التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حين ندم طليقي (الفصل الثالث والثمانون: الإنقاذ)

 

صرخة إيما المدوية وهي تتألم اخترقتني، أيقظتني من صدمتي في اللحظة التي رأيت فيها الرجل يرفع مسدسه.


اندفعت بجنون لألتقط السلاح الذي كنت قد أسقطته، وضغطت على الزناد فوراً. سقط على الأرض بلا حراك. لم أكلّف نفسي عناء النظر إن كان لا يزال حياً أم ميتاً، لم يكن ذلك يهمّ في تلك اللحظة. الأدرينالين يشتعل في عروقي، وإيما تنزف أمامي.


– "أنا أموت، أليس كذلك؟" قالت بعينين تلمعان بالدموع.


كان يمكنني أن أسخر منها، أن أقول لها إنها تبالغ، لكنني لم أفعل. ليس وهي التي دفعتني بعيداً وتلقت الرصاصة بدلاً مني.


– "لا، لن تموتي" أجبتها وأنا أفحص إصابتها.


الرصاصة اخترقت كتفها، والدم ينزف بغزارة. الخوف يعصرني. قد تموت نزيفاً هنا، والأسوأ أننا لا نزال وسط الخطر، وفي أي لحظة قد يعثرون علينا.


صرخت وهي تتلوى حين ضغطت على الجرح:

– "أنت تكذبين! إن لم أكن أموت، فلماذا أشعر أنني كذلك؟"


لم أرد. ركزت على محاولة وقف النزيف. بحكم عملي كمعلمة كان لزاماً عليَّ أن أعرف أساسيات الإسعاف الأولي. الرصاصة لا تزال مستقرة داخل جسدها، لم أجرؤ على إخراجها دون معرفة حجم الضرر. لذلك مزقت طرف فستاني وربطته بقوة على كتفها.


– "تباً! كان يجب أن أبقى في تلك الغرفة اللعينة" تمتمت وهي تحدق بي بعينين يفضحان الألم الذي تحاول إخفاءه.


– "انهضي، علينا أن نواصل التحرك" قلت وأنا أساعدها على الوقوف.


اللعنة… رووان سيقتلني. لم أجرها فقط إلى خطة هروب ميؤوس منها، بل جعلتها تتعرض لإصابة خطيرة. حين نخرج من هنا، كيف سأواجهه؟! ربما سيقول الآخرون إنها اختارت أن تأخذ الرصاصة عني، لكن رووان لن يراها هكذا أبداً. هو سيرى إيما تنزف، ويلقي باللوم كله عليّ.


أسندتها إلى كتفي وسرنا. ثقل جسدها يتكئ عليّ، وكانت خطواتها تتباطأ أكثر فأكثر.


لا أعرف كم مشينا، دقائق أم ساعة؟ بدا الأمر وكأنه دهر كامل. ساقاي ترتجفان من الإرهاق، ذراعاي تؤلمان، ورأسي يكاد ينفجر. إيما تكاد تسقط أرضاً من شدة النزيف وفقدان القوة.


– "علينا أن نستريح" قلت لاهثة.


– "نعم… فكرة جيدة" تمتمت بصوت متقطع، وكادت أن توقعنا أرضاً وهي تميل للأمام.


بحثت عن مكان آمن وخفي، ثم أجلستها برفق وأسندت ظهري إلى سيارة قديمة صدئة.


كان المكان أشبه بالمتاهة. منذ لحظة خروجنا من الغرفة ونحن ندور في دوائر. التعب والجوع ينهشاني. لم أعد أهتم إن وجدونا أو لا، كل ما أردته الآن مسكن ألم، بعض الطعام، ونوم.


– "إيما، لست واثقة أننا نستطيع الهرب" همست لها، لكن لم يأتِ رد.


التفتُّ إليها، عيناها مغمضتان، وفمها نصف مفتوح.

– "إيما؟" ناديتها، ولا جواب.


الخوف انفجر بداخلي. هززتها بقوة، فتدلت بجسدها الهزيل. أمسكتها بسرعة وأرقدتها على حجري. همست باسمها مرة أخرى، لكنها لا تستجيب.


بأيدٍ مرتجفة وضعت أصابعي على معصمها أبحث عن نبض. كدت أنهار حين شعرت به ضعيفاً، لكنه موجود. شهقت بارتياح، الدموع ملأت عيني. لو لم أجد نبضها، لم أكن لأتحمل.


انهرت باكية. سئمت. لماذا يحدث لي كل هذا؟! لم أرد شيئاً سوى السلام، ولم أصل إليه يوماً. أكره هذا الوضع، أكره كل ما يحدث.


أبقيت إصبعي على نبضها، أطمئن أن قلبها لا يزال ينبض. قد لا نقترب يوماً كأختين، لكن هذا لا يعني أنني أريد لها الموت.


فجأة دوّى صوت أجش خلفي:

– "هل سئمتِ الركض؟ أم أن صديقتك قد ماتت بالفعل؟"


تجمد الدم في عروقي. رأيت الشر في عينيه وهو يرفع سلاحه نحوي.


كم تمنيت قبل قليل ألا يهمني إن وجدونا… الآن أريد أن أبتلع كلامي. لم أكن مستعدة للموت.


– "أرجوك…" همست وأنا أراه يزيل أمان المسدس.


ابتسم بخبث:

– "الرئيس لا يريدك ميتة، هذا صحيح… لكن هذا لا يمنعني من أن ألقنك درساً على ما سببتِ لنا من متاعب."


نظرت في عينيه، ورأيت الشر متجسداً. لم يختر هذا العمل لحاجة أو مال، بل لأنه ببساطة يستمتع بالأذى.


أغمضت عيني، مستسلمة. لا مهرب.


لكن… دوى إطلاق نار، ولم أشعر بأي ألم. فتحت عيني بارتباك. أمامي، واقفاً كالملاك المنتقم، كان رووان. أما ذلك الحقير فقد كان على الأرض، برصاصة تخترق جمجمته.


– "رووان…" همست بارتياح، لكنه سرعان ما تلاشى حين التقت عيناه بعيني، قبل أن تتحول إلى إيما الممددة فاقدة الوعي.


اللعنة… كنت قد نسيت أمرها.


لا أعلم أيهما أسوأ قدراً: مواجهة روني… أم مواجهة رووان الغاضب.


– "نحتاج إلى إسعاف فوري، لقد أُصيبت برصاصة وهي تنزف. فقدت وعيها منذ دقائق" قلت بصوت مرتجف بالكاد يُسمع.


لم يرد. وجهه كان صلباً كالصخر، وذلك أخافني أكثر من أي شيء آخر. كنت واثقة من أمر واحد: حين تستعيد إيما وعيها وتخبره أنها أخذت الرصاصة بدلاً مني… سيكون انتقامه قاسياً.


تعليقات

إرسال تعليق

شاركنا برأيك في التعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين ندم طليقي (الفصل الأول: وثيقة الطلاق)

ترجّلتُ من سيارتي وسرتُ ببطء نحو القصر. كانت يداي ترتجفان، وجسدي يتصبب عرقًا. ما زلتُ غير مصدقة أن الأمر قد انتهى. أنني أخيرًا تطلّقتُ منه. والدليل على ذلك كان في حقيبتي. جئت اليوم لأسلّمه الأوراق النهائية... ولأصطحب نوح. دخلتُ المنزل، وتتبعتُ أصواتًا هامسة، لكنني توقفتُ فجأة عند اقترابي من المطبخ. في تلك اللحظة، بات بإمكاني سماعها بوضوح، وما سمعته جمّد الدم في عروقي. "لا أفهم لماذا لا يمكنك العيش معي ومع أمي؟" سأل نوح والده بصوت بريء. وضعتُ يدي المرتجفتين على صدري، وقلبي يتألم من نبرة الحزن في صوته. كنتُ مستعدة لفعل أي شيء من أجله، لكن هذا الطلاق كان حتميًّا. زواجنا كان خطأ. كل ما جمعنا كان خطأ. فقط استغرقني وقتٌ لأدرك الحقيقة. "أنت تعرف السبب، نوح... لم نعد معًا، أنا ووالدتك." قالها بصوت خافت. من الغريب حقًا... طوال سنوات زواجنا، لم يحدث أن كلّمني بذلك اللين. كان صوته دائمًا باردًا، خاليًا من أي مشاعر، مسطحًا، جامدًا. "ولكن، لماذا؟" "هذه أمور تحدث أحيانًا..." تمتم بها. أستطيع أن أتخيل تعابير وجهه العابسة، محاولًا شرح الأمر لنوح كي لا يُكثر من ا...

حين ندم طليقي (الفصل الثاني: آسف لخسارتك والدك)

 "يجب أن أذهب... هل يمكنك البقاء مع نوح؟ لا أعلم كم من الوقت سأمكث هناك"، قلتُ بشرود بينما كنت ألتقط حقيبتي. "بالطبع... سأأتي حالما أطلب من والدتي أن تأتي لتبقى معه"، أجاب روان، لكن صوته تلاشى وسط طنين أذنيّ. لم أعد أعي ما يدور حولي بينما ودّعتُ ابني وغادرت. ركبتُ السيارة، وبدأتُ القيادة نحو المستشفى، وذهني غارق تمامًا في الذكريات. لقد نشأتُ في جوّ من الإهمال العاطفي، إن صح التعبير. كنتُ الطفلة التي لم يُبالِ بها أحد من والديّ. كان والدي يفضّل أختي الكبرى، إيما. كان يناديها دائمًا "أميرتي"، و"فتاتي الصغيرة". أما والدتي، فكان ابنها المفضل هو أخي الأكبر، ترافيس. كانت تراه الفتى الوسيم المدلل لديها. وأنا؟ لم أكن مفضّلة لدى أحد. كنت فقط آڤا. دائمًا ما شعرت أنني غير مرغوبة. دخيلة. ليس فقط من قِبل والديّ، بل من إخوتي أيضًا. مهما فعلت—تحصيل دراسي جيد، رياضات، أنشطة مدرسية—كنت دائمًا أقف على الهامش. أنظر من الخارج إلى الداخل، وكأنني أراقب عائلة سعيدة لا أنتمي إليها. وبعد ما حدث قبل تسع سنوات، انقطعت تمامًا العلاقة الهشة التي كانت تربطني بعائلتي. ترافيس ب...

حين ندم طليقي (الفصل الرابع: محطمة كلياً)

 هل شعرت يومًا وكأن قلبك وُضع داخل مفرمة لحم؟ هذا تمامًا ما أشعر به الآن وأنا أنظر إليهما. أشعر وكأن قلبي تمزّق إلى قطع صغيرة. لو كان بإمكاني أن أنزع هذا العضو عديم الفائدة وأرميه بعيدًا، لفعلت. لأن الألم الذي ينهشني الآن لا يمكن تصوره. أردت أن أهرب. أن أُبعد نظري، لكنني لم أستطع. كانت عيناي ملتصقتين بهما، وكلما حاولت أن أُدير وجهي، شعرت وكأنهما التصقتا بهذا المشهد المُفعم بالحب أمامي. أراقبهما وهما ينفصلان عن بعضهما. عينا روان تلينان وهو يحدّق في حبّ حياته. أشاهده وهو يضع كفيه على وجهها، يقربها منه... لا يُقبّلها، فقط يُسند جبهته على جبهتها. يبدو... مسالمًا. وكأنه أخيرًا عاد إلى منزله بعد غيابٍ طويل. وكأن روحه اكتملت أخيرًا. "اشتقتُ إليكِ" قرأتُ الكلمات وهي تتكوّن على شفتيه. لم أرغب في تخيّل ما كان سيحدث بينهما لو التقيا في ظروف مختلفة... لو التقيا ونحن لا نزال متزوجين. هل كان ليخونني معها؟ جزء مني يريد أن يرفض هذا الاحتمال، لكنني لست واثقة. نحن نتحدث عن إيما. روان قد يذهب إلى الجحيم ويعود من أجلهَا. غير قادرة على تحمّل المزيد، وقفتُ واندفعتُ إلى الخارج. ما إن وصلتُ حتى بدأت...