استدرتُ ببطء نحو مصدر الصوت، فإذا بي أجد روان جالسًا إلى جواري. كأنني استدعيت وجوده من محض أفكاري. ولم يكن ذلك فحسب… فللمرة الأولى منذ عرفته، لم يكن روان يرتدي بذلة. كان يرتدي قميصًا أسود بياقة على شكل (V) وبنطال جينز أزرق.
تلعثمت قائلة: "ما الذي تفعله هنا؟ لا أصدق أنك موجود حقًا."
أجاب وهو يهز كتفيه بلا مبالاة: "نوح أخبرني أنك ستكونين هنا، وها أنا ذا."
كأنه لم يقل شيئًا غريبًا!
لم أحتمل وجوده لحظة أخرى، فنهضت وغادرت دون كلمة. سمعتُه يناديني باسمي، لكنني تجاهلته.
ذهبت إلى دورة المياه محاوِلة تهدئة نفسي. لماذا الآن؟ لماذا لم يكن هكذا قبل سنوات؟! لمّا قررت أخيرًا المضي قدمًا، يتغيّر فجأة؟ الحياة لا تسير بهذه الطريقة.
غسلت وجهي بالماء، وجعلت قلبي أقسى. لم يعد مهمًا لماذا يريد فجأة أن يكون جزءًا من حياتي. انتهى الأمر بيننا. انتهى حتى قبل أن يبدأ.
حين شعرت أنني أكثر ثباتًا، خرجت، فاصطدمت بشخص. رائحة عطره كشفت لي هويته قبل أن أرفع بصري.
تراجعت عنه بعنف، كأن لمسته أحرقتني. ومع فوضى هرموناتي، لم أرغب أن يسيء فهم الأمر.
ناداني بصوت أجش عميق: "آفا…"
صرخت به: "ما الذي تريده، يا روان؟ أي لعبة تحاول أن تلعب؟"
لم أعد أفهمه، وجزء مني لم يعد يرغب في ذلك أصلًا. كل ما أعلمه أنه سبب لي الألم… ولا أريد أن أذوقه ثانية.
قال مترددًا: "لست ألعب أي لعبة. أريد فقط التحدث. لديّ أمر مهم يجب أن أخبرك به."
ارتفع فضولي؛ روان لم يكن يومًا مترددًا. عرفته طوال حياتي، ولم يبدُ عليه هكذا قط. كان دائمًا صريحًا مباشرًا، سواء أحببتِ ما يقوله أم لا.
تأملته بتمعن، عيناه الرماديتان تركزان عليّ بنظرة لم أرها من قبل. كان فيه شيء مختلف، شيء تغيّر… لكنني لم أستطع تحديده. بدا كأنه خائف… خائف من قول ما يريد قوله، وخائف من ردة فعلي.
زادت حيرتي حين لاحظت كيف يغيّر وقفته من قدم إلى أخرى. كان متوترًا! توتره أمر غير مألوف أبدًا.
سألته بحدة، واضعة يدي على بطني بينما أطرق الأرض بقدمي نفاد صبر: "ما الأمر؟"
وقبل أن يجيب، اقترب كالفن وانضم إلينا.
قال واقفًا بجانبي بحماية: "آفا، هل يضايقك؟" ثم وجّه نظرات حادة نحو روان.
ابتسم روان بسخرية: "بالطبع أنت. ما قصتك مع التلهف على ما هو لي؟ أولًا كانت إيما أيام المدرسة الثانوية، تلحق بها مثل جرو ضائع. والآن؟ الآن آفا؟! ابتعد عنها اللعنة! إنها لي!"
غضبتُ بشدة من كلامه. لم يكن له أي حق في مخاطبة كالفن هكذا. ثم إنني لست له، ولم أكن يومًا له.
زمجر كالفن: "أيها الحقير، توقف عن الحديث عن آفا وكأنها قطعة لحم تملكها."
كانت قبضتاه مشدودتين وفكّه متصلبًا، بدا مستعدًا للانقضاض على روان وتحطيمه.
نظرتُ بينهما غير مصدقة أن يتصرفا كالأطفال. كالفن كان يرمق روان بالكراهية، بينما روان ينظر إليه بغيرة صريحة.
كان في كراهية كالفن لروان شيء غريب. صحيح أنه كان معجبًا بإيما حين كانت مع روان، مثل مئات الفتيان آنذاك، لكنها لم ترَ أحدًا سواه. فهل يستحق ذلك هذه النظرات الحاقدة؟ لقد مضت سنوات طويلة، فما سر هذه الكراهية؟
قال روان بحدة وصوت منخفض كالعاصفة: "ابعد عن هذا. هذا بيني وبين آفا."
تقدم كالفن ودفع روان للخلف. لم يتراجع كثيرًا، لكنه ازداد غضبًا.
توسلتُ: "رجاءً، لا تفعلوا هذا!"
لكن لم يجبني أحد. كانا قد تجاوزا نقطة العودة.
التفتُّ حولي بقلق، لأرى حشدًا صغيرًا قد بدأ يتجمع، وبعضهم يرفع هواتفه للتصوير. روان مشهور، ومن الطبيعي أن يجذب الانتباه.
قال كالفن وهو يحدّق في وجه روان: "لقد سئمت منك ومن تحكمك في حياتي. لماذا لا تموت وتريحنا جميعًا؟"
تجمدتُ من وقع كلماته. الشر في عينيه جعلني أرتجف. لم أره هكذا من قبل. الغضب والمرارة، نعم، لكن الشر؟ أبدًا.
ضحك روان بمرارة: "أهذا ما تتمناه؟ بعد كل هذه السنوات ما زلت تحاول أن تثبت أنك شخص ما، بينما لست كذلك. الحقيقة أنك لن تكون أنا أبدًا. إيما لم تحبك حينها، وآفا لن تحبك الآن… لأن قلبها ملكي."
كانت تلك الكلمات الشرارة التي جعلت كالفن يوجه لكمة قوية أصابت فك روان. تعافى روان بسرعة ورد الضربة. وما هي إلا لحظات حتى اندلع شجار كامل بينهما.
وقفت مذهولة، متمنية أن أكون في أي مكان آخر. حاولت التدخل للفصل بينهما لكن كدتُ أُصاب أنا. اضطر الأمن للتدخل، وتم اقتيادنا جميعًا إلى الخارج.
ذهبت لالتقاط الولدين، فوجدتهما جالسين على مقعد في الحديقة بوجوه حزينة.
قلت برقة: "هيا يا أحبائي، لنذهب إلى البيت."
سأل نوح بصدمة: "لا أصدق أن أبي وكالفن تشاجرا. لماذا؟"
أضاف غانر محبطًا: "نوح وأنا أصدقاء مقربون. حتى لو لم يحبّا بعضهما، ألا يجب أن يحاولا التعايش من أجلنا؟"
تنهدتُ محاولة كبح غضبي: "أحيانًا يتشاجر الكبار مثل الصغار. لكنني واثقة أنهما سيتجاوزان خلافاتهما."
خرجنا لنجد روان يصرخ بوجه إدارة المكان: "هل تعرفون من أكون أنا؟ أستطيع شراء هذا المكان اللعين بأكمله وطردكم جميعًا من وظائفكم!"
كان كالفن يتمشى غير بعيد، يتوقف أحيانًا ليرمقه بنظرات مليئة بالعداء.
قال المدير محاولًا التفاهم: "أفهم يا سيد وودز، لكنك سببت إزعاجًا…"
قاطع روان بعنف: "اصمت! لا أسمع شيئًا ينفعني. الآن ستسمحون لنا بالعودة فورًا!"
زفرتُ بضيق. كان عليّ البقاء في المنزل من البداية.
كان لروان شفة مشقوقة، بينما كالفن أنفه ينزف وربما مكسور، مع كدمة على وجنته وشفة مشقوقة كذلك.
قلت بتعب: "كفى، روان. أنت وكالفن سببتم ما يكفي. ألا يكفي أنكما اشتبكتما أمام الجميع، بل أمام ولديكما أيضًا؟ أي مثال تقدمان؟"
نظرت إليهما بحدة قبل أن ألتفت إلى المدير وأقول: "أنا آسفة جدًا على ما جرى. سنغادر فورًا." فأومأ برأسه وغادر.
أمسكت بيدي نوح وغانر، ثم واجهت الرجلين: "عليكما أن تخجلا من نفسيكما. هذا اليوم كان من أجل الأطفال، وأنتم أفسدتموه. جعلتموهم يرون آباءهم يتشاجرون كالأطفال على لعبة تافهة!"
قالا معًا في آن واحد: "هو الذي بدأ!"، مما أشعل غضبي أكثر.
صرخت: "لا يهمني من بدأ! المهم أنكما فقدتما السيطرة ونسيتم الطفلين!"
كان كالفن يبدو نادمًا، بينما روان ابتسم ابتسامة ساخرة وعيناه تجولان عليّ.
قال بوقاحة: "أعجبني هذا الوجه الجديد لك. إنه… سي—" وكاد أن يقول "جذاب" لكنه تذكر وجود نوح وغانر، فتوقف.
أطلقت تنهيدة يائسة واستدرت لأغادر. لم يعد عندي طاقة لاحتمالهما.
صاح روان خلفي: "إلى أين تذهبين؟"
أجبته دون أن ألتفت: "بعيدًا عنكما كليكما." ثم ابتعدت عنهما تاركة إياهما واقفين خارج مدينة الملاهي.
أوقفتُ سيارة أجرة وأدخلت الولدين. كانت الأجرة مرتفعة بلا شك، لكن لم أهتم. لدي المال، وما يهمني الآن هو الراحة.
همس غانر بخجل: "هل يمكننا تناول مثلجات قبل العودة إلى المنزل؟"
😂😂😂
ردحذف