ولأصطحب نوح. دخلتُ المنزل، وتتبعتُ أصواتًا هامسة، لكنني توقفتُ فجأة عند اقترابي من المطبخ. في تلك اللحظة، بات بإمكاني سماعها بوضوح، وما سمعته جمّد الدم في عروقي. "لا أفهم لماذا لا يمكنك العيش معي ومع أمي؟" سأل نوح والده بصوت بريء. وضعتُ يدي المرتجفتين على صدري، وقلبي يتألم من نبرة الحزن في صوته. كنتُ مستعدة لفعل أي شيء من أجله، لكن هذا الطلاق كان حتميًّا. زواجنا كان خطأ. كل ما جمعنا كان خطأ. فقط استغرقني وقتٌ لأدرك الحقيقة. "أنت تعرف السبب، نوح... لم نعد معًا، أنا ووالدتك." قالها بصوت خافت. من الغريب حقًا... طوال سنوات زواجنا، لم يحدث أن كلّمني بذلك اللين. كان صوته دائمًا باردًا، خاليًا من أي مشاعر، مسطحًا، جامدًا. "ولكن، لماذا؟" "هذه أمور تحدث أحيانًا..." تمتم بها. أستطيع أن أتخيل تعابير وجهه العابسة، محاولًا شرح الأمر لنوح كي لا يُكثر من ا...

حين ندم طليقي (الفصل الثاني: آسف لخسارتك والدك)

 "يجب أن أذهب... هل يمكنك البقاء مع نوح؟ لا أعلم كم من الوقت سأمكث هناك"، قلتُ بشرود بينما كنت ألتقط حقيبتي. "بالطبع... سأأتي حالما أطلب من والدتي أن تأتي لتبقى معه"، أجاب روان، لكن صوته تلاشى وسط طنين أذنيّ. لم أعد أعي ما يدور حولي بينما ودّعتُ ابني وغادرت. ركبتُ السيارة، وبدأتُ القيادة نحو المستشفى، وذهني غارق تمامًا في الذكريات. لقد نشأتُ في جوّ من الإهمال العاطفي، إن صح التعبير. كنتُ الطفلة التي لم يُبالِ بها أحد من والديّ. كان والدي يفضّل أختي الكبرى، إيما. كان يناديها دائمًا "أميرتي"، و"فتاتي الصغيرة". أما والدتي، فكان ابنها المفضل هو أخي الأكبر، ترافيس. كانت تراه الفتى الوسيم المدلل لديها. وأنا؟ لم أكن مفضّلة لدى أحد. كنت فقط آڤا. دائمًا ما شعرت أنني غير مرغوبة. دخيلة. ليس فقط من قِبل والديّ، بل من إخوتي أيضًا. مهما فعلت—تحصيل دراسي جيد، رياضات، أنشطة مدرسية—كنت دائمًا أقف على الهامش. أنظر من الخارج إلى الداخل، وكأنني أراقب عائلة سعيدة لا أنتمي إليها. وبعد ما حدث قبل تسع سنوات، انقطعت تمامًا العلاقة الهشة التي كانت تربطني بعائلتي. ترافيس ب...

حين ندم طليقي (الفصل الرابع: محطمة كلياً)

 هل شعرت يومًا وكأن قلبك وُضع داخل مفرمة لحم؟ هذا تمامًا ما أشعر به الآن وأنا أنظر إليهما. أشعر وكأن قلبي تمزّق إلى قطع صغيرة. لو كان بإمكاني أن أنزع هذا العضو عديم الفائدة وأرميه بعيدًا، لفعلت. لأن الألم الذي ينهشني الآن لا يمكن تصوره. أردت أن أهرب. أن أُبعد نظري، لكنني لم أستطع. كانت عيناي ملتصقتين بهما، وكلما حاولت أن أُدير وجهي، شعرت وكأنهما التصقتا بهذا المشهد المُفعم بالحب أمامي. أراقبهما وهما ينفصلان عن بعضهما. عينا روان تلينان وهو يحدّق في حبّ حياته. أشاهده وهو يضع كفيه على وجهها، يقربها منه... لا يُقبّلها، فقط يُسند جبهته على جبهتها. يبدو... مسالمًا. وكأنه أخيرًا عاد إلى منزله بعد غيابٍ طويل. وكأن روحه اكتملت أخيرًا. "اشتقتُ إليكِ" قرأتُ الكلمات وهي تتكوّن على شفتيه. لم أرغب في تخيّل ما كان سيحدث بينهما لو التقيا في ظروف مختلفة... لو التقيا ونحن لا نزال متزوجين. هل كان ليخونني معها؟ جزء مني يريد أن يرفض هذا الاحتمال، لكنني لست واثقة. نحن نتحدث عن إيما. روان قد يذهب إلى الجحيم ويعود من أجلهَا. غير قادرة على تحمّل المزيد، وقفتُ واندفعتُ إلى الخارج. ما إن وصلتُ حتى بدأت...