كان رأسي على وشك الانفجار، وكأنه أنتثر إلى شظايا اللحم في أرجاء غرفة المعيشة. لم أذق لحظة هدوء واحدة.
الأفكار تدور في رأسي بلا توقف، بلا انقطاع. تدفعني إلى الجنون بحق.
قلت لماري، إحدى الطالبات اللواتي أدرّسهن:
"حسنًا، أريدك الآن أن تركزي على المفتاح الثنائي وعلى الحشرات التي ندرسها. إذا أردتِ أن تتقني استخدام المفتاح، فعليكِ أن تركزي على هذين الأمرين."
كنت آمل أن يلهيني التدريس قليلًا عن أفكاري، لكنني كنت مخطئة. رأسي يسرح بعيدًا في كل مرة.
أومأت ماري برأسها علامة على الفهم.
قلت وأنا أتابع:
"الشخصية الأولى: أجنحة كبيرة أو أجنحة صغيرة أو معدومة… ما رأيك في الجواب؟"
تأملت الحشرات المرسومة في الكتاب ثم التفتت إليّ. بدا عليها التردد أولًا، لكنها فتحت فمها أخيرًا وقالت:
"في هذه القائمة، هناك حشرة واحدة فقط لها أجنحة كبيرة، لذا ستندرج الفراشة تحت هذا التصنيف."
ابتسمت لها بسرور.
"جيد. وبما أنها الوحيدة ذات الأجنحة الكبيرة، فالبقية ستدخل تحت فئة الأجنحة الصغيرة أو المعدومة. وبما أن التصنيف يشبه لعبة الإقصاء وهناك الكثير، فسوف نقسّمها إلى فئات فرعية. ما الفئتان التاليتان برأيك بحسب الحشرات أمامنا؟"
عادت بعينيها إلى الكتاب. صامتة، لكنها تلقي عليّ نظرات متوترة بين الحين والآخر.
قلت برفق:
"لا تقلقي يا ماري، خذي وقتك."
كنت أؤمن أن سرّ المعلم الجيد هو الصبر. ليس كل الطلاب يفهمون من المحاولة الأولى، وبعضهم أبطأ من غيرهم، وهذا أمر طبيعي.
قالت أخيرًا بتردد:
"لست متأكدة إن كان جوابي صحيحًا."
أجبتها: "لا بأس. وإن لم يكن صحيحًا فسنكتشف أين الخطأ."
هزّت رأسها موافقة وقالت:
"أرجل خلفية طويلة أم قصيرة."
صفقتُ يدي بسرور لأشعرها بالفخر:
"ممتاز. إذن إلى أي تصنيف يذهب كلّ نوع؟"
عادت الثقة إلى وجهها، وابتسمتُ لها.
قالت:
"ذوات الأرجل الطويلة جدًا ستكون فئتها منتهية بالبعوض، أما ذوات الأرجل القصيرة فسأقسمها إلى فئتين: عيون صغيرة وعيون كبيرة."
صفقتُ بفرح أكثر:
"أحسنتِ جدًا."
ابتسمت وقالت: "شكرًا، أنتِ تجعلين مادة الأحياء سهلة الفهم."
بعد أن انتهت من التمرينات بنجاح، أعطيتها واجبًا منزليًا وودّعتني عند الباب.
أجبتها مبتسمة: "في أي وقت يا عزيزتي."
أغلقتُ الباب وعدتُ إلى غرفة المعيشة. رميت نفسي على الأريكة ككيس بطاطس. عقلي ما زال يضجّ، محتاج إلى أي إلهاء.
نوح كان عند غانر، فبقيت وحيدة.
وضعت يدي على بطني. مسألة أم غانر ما زالت تقلقني، إضافةً إلى ما قاله كالفن لروان. هناك شيء ما يلحّ في ذهني، كأن قطع الأحجية تتنافر ولا تكتمل.
غيّرت ملابسي وخرجت إلى الحديقة الخلفية. ارتديت ثيابًا قديمة، وأحضرت بعض البذور من المخزن. كنت أنوي زراعة جزر وطماطم.
جلست على ركبتي وبدأت بالعمل، حتى قطع صوتٌ مألوف شرودي:
"تبدين شاردة."
رفعت رأسي، فإذا بكالفن أمامي. لا أعلم منذ متى وهو هنا، لكنني كنت غارقة تمامًا في أفكاري حتى لم أشعر بقدومه.
قلت وأنا أمسح بعض التراب عن ثيابي:
"نعم… ذهني مثقل. ظننت أن البستنة ستساعدني."
سألني: "هل هناك ما أستطيع مساعدتكِ في فهمه؟"
أجبته: "لا أظن."
كان دائم الكتمان بشأن والدة ابنه. لم يخبرني أبدًا إن كانا متزوجين ثم انفصلا، أم مجرد علاقة، ولا كم كانت مدتها. أشكّ أنه سيعطيني يومًا ما المعلومات التي أحتاجها لأفهم القصة. ولم أرد أن أجرحه. ففي كل مرة أذكرها، يغضب أو يثور.
قال بهدوء: "لا بأس… أفهمك. كثيرًا ما أحب معالجة أموري وحدي. لكن هذا لا يعني أنني لا أستطيع مساعدتك هنا." وأشار إلى الحديقة الصغيرة.
ابتسمت: "شكرًا." وأعطيته قفازًا ليلتحق بي.
سألته: "وماذا يفعل الصبيان؟"
أجاب: "يلعبان ألعاب الفيديو. يدهشني مدى قربهما من بعض. لا يفترقان أبدًا. لم أكن لأتخيل هذا يومًا، خاصةً بمدى كرهي لوالد نوح."
قطّبت حاجبي. لا يقدر حتى أن يذكر اسم روان. لماذا؟
سألته: "ولماذا تكرهه إلى هذا الحد؟ ما حدث بينكما مضى عليه سنوات. ألا يفترض أنك تجاوزته؟"
كنت أقصد تعلقه بإيما أيام المدرسة الثانوية. كان مهووسًا بها، كما كنت أنا مهووسة بروان. يكتب لها رسائل حب، يترك لها الزهور في خزانتها، يهديها هدايا، يتبعها كجرو ضائع. وكان ذلك يثير جنون روان.
أجابني: "لا شيء." لكنني كنت واثقة أنه يكذب. يخفي شيئًا. اخترت ألّا أضغط عليه.
قلت: "على أي حال، عليك أن تضع خلافاتك جانبًا. أولادنا صديقان مقرّبان، لذا ستضطر لرؤيته من وقت لآخر. لا يمكن أن تفتعل شجارًا في كل مرة."
سأحرص أن أقول الشيء نفسه لروان. كلاهما بحاجة أن يتصرّفا كبالغين. الأمر ليس عنهما ولا عن ماضيهما، بل عن غانر ونوح.
لكن بينما أفكر في غانر، تجتاح ذهني صورة قديمة. أرفضها، لكنها تلحّ. تعاود الظهور. تتراءى أمامي ابتسامات من الماضي، إلى أن تتوقف ذاكرتي عند ابتسامة تشبه تمامًا ابتسامة غانر.
تجمّدت. عظامي متيبسة. قلبي يخفق بعنف. لا يمكن. مستحيل. كانت لتخبر أحدًا. كانت لتخبر عائلتها. أحاول الإنكار، لكن البرهان واضح.
ناداني كالفن: "آفا؟" لكنني كنت كمن في غيبوبة.
لم يكن عجيبًا أن ابتسامته مألوفة. لم يكن عجيبًا أنني انزعجت دومًا. ابتسامته كانت مثل ابتسامتها حين كانت طفلة. متطابقتان.
همست دون وعي: "إيما."
رأيته يتجمّد بجانبي. وإن لم تقنعني ذاكرتي، فجسده المتيبّس أقنعني.
تمتمتُ بصعوبة: "يجب أن أذهب." حاولت أن أنهض.
أمسك بذراعي. التفتُّ إليه. لا بد أنه قرأ شيئًا في عينيّ، لكنني لم أهتم.
قال بصوت خافت: "أنتِ تعلمين… لقد اكتشفتِ الحقيقة."
أومأتُ برأسي، ودموعي تلمع في عيني. سحبتُ يدي من يده. عدت إلى الداخل، أخذت مفاتيح سيارتي، وغادرت.
لم أستطع التصديق. ليست هي. إيما التي عرفتها لم تكن لتتخلى عن طفلها. لم تكن لتقسو على دمها ولحمها.
🥺🥺🫣🫣
ردحذف