التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حين ندم طليقي (الفصل التاسع والثمانون والتسعون: إدراكات متأخرة)

 


روان


أحدّق في الباب متسائلاً ما الذي أفعله هنا بحق الإله. كان عليّ أن أترك آفا وشأنها، أن أمنحها مساحتها، لكن تبا… لا أستطيع الابتعاد عنها. شيء ما يجذبني إليها بطريقة لا أستطيع تفسيرها.


طرقت الباب، وأنا أترقّب بغير صبر أن يُفتح. وبعد دقيقة، انفتح الباب ليكشف عن نوح.


ـ "أبي!" ـ ارتمى عليّ فوراً، فأمسكته بين ذراعي. "ظننت أنّ عليّ أن أنتظر حتى السبت كي أراك."


ضممته بقوة إليّ، وشعرت بالراحة والذوبان في اللحظة ذاتها. ـ "مرحباً يا بطل."


تساءلت في داخلي: كيف كرهت آفا يوماً؟ لقد منحتني أعظم هدية حين أنجبت نوح. كان ينبغي أن أقدّرها آنذاك بدلاً من أن أعاقبها. تلك الليلة التي ظننتها أسوأ ليلة في حياتي، كانت السبب في أعظم نعمة نلتها.


لم أرَ ذلك آنذاك، لأن رأسي كان عالقاً في غطرستي، حتى عميت عن الحقيقة. لكن الآن عيني مفتوحتان تماماً. أرى الأمر بوضوح فاضح. كانت آفا محقّة. لطالما ندمت على تلك الليلة، من دون أن أُدرك أنه لولاها لما كان نوح، وأنا لا ولن أندم يوماً على ابني.


قال لي نوح:

ـ "ادخل. أمي في الحمّام، قالت إنها تحتاج إلى نقع عظامها المرهقة." ثم تابع وهو يأكل: "أنا أتناول عشائي، وهناك ما يكفي لك أيضاً إن لم تكن قد أكلت بعد."


قادني إلى المطبخ، جلس على الكرسي العالي، وعاد إلى طبقه بعد أن أشار إلى الطعام. لم أتردّد، ملأت طبقي وأخذت ألتهم.


حين كنا متزوجين، لم أقدّر هذه التفاصيل الصغيرة. كنت أعتبرها أمراً مفروغاً منه. وأعترف الآن أنني افتقدت طعامها.


قال نوح فجأة:

ـ "أتعرف يا أبي… أمي حقاً صيد ثمين."


التفت إليه، وأنا أرفع حاجباً:

ـ "نعم."


ـ "كثير من الرجال الوسيمين يريدونها… قبل أيام فقط، جاء رجل لزيارتها. وأتساءل من سيتزوجها منهم." قالها ببساطة، لكنني لمحته يخفي ابتسامة ماكرة.


ـ "أي رجل؟"


حاولت أن أكتم غيرتي، لكن الأمر كان صعباً. الرغبة في أن أصرخ بأن آفا تخصني وحدي كادت تخرج عن السيطرة.


ـ "لا أذكر اسمه، لكن أمي قالت إنه صديق جديد. بدا مخيفاً، لكنني أحببته… لا أدري الآن من الأفضل لأمي، هو أم العم كالفن. لكن الرجل كان لديه وشوم، بخلاف العم كالفن، وأنا أعلم أن النساء يعشقن الوشوم والعضلات."


حدّقت به بغضب، لكنه اكتفى بالضحك.


اللعنة. أعلم أنه كان يحاول استفزاز غيرتي، وكان عليّ أن أتجاهل… لكنني لم أستطع. 


ـ "نوح، من عند الباب؟" جاء صوتها من الغرفة الأخرى، فقطع حديثي معه.


دخلت المطبخ مرتدية روباً، شعرها مبلل ووجهها خالٍ من المساحيق. بدت فاتنة إلى حد يعجز لساني عن وصفه. الروب كشف أكثر مما ستر، وكل ما أردته حينها هو أن أنزعه عنها.


ـ "روان؟ ماذا تفعل هنا؟" سألت ببرود، وملامحها تحولت إلى قناع لا مبالاة.


كرهت ذلك أيضاً. كانت في الماضي كتاباً مفتوحاً، أما الآن فلا أكاد أقرأ مشاعرها أو أفكارها.


ـ "روان؟" أعادت مناداتي.


لم أعرف ماذا أقول. كيف أصرّح أنني افتقدتها؟ أنني جئت فقط لأراها؟


قال نوح فجأة:

ـ "سأذهب. لا تنسَ أن تخبرني حين تغادر يا أبي."


لم ينتظر ردّنا، بل غادر مسرعاً، تاركاً إيانا وحدنا.


قلت بحدّة:

ـ "من الرجل الذي كان نوح يتحدث عنه؟" اقتربت منها.


ـ "أي رجل؟" تراجعت بخطوات إلى الوراء، لكن لم يكن أمامها مفر.


ـ "أحد خطّابك الكثيرين." كان صوتي قاسياً، الغيرة تنخر في صدري. أردتها أن تكون لي وحدي.


ردّت باستهزاء:

ـ "لا أعلم عمّ تتحدث، ولا عمّ يتحدث نوح. هل يمكنك أن ترحل؟ لقد تأخر الوقت ولا ينبغي أن تكون هنا."


زجرتها:

ـ "ولماذا؟ كي تستقبلي أحد الرجال الذين يطمعون في الزواج بك كما قال نوح؟"


كنت أستفزّها عن قصد. لم أهتم. الغيرة أعمَتني.


همست بعصبية:

ـ "ما خطبك؟ أنا لا أستقبل أي رجل."


اقتربت منها أكثر. وضعت يدي حول خصرها، وجذبتها إليّ. أحسست بكل تفصيل في جسدها، بطنها، صدرها الملتحم بصدري. شعرت بالرغبة تتملكني. لكن ما شعرت به لم يكن مجرد شهوة، كان شيئاً أقوى بكثير.


صرخت:

ـ "تبا، أبعد يديك عني!"


لكنني لم أفعل. بل ضغطت عليها أكثر، حريصاً ألا أؤذي بطنها المنتفخ. حاولت دفع صدري عنها، لكنني كنت صلباً كالصخر. لم تستطع إزاحتي. ولم أستطع أنا أن أتركها. كانت مثالية بين ذراعي، وكنت مستعداً للبقاء هكذا للأبد.


قلت بإصرار:

ـ "مستحيل يا آفا. لماذا أفعل ذلك وهذا هو المكان الوحيد الذي أريدك فيه؟ أنتِ ملكي."


صرخت بوجهي:

ـ "ما الذي تهذي به؟ لست ملكك، لم أكن يوماً لك! والآن ابتعد قبل أن يرانا نوح ويظن أننا عدنا لبعضنا."


تمتمت بعناد:

ـ "نوح سيكون سعيداً. أما عنكِ، فستبقين لي. ولن أسمح لكِ بأن تعرضي نفسك على رجال آخرين وأنتِ تخصينني."


ارتعشت عيناها، والنار تشتعل فيهما. لم ألمح يدها، حتى باغتتني بلكمة جعلتني أُفلتها من شدّة المفاجأة.


صرخت غاضبة:

ـ "أعرض نفسي؟ أولاً، كنتُ عذراء حين نمتَ معي أول مرة إن كنت نسيت. ثانياً، أستطيع أن أنام مع من أشاء. أنا امرأة حرّة، ولا شيء يمنعني من أن أكون مع رجال يريدونني حقاً. رجل لا يفكر في حب حياته وهو يعاشرني!"


تلك الكلمات سقطت عليّ كطعنة. عرفت أنها ستعود لتعاقبني في منتصف قلبي.


ـ "آفا…"


قاطعَتْني بعنف:

ـ "لا! ما الذي تريده مني يا روان؟ أنت بنفسك قلت لي إنك كنتَ تتخيّل إيما وأنت تعاشرني. قلت إنني مجرد وسيلة لإشباع نزوة، وإنني لن أكون أبداً المرأة التي تريدها. فماذا تفعل هنا الآن؟ لماذا لا تتركني وشأني؟"


كانت هناك آلاف الكلمات أود قولها، تفسيرات لا حصر لها، لكن الكلمات اختنقت في حلقي. لم أعرف كيف أعبر عمّا في داخلي.


همست:

ـ "أنا أريدك يا آفا… تبا،  أريدك بشدة." كان صوتي رقيقاً، وأدهشني قبل أن يدهشها.


صرخت محتجّة:

ـ "ولماذا الآن؟ لقد تزوجنا تسع سنوات… تسع سنوات كاملة. كيف لك أن تهتم بي فجأة الآن، بعدما تجاهلتني طول تلك السنوات؟ هذا لا يُعقل."


أصابني كلامها في مقتل. لم أعرف كيف أجيب. من أين جاءت مشاعري هذه؟ ومتى بدأت؟ لم أملك جواباً.


قلت متوسلاً:

ـ "أهو صعب جداً أن تصدّقي أنني أريدك؟"


ردّت بحدة:

ـ "نعم! لقد كرهتني طويلاً. فطبيعي أن يصعب عليّ أن أصدق أنك صرت تنجذب إليّ الآن. هذا يبدو وهماً بعيداً."


كانت الكلمة على طرف لساني، الاسم الحقيقي لذلك الشعور الذي كنت أفتش عنه، لكنني عجزت أن أنطق به.


قالت ببرود:

ـ "رجاءً اخرج يا روان. أنت مشوش. حتى لو كنت تنجذب إليّ، فهذا لا يعني شيئاً."


أصررت:

ـ "بل يعني. يعني أن بيننا شيئاً يمكن البناء عليه."


صرخت بي:

ـ "لا، لا يعني شيئاً! ليس وأنا ما زلت أسمع صوتك في رأسي وأنت تقول إنك كنت تستعمل جسدي بديلاً لإيما."


أردت أن أقول المزيد، لكنني أدركت أنها استنفدت كل طاقتها معي. كنت قد أستنزفها أكثر مما يجب.


تنفست عميقاً، ثم قلت:

ـ "حسناً… سأرحل الآن. فقط نادي نوح لأودّعه."


أومأت برأسها، ونادت ابننا. عاد نوح بعد قليل، بينما بقيت هي في الغرفة. تجاهلت نظراته المتسائلة، ودّعته، ثم خرجت. تأكدت أنه أغلق الباب قبل أن أركب سيارتي وأغادر.


لكن الأمر لم ينتهِ. لم يكن هذا ختام الحكاية. لن أستسلم لها بهذه السهولة.


وفي الطريق، داهمتني الحقيقة. اضطررت إلى التوقف جانباً كي لا أتسبب في حادث، فقد سقط عليّ الإدراك كالصاعقة.


قلبي انكمش داخلي، حين استطعت أخيراً أن أسمّي الشعور الذي أحمله نحو آفا.


الحب.


تباً… أنا أحب آفا.


هذا الإدراك حمل معه خوفاً جارحاً وندماً ساحقاً. لقد دمّرت قلبها بيدي. قتلت حبها لي. كيف يمكنني إصلاح ما حطّمت؟


يا للغباء… أحببتها حقاً، لكن هل ستصدّقني؟ هل ستمنحني فرصة؟

تعليقات

إرسال تعليق

شاركنا برأيك في التعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين ندم طليقي (الفصل الأول: وثيقة الطلاق)

ترجّلتُ من سيارتي وسرتُ ببطء نحو القصر. كانت يداي ترتجفان، وجسدي يتصبب عرقًا. ما زلتُ غير مصدقة أن الأمر قد انتهى. أنني أخيرًا تطلّقتُ منه. والدليل على ذلك كان في حقيبتي. جئت اليوم لأسلّمه الأوراق النهائية... ولأصطحب نوح. دخلتُ المنزل، وتتبعتُ أصواتًا هامسة، لكنني توقفتُ فجأة عند اقترابي من المطبخ. في تلك اللحظة، بات بإمكاني سماعها بوضوح، وما سمعته جمّد الدم في عروقي. "لا أفهم لماذا لا يمكنك العيش معي ومع أمي؟" سأل نوح والده بصوت بريء. وضعتُ يدي المرتجفتين على صدري، وقلبي يتألم من نبرة الحزن في صوته. كنتُ مستعدة لفعل أي شيء من أجله، لكن هذا الطلاق كان حتميًّا. زواجنا كان خطأ. كل ما جمعنا كان خطأ. فقط استغرقني وقتٌ لأدرك الحقيقة. "أنت تعرف السبب، نوح... لم نعد معًا، أنا ووالدتك." قالها بصوت خافت. من الغريب حقًا... طوال سنوات زواجنا، لم يحدث أن كلّمني بذلك اللين. كان صوته دائمًا باردًا، خاليًا من أي مشاعر، مسطحًا، جامدًا. "ولكن، لماذا؟" "هذه أمور تحدث أحيانًا..." تمتم بها. أستطيع أن أتخيل تعابير وجهه العابسة، محاولًا شرح الأمر لنوح كي لا يُكثر من ا...

حين ندم طليقي (الفصل الثاني: آسف لخسارتك والدك)

 "يجب أن أذهب... هل يمكنك البقاء مع نوح؟ لا أعلم كم من الوقت سأمكث هناك"، قلتُ بشرود بينما كنت ألتقط حقيبتي. "بالطبع... سأأتي حالما أطلب من والدتي أن تأتي لتبقى معه"، أجاب روان، لكن صوته تلاشى وسط طنين أذنيّ. لم أعد أعي ما يدور حولي بينما ودّعتُ ابني وغادرت. ركبتُ السيارة، وبدأتُ القيادة نحو المستشفى، وذهني غارق تمامًا في الذكريات. لقد نشأتُ في جوّ من الإهمال العاطفي، إن صح التعبير. كنتُ الطفلة التي لم يُبالِ بها أحد من والديّ. كان والدي يفضّل أختي الكبرى، إيما. كان يناديها دائمًا "أميرتي"، و"فتاتي الصغيرة". أما والدتي، فكان ابنها المفضل هو أخي الأكبر، ترافيس. كانت تراه الفتى الوسيم المدلل لديها. وأنا؟ لم أكن مفضّلة لدى أحد. كنت فقط آڤا. دائمًا ما شعرت أنني غير مرغوبة. دخيلة. ليس فقط من قِبل والديّ، بل من إخوتي أيضًا. مهما فعلت—تحصيل دراسي جيد، رياضات، أنشطة مدرسية—كنت دائمًا أقف على الهامش. أنظر من الخارج إلى الداخل، وكأنني أراقب عائلة سعيدة لا أنتمي إليها. وبعد ما حدث قبل تسع سنوات، انقطعت تمامًا العلاقة الهشة التي كانت تربطني بعائلتي. ترافيس ب...

حين ندم طليقي (الفصل الرابع: محطمة كلياً)

 هل شعرت يومًا وكأن قلبك وُضع داخل مفرمة لحم؟ هذا تمامًا ما أشعر به الآن وأنا أنظر إليهما. أشعر وكأن قلبي تمزّق إلى قطع صغيرة. لو كان بإمكاني أن أنزع هذا العضو عديم الفائدة وأرميه بعيدًا، لفعلت. لأن الألم الذي ينهشني الآن لا يمكن تصوره. أردت أن أهرب. أن أُبعد نظري، لكنني لم أستطع. كانت عيناي ملتصقتين بهما، وكلما حاولت أن أُدير وجهي، شعرت وكأنهما التصقتا بهذا المشهد المُفعم بالحب أمامي. أراقبهما وهما ينفصلان عن بعضهما. عينا روان تلينان وهو يحدّق في حبّ حياته. أشاهده وهو يضع كفيه على وجهها، يقربها منه... لا يُقبّلها، فقط يُسند جبهته على جبهتها. يبدو... مسالمًا. وكأنه أخيرًا عاد إلى منزله بعد غيابٍ طويل. وكأن روحه اكتملت أخيرًا. "اشتقتُ إليكِ" قرأتُ الكلمات وهي تتكوّن على شفتيه. لم أرغب في تخيّل ما كان سيحدث بينهما لو التقيا في ظروف مختلفة... لو التقيا ونحن لا نزال متزوجين. هل كان ليخونني معها؟ جزء مني يريد أن يرفض هذا الاحتمال، لكنني لست واثقة. نحن نتحدث عن إيما. روان قد يذهب إلى الجحيم ويعود من أجلهَا. غير قادرة على تحمّل المزيد، وقفتُ واندفعتُ إلى الخارج. ما إن وصلتُ حتى بدأت...