التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حين ندم طليقي (الفصل مئة وواحد: جانب إيما من القصة)

 إيما


اليوم الذي كنت أهابه قد حلّ أخيراً. كنت أخشى انكشاف الحقيقة، لكن لم يخطر ببالي قط، ولا في أسوأ كوابيسي، أن تكون آفا هي من تكشفها.


لقد حاولت بكل ما أملك أن أبقي الأمر سرّاً. كان عاري وحدي لأتحمله. والآن، الجميع يعرف. روان عرف. ومن بين الجميع، هو الوحيد الذي لم أرد أن يعرف أبداً.


قال غاب، وقد دوّى صوته من شدة الصدمة:

"أتعنين صديق نوح المقرّب؟ ذلك الطفل غانر؟"


ارتعشتُ عند سماع اسمه. كنت قد بذلت جهدي لأُبقي حياتي منفصلة عنه، كي لا أتورط في حياته. والآن صار كل شيء فوضى.


قالت آفا، والغضب يتفجر منها كالنار:

"نعم يا غاب. أليس الأمر مجرد صدفة لعينه؟ لو لم ينتقل كال بجانبي، لما اكتشفت الأمر أبداً، ولكانت إيما استمرت في خداعها وهي تؤذي طفلاً صغيراً يتوق لحب والدته."


كان الغضب الذي يتدفق من آفا لاهباً، لم أرَها في حياتي تنظر إليّ بمثل ذلك الاحتقار. لعنتُ حظي. لم أكن أعلم أن كال قد انتقل بجوار آفا، ولا أن ابنينا أصبحا أعزّ الأصدقاء. لو كنت أعلم، لكنت أجبرت كال على الرحيل.


صرخ ترافيس:

"أنت تكذبين! إيما لا يمكن أن تفعل شيئاً كهذا. أنت فقط تريدين التسبب بمشاكل جديدة لنا. ألم تفعلي ما يكفي؟ والدك ووالدتك كادا أن يتسببا بإفلاس شركتنا!"


كنت أعرف أخي. كان مجرد محبط ومرتبك، وإلا لما تحدث مع آفا بتلك الطريقة. هو يحاول في النهاية أن يُصلح علاقته بها.


لكن آفا واجهته ببرود قاتل:

"كما قلت لك من قبل يا ترافيس، اخرس. هذا بيني وبين أختك الحقيرة. أما عن الشركة؟ فأنتم تستحقون ما حصل. وبالمناسبة، لمجرد الطريقة التي تحدثت بها إليّ، قد أقرر بنفسي أن أغرق تلك الشركة اللعينة."


ارتسم الرعب على وجه ترافيس. أدرك أنه زاد الطين بلة. تلك مشكلته، لا يفكر قبل أن يتكلم. أحبه، لكني لا أعلم كيف بحق الله نجا وهو مدير تنفيذي.


قال والد روان محاولاً تهدئة الأجواء:

"حتى وإن كان أسلوبه فظّاً، فـترافيس محق يا آفا. لا يمكنكِ أن تأتي إلى هنا وتتهمي إيما بلا دليل. لو كان لها طفل، لكنا علمنا بذلك. كيت نفسها كانت ستكون أول من يعرف."


وكان محقاً. لولا شعوري بالخزي لما أخفيت الأمر عن أمي. لم أرغب يوماً في حمل طفل إلا من روان. وعندما حملت، شعرت بالعار من حملي... ومن الطريقة التي حدث بها أصلاً. ولأُبقي ذلك العار مدفوناً، لم أخبر أي أحد سوى صديقتي المقربة. مولي كانت الوحيدة التي تعرف أن لديّ ابناً.


زمجرت آفا:

"الدليل يقف أمامكم. لو كنت مخطئة، لِمَ لم تقل شيئاً حتى الآن؟ إيما معروفة أنها كانت ستثور عليّ كالعاصفة لو كنت أكذب. لكنها صامتة كالقبر."


التفتوا جميعاً نحوي، لكن لم يكن لدي ما أقوله. عقلي توقف عن العمل. لو كان باستطاعتي، لاتصلت بمولي لأطلب منها النصح. كنت وحيدة في مواجهة تبعات انكشاف آفا.


كرهتها في تلك اللحظة. لأنها حطمت كل شيء. كانت الأمور تسير بشكل مقبول، حتى وإن لم نُسوّ خلافاتنا مع روان. كنت أعلم أننا سنفعل في النهاية.


كان روان سبباً آخر جعلني أخفي حملي حينها. كنت ما زلت مجروحة، وأردته أن يبقى مجروحاً. هو من دمّر ما كان بيننا. كيف كان له أن يندم على خسارتي إن علم أنني حملت من رجل آخر؟ كان سيتحرر من الندم، لأننا حينها نكون متساويين. أعلم أن هذا أناني، لكنني لم أُرِد ذلك. أردته أن يبقى نادماً. كان ذلك عقابي له على خيانته لي مع آفا.


قالت آفا بحدة:

"تعلمون ماذا؟ لا يهمني إن صدقتموني أم لا. أنا لم آتِ من أجلكم. جئت من أجل ذلك الطفل الصغير الذي لا يفهم لماذا لا تريد أمه أي علاقة به. لماذا لا تحبه. كيف تستطيعين النوم ليلاً يا إيما؟"


في النهاية، خفّ صوتها، وكأنه يمسّ جرحها الشخصي. أدركت أنها ترى في غانر انعكاساً لصدماتها، إذ والداها لم يريدا أي علاقة بها وهي تكبر.


خفضت بصري إلى الأرض، غير قادرة على احتمال نظراتها الحادة. لكنها لم تسمح لي:

"انظري إليّ عندما أكلمك"، أمرتني، ونبرتها كالموت.


هيبتها أجبرتني على رفع عيني نحوها، رغم إرادتي. لم أعتد هذا من آفا، فهي لم تكن يوماً المسيطرة. لطالما كانت الضعيفة. لكن في تلك اللحظة، شعرت بالرعب من اللهيب المشتعل في عينيها.


تابعت قائلة:

"لماذا تفعلين هذا بغانر؟ صدقيني يا إيما، أنتِ التي طالما حلمتِ بالأطفال، فكيف تفعلين هذا بابنك؟ هل تكرهينه لدرجة أنكِ قادرة على العيش وكأنه غير موجود؟"


وقبل أن أفتح فمي، قاطعتني:

"لطالما ظننتك مثالية. حتى عندما ساءت الأمور، كنت أظن أنكِ إنسانة جيدة. لكن تبيّن أنكِ لا شيء سوى عاهرة، لأن العاهرة عديمة القلب وحدها هي من تتخلى عن ابنها كما تخلّيتِ عن غانر. آمل أن يكون ما دفعكِ للتخلي عنه يستحق، لأنه لا يستحق ما فعلتِ به."


ثم استدارت وغادرت دون أن تضيف كلمة واحدة لنا. حاول روان أن يلحق بها، لكن غاب أمسك بذراعه وأوقفه، وهمس له بشيء جعله يستسلم بخيبة.


تحدثت أمي، وعيناها تمتلئان بالدموع:

"هل هذا صحيح يا إيما؟ هل لديكِ ابن حقاً؟ أرجوكِ، قولي إن آفا لم تكن صادقة."


جزء مني أراد أن يكذب، لكن ما الفائدة؟ البذرة زُرعت بالفعل، ولن يتطلب الأمر سوى فحص DNA لإثبات ما كنت أهرب منه طوال السنوات الثماني الماضية.


زفرتُ باستسلام، والدموع تنهمر من عيني:

"نعم… غانر ابني."


تعليقات

إرسال تعليق

شاركنا برأيك في التعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين ندم طليقي (الفصل الأول: وثيقة الطلاق)

ترجّلتُ من سيارتي وسرتُ ببطء نحو القصر. كانت يداي ترتجفان، وجسدي يتصبب عرقًا. ما زلتُ غير مصدقة أن الأمر قد انتهى. أنني أخيرًا تطلّقتُ منه. والدليل على ذلك كان في حقيبتي. جئت اليوم لأسلّمه الأوراق النهائية... ولأصطحب نوح. دخلتُ المنزل، وتتبعتُ أصواتًا هامسة، لكنني توقفتُ فجأة عند اقترابي من المطبخ. في تلك اللحظة، بات بإمكاني سماعها بوضوح، وما سمعته جمّد الدم في عروقي. "لا أفهم لماذا لا يمكنك العيش معي ومع أمي؟" سأل نوح والده بصوت بريء. وضعتُ يدي المرتجفتين على صدري، وقلبي يتألم من نبرة الحزن في صوته. كنتُ مستعدة لفعل أي شيء من أجله، لكن هذا الطلاق كان حتميًّا. زواجنا كان خطأ. كل ما جمعنا كان خطأ. فقط استغرقني وقتٌ لأدرك الحقيقة. "أنت تعرف السبب، نوح... لم نعد معًا، أنا ووالدتك." قالها بصوت خافت. من الغريب حقًا... طوال سنوات زواجنا، لم يحدث أن كلّمني بذلك اللين. كان صوته دائمًا باردًا، خاليًا من أي مشاعر، مسطحًا، جامدًا. "ولكن، لماذا؟" "هذه أمور تحدث أحيانًا..." تمتم بها. أستطيع أن أتخيل تعابير وجهه العابسة، محاولًا شرح الأمر لنوح كي لا يُكثر من ا...

حين ندم طليقي (الفصل الثاني: آسف لخسارتك والدك)

 "يجب أن أذهب... هل يمكنك البقاء مع نوح؟ لا أعلم كم من الوقت سأمكث هناك"، قلتُ بشرود بينما كنت ألتقط حقيبتي. "بالطبع... سأأتي حالما أطلب من والدتي أن تأتي لتبقى معه"، أجاب روان، لكن صوته تلاشى وسط طنين أذنيّ. لم أعد أعي ما يدور حولي بينما ودّعتُ ابني وغادرت. ركبتُ السيارة، وبدأتُ القيادة نحو المستشفى، وذهني غارق تمامًا في الذكريات. لقد نشأتُ في جوّ من الإهمال العاطفي، إن صح التعبير. كنتُ الطفلة التي لم يُبالِ بها أحد من والديّ. كان والدي يفضّل أختي الكبرى، إيما. كان يناديها دائمًا "أميرتي"، و"فتاتي الصغيرة". أما والدتي، فكان ابنها المفضل هو أخي الأكبر، ترافيس. كانت تراه الفتى الوسيم المدلل لديها. وأنا؟ لم أكن مفضّلة لدى أحد. كنت فقط آڤا. دائمًا ما شعرت أنني غير مرغوبة. دخيلة. ليس فقط من قِبل والديّ، بل من إخوتي أيضًا. مهما فعلت—تحصيل دراسي جيد، رياضات، أنشطة مدرسية—كنت دائمًا أقف على الهامش. أنظر من الخارج إلى الداخل، وكأنني أراقب عائلة سعيدة لا أنتمي إليها. وبعد ما حدث قبل تسع سنوات، انقطعت تمامًا العلاقة الهشة التي كانت تربطني بعائلتي. ترافيس ب...

حين ندم طليقي (الفصل الرابع: محطمة كلياً)

 هل شعرت يومًا وكأن قلبك وُضع داخل مفرمة لحم؟ هذا تمامًا ما أشعر به الآن وأنا أنظر إليهما. أشعر وكأن قلبي تمزّق إلى قطع صغيرة. لو كان بإمكاني أن أنزع هذا العضو عديم الفائدة وأرميه بعيدًا، لفعلت. لأن الألم الذي ينهشني الآن لا يمكن تصوره. أردت أن أهرب. أن أُبعد نظري، لكنني لم أستطع. كانت عيناي ملتصقتين بهما، وكلما حاولت أن أُدير وجهي، شعرت وكأنهما التصقتا بهذا المشهد المُفعم بالحب أمامي. أراقبهما وهما ينفصلان عن بعضهما. عينا روان تلينان وهو يحدّق في حبّ حياته. أشاهده وهو يضع كفيه على وجهها، يقربها منه... لا يُقبّلها، فقط يُسند جبهته على جبهتها. يبدو... مسالمًا. وكأنه أخيرًا عاد إلى منزله بعد غيابٍ طويل. وكأن روحه اكتملت أخيرًا. "اشتقتُ إليكِ" قرأتُ الكلمات وهي تتكوّن على شفتيه. لم أرغب في تخيّل ما كان سيحدث بينهما لو التقيا في ظروف مختلفة... لو التقيا ونحن لا نزال متزوجين. هل كان ليخونني معها؟ جزء مني يريد أن يرفض هذا الاحتمال، لكنني لست واثقة. نحن نتحدث عن إيما. روان قد يذهب إلى الجحيم ويعود من أجلهَا. غير قادرة على تحمّل المزيد، وقفتُ واندفعتُ إلى الخارج. ما إن وصلتُ حتى بدأت...