التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حين ندم طليقي:الفصل مئة وأربعة: هناك خطب ما بي)

 

آفا


كانت خلايا دماغي قد احترقت تمامًا.


جلست هنا منذ أن غادر كالفن قبل ساعة تقريبًا. كنت قد طلبت منه أن يبيت نوح عنده هذه الليلة، وقد وافق.


ما زلت أحاول استيعاب كل ما علمته اليوم. لقد كان كثيرًا جدًا دفعة واحدة، ولم أدرِ كيف أتعامل مع كل ذلك.


رنّ هاتفي. للحظة فكرت في تجاهله، لكنني عدلت عن ذلك. فقد يكون الأمر طارئًا.


مررت إصبعي على الشاشة دون حتى أن أنظر إليها، ووضعت الجهاز على أذني، لكنني لم أنطق بكلمة. كان عقلي فارغًا تمامًا، فانتظرت المتصل ليتحدث.


"آفا…" تنفست بارتياح. "الحمد لله… هل أنت بخير؟ لقد أخبرني تراڤيس بما حدث اليوم."


عرفت صوتها فورًا. كانت لِتّي.


"لست متأكدة، بصراحة"، همستُ مجيبة.


ما زلت غير قادرة على فهم كيف يمكن لإيما أن تكون بهذا القدر من القسوة مع كالفن وغنر. أعلم أنها لطالما أرادت أن تحمل أولاد روان، لكن أن ترفض طفلها من لحمها ودمها لمجرد أنه لا يحمل جينات روان؟ هذا خُبث محض.


قالت لِتّي: "تراڤيس أخبرني أنكِ من اكتشف الحقيقة وفضحت كذبة إيما."


كنت أتفهم ألم غنر تمامًا، إذ أعرف كيف يكون شعور رفض الوالد. أخذت ألمه كأنه ألمي، لأنه ذكّرني كثيرًا بنفسي.


لم يختر إيما لتكون أمه، ومع ذلك آذته كما لو كان لا شيء. وهذا أغضبني وحطّم قلبي في الوقت ذاته.


أجبتها: "نعم… أعتقد أنه كان مجرد صدفة."


"كيف؟ كيف استطعتِ أن تكتشفي الأمر؟" سألت بلهفة ممزوجة بالدهشة.


لم أعلم إن كان اندهاشها سببه معرفتها أن لإيما ولدًا، أم لعدم تصديقها أنني أنا من أدرك الحقيقة.


تنفست بعمق: "ابتسامته… لقد ابتسم لي مرات كثيرة من قبل، لكن في ذلك اليوم… فجأة ربطت الأمور. ابتسامته كانت تشبهها."


"كالفن لم يقل شيئًا أبدًا؟"


"أبدًا. لكنه حين ذكرتُ اسم إيما تجمّد تمامًا، وذلك كشف كل شيء. ثم إنه لم يصحح لي ما قلتُه."


ما زال الأمر يبدو لي غير واقعي. لا أستطيع أن أتخيل حياتي من دون نوح، فكيف استطاعت إيما أن تعيش كأن ابنها غير موجود؟


قالت لِتّي: "أخبِريني بكل شيء."


فبدأتُ أحكي لها من البداية حتى وصلنا إلى ما نحن عليه الآن.


وبحلول الوقت الذي أنهيت فيه روايتي، كنت أبكي مجددًا. لم أكن أريد أن أسقط ألمي على غيري، لكن كان من الصعب جدًا أن أتماسك.


قلت لها: "لم أدرِ إلى أين أذهب حتى وجدت نفسي عند منزل كيت." لم أعد أسميها "أمي" منذ أشهر. "كنت غاضبة بشدة من أجل غنر ومن أجلي. أردت أن أفعل شيئًا له، شيئًا لم يفعله أحد من أجلي حين كنت صغيرة وتعرضت للاحتقار القاسي. أردت أن أدافع عنه، وأن أفضح إيما على سلوكها."


كان ذلك ما دعوت الله أن يفعله أحد من أجلي وأنا طفلة. كل الآباء الآخرين رأوا كيف كانت كيت وجيمس يعاملانني، ومع ذلك لم ينبس أحد بكلمة. حتى والدا روان التزما الصمت وسارا على نهج أصدقائهما. لم يقف أحد إلى جانبي أو يدافع عن حقي. لذا قررت أن أفعل ذلك من أجل غنر.


قالت لِتّي: "أتفهمكِ يا عزيزتي. لا ينبغي لطفل أن يعاني مما عانيتِه من كيت وجيمس، أو ما عاناه غنر من إيما. لقد فعلتِ الصواب بفضح حقيقتها الحقيرة."


شعرت ببعض الراحة. فقد كان هناك جزء مني يلوم نفسه، يتساءل إن كان ينبغي أن أتصرف بشكل مختلف. لكنني كنت غاضبة جدًا ولم أستطع التفكير بوضوح. لم أتمالك نفسي… كل ما فكرت به وأنا أقود السيارة كان: (مثل الأم، مثل الابنة).


كنت على وشك أن أقول شيئًا حين رن جرس الباب.


قلت لها: "هناك من يطرق بابي، يا لِتّي. عليّ أن أذهب."


كنت مرهقة جدًا، مستنزفة جسديًا وعاطفيًا.


قالت: "حسنًا، سنتحدث غدًا. أعلم أن يومكِ كان مرهقًا."


ودعنا بعضنا وأغلقت المكالمة. فكرت في تجاهل من على الباب، فقد كنت متعبة ولا أرغب برؤية أحد.


نهضت ببطء وفتحت الباب.


"روان؟ ماذا تفعل هنا؟" سألت بدهشة.


لم أكن أتوقع رؤيته، بل توقعت أن يكون إلى جانب إيما يواسيها. لقد صُدمت أن أراه أمامي بدلًا من ذلك.


قال: "هل يمكنني الدخول؟"


وكأن شيئًا ما بي كان مختلًا، إذ وجدت نفسي أتنحى جانبًا وأسمح له بالدخول. دخل بابتسامة صغيرة.


"هل نوح نائم؟" سأل وهو يخلع معطفه.


قلت: "ربما… لكنه ليس هنا. اليوم سيبيت عند كالفن."


رأيت الغضب يلمع في عينيه عند سماع اسم كالفن. للحظة ظننت أنه سيبدأ شجارًا، لكنه تمالك نفسه بصعوبة. كدت أصفّق له على ضبط أعصابه.


قال وهو يتنهد: "تبا، ما أغرب ما جرى اليوم. كيف حالكِ؟"


رغم أنني لاحظت بعض التغيرات عليه مؤخرًا، إلا أن الأمر بدا أوضح اليوم. ففي السابق، لم يكن ليهتم. بل كان ليلومني على إيذاء إيما. هل يُعقل حقًا أنه تغيّر؟


هززت رأسي لأطرد تلك الأفكار. لا بد أنني أتوهّم. لقد كان أمامه تسع سنوات ليتغير ولم يفعل. لا يمكن أن يتحول فجأة.


قلت: "أنا بخير." ثم توقفت لأفكر. "لا، هذا ليس صحيحًا… لست بخير أبدًا. أشعر وكأنني قد سُلخت من الداخل."


اقترب مني فجذبني إلى أحضانه. شعرت بحرارته، بصلابته في كل موضع أقابله فيه بلين.


كان عليّ أن أدفعه عني، لكن لسبب ما لم أفعل. كان ذهني فارغًا تمامًا، خدره الإرهاق. لو كنت أفكر بعقلانية لقلت له أن يرحل.


همس: "ماذا يمكنني أن أفعل لأخفف ألمكِ؟ أعلم أن الأمر صعب عليكِ، ليس فقط بسبب غنر."


توقف قلبي لوهلة. لقد صدمت أنه يفهم أن جزءًا من ألمي ليس بسبب غنر فقط، بل بسببي أنا أيضًا.


خفضت بصري إلى قدمي، لكن يده كفّت وجهي ورفعتني لأتطلع إليه.


همست: "لا أدري، يا روان."


داعب وجنتي برفق، وأزاح خصلة شعر عن وجهي. عيناه الرماديتان اصطدمتا بعينيّ. كان ينظر إليّ كما حلمت يومًا أن يفعل. كما لو أنني عالمه كله. مستحيل، أليس كذلك؟


قال بخفوت: "أعرف طريقة واحدة لتشتيتكِ… إن انحنيت لأقبّل شفتيكِ الجميلتين، هل ستسمحين لي؟"


تسارعت ضربات قلبي. ظللت أحدق فيه.


قلت لنفسي: ’ارفُضي.‘


’ارفُضي يا آفا. ادفعيه عنكِ.‘


كنت أعلم أن عليّ فعل ذلك، لكن لساني لم ينطق.


اقترب رأسه ببطء، حتى لامست شفتاه الناعمتان شفتَيّ.


لابد أن هناك خطبًا بي. فقد أغمضت عينيّ مع اندفاع المشاعر الملتهبة.


ذبت معه. كانت قبلته زلزالًا هز كياني. كدت أن أنهار على الأرض لولا ذراعه التي أحاطت بخصري.


هكذا كانت القبلة التي يصفها الكُتّاب بأنها "تزلزل الأرض."


تشبثت بمؤخرة رأسه، أعمّق القبلة. لم أشبع منه. حتى قُبلات إيثان لم تشعرني هكذا قط.


ضاع عقلي بين شفتيه. كان هذا ما حلمت به دومًا. كنت أريد أن يقبّلني روان كما لو أرادني، كما لو كنت كل شيء بالنسبة له. ما أردته كل مرة عاد فيها من العمل أو غادر في الصباح. ما أردته كل مرة عاشرني فيها، لكنني لم أحصل عليه أبدًا. لم يكن السبب أنني لم أحاول، بل لأنه لم يردني حقًا.


ارتطمت كلماته القديمة بذهني فجأة:

"لقد حاولتِ أن تكوني عاهرة جيدة لكنك لم تجيديها حتى. كل مرة كنت معك بحميمية، كنت أريد إيما، كنت أتخيلها معي. كل مرة نمت فيها معك، كان وجهها ما أراه. لم تكوني مميزة، كنتِ سهلة فاستعملتكِ… استعملتكِ كما تُستعمل العاهرات."


تجمدت. انتزعت نفسي من بين يديه، والكلمات تتردد في رأسي كسياط تعذبني. كما عذبتني يوم تفوّه بها أول مرة.


نظرت إليه وأنا ألهث.


قال في ارتباك: "آفا؟"


صرخت باكية: "كل مرة كنتَ تنام معي… كنتَ تريد إيما! كنتَ تتخيلها معك! لم أكن شيئًا مميزًا… فقط سهلة… واستعملتني مثل العاهرة!"


حاول أن يقترب وهو يهمس: "آفا…"


لكن دموعي حجبت رؤيتي.


قلت بصوت مرتجف: "هذا ما قلته لي… قلت إنني لم أكن إلا مضجعًا سهلاً، بديلًا لرغبتك في إيما."


لماذا ما زال يؤلمني؟ أهو لأنه قبّلني الآن كمن يريدني فعلًا، بينما الحقيقة أنه لم يهتم بي يومًا؟


قال متوسلًا: "اسمعيني، آفا، أرجوكِ."


لكنني لم أرَ إلا صورته وهو يمزق قلبي بتلك الكلمات.


قلت بصرامة: "غادر، يا روان."


رد بعناد: "لا. لن أغادر حتى تسمعيني."


صرخت: "أريد فقط أن تتركني وحدي! أريد أن أنسى أننا تبادلنا قبلة."


استدرت والتقطت مفاتيح سيارتي.


قال بقلق: "ماذا تفعلين؟"


أجبته: "إن لم تغادر أنت، فسأغادر أنا."


كنت على وشك الخروج حين استوقفني صوته:


"سأغادر. إن الوقت متأخر، ولا ينبغي أن تخرجي وحدكِ الآن."


وقفت صامتة بانتظار رحيله.


بدأ يخطو مبتعدًا، فتنفست الصعداء… لكنه توقف بجانبي، رفع ذقني برفق، وقبّل شفتيّ قبلة سريعة، ثم وضع قبلة على جبيني.


حدّقت فيه بغضب. لكنه اكتفى بابتسامة صغيرة قبل أن يغادر بهدوء.


ما إن سمعت صوت سيارته يبتعد حتى أغلقت بابي بإحكام، وصعدت مسرعة إلى غرفتي.

بدّلت ملابسي، ودخلت سريري، متوسلة عقلي المرهق أن يغفو.


لكنني ما زلت غير قادرة على تصديق أنني قبّلت روان. لقد كان شعورًا رائعًا 

بشكل مرعب.


إنه من السهل أن أستسلم لنسخته الجديدة هذه… لكنني لا أستطيع. لا أستطيع المخاطرة بأن يجرحني مجددًا. والجميع يعلم أن الشيء الوحيد الذي يجيده روان حقًا… هو إيذائي.



تعليقات

  1. تجنن الرواية كم لسا باقي على النهاية ؟

    ردحذف
  2. مسكينه افا بين الماضي والحاضر

    ردحذف

إرسال تعليق

شاركنا برأيك في التعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين ندم طليقي (الفصل الأول: وثيقة الطلاق)

ترجّلتُ من سيارتي وسرتُ ببطء نحو القصر. كانت يداي ترتجفان، وجسدي يتصبب عرقًا. ما زلتُ غير مصدقة أن الأمر قد انتهى. أنني أخيرًا تطلّقتُ منه. والدليل على ذلك كان في حقيبتي. جئت اليوم لأسلّمه الأوراق النهائية... ولأصطحب نوح. دخلتُ المنزل، وتتبعتُ أصواتًا هامسة، لكنني توقفتُ فجأة عند اقترابي من المطبخ. في تلك اللحظة، بات بإمكاني سماعها بوضوح، وما سمعته جمّد الدم في عروقي. "لا أفهم لماذا لا يمكنك العيش معي ومع أمي؟" سأل نوح والده بصوت بريء. وضعتُ يدي المرتجفتين على صدري، وقلبي يتألم من نبرة الحزن في صوته. كنتُ مستعدة لفعل أي شيء من أجله، لكن هذا الطلاق كان حتميًّا. زواجنا كان خطأ. كل ما جمعنا كان خطأ. فقط استغرقني وقتٌ لأدرك الحقيقة. "أنت تعرف السبب، نوح... لم نعد معًا، أنا ووالدتك." قالها بصوت خافت. من الغريب حقًا... طوال سنوات زواجنا، لم يحدث أن كلّمني بذلك اللين. كان صوته دائمًا باردًا، خاليًا من أي مشاعر، مسطحًا، جامدًا. "ولكن، لماذا؟" "هذه أمور تحدث أحيانًا..." تمتم بها. أستطيع أن أتخيل تعابير وجهه العابسة، محاولًا شرح الأمر لنوح كي لا يُكثر من ا...

حين ندم طليقي (الفصل الثاني: آسف لخسارتك والدك)

 "يجب أن أذهب... هل يمكنك البقاء مع نوح؟ لا أعلم كم من الوقت سأمكث هناك"، قلتُ بشرود بينما كنت ألتقط حقيبتي. "بالطبع... سأأتي حالما أطلب من والدتي أن تأتي لتبقى معه"، أجاب روان، لكن صوته تلاشى وسط طنين أذنيّ. لم أعد أعي ما يدور حولي بينما ودّعتُ ابني وغادرت. ركبتُ السيارة، وبدأتُ القيادة نحو المستشفى، وذهني غارق تمامًا في الذكريات. لقد نشأتُ في جوّ من الإهمال العاطفي، إن صح التعبير. كنتُ الطفلة التي لم يُبالِ بها أحد من والديّ. كان والدي يفضّل أختي الكبرى، إيما. كان يناديها دائمًا "أميرتي"، و"فتاتي الصغيرة". أما والدتي، فكان ابنها المفضل هو أخي الأكبر، ترافيس. كانت تراه الفتى الوسيم المدلل لديها. وأنا؟ لم أكن مفضّلة لدى أحد. كنت فقط آڤا. دائمًا ما شعرت أنني غير مرغوبة. دخيلة. ليس فقط من قِبل والديّ، بل من إخوتي أيضًا. مهما فعلت—تحصيل دراسي جيد، رياضات، أنشطة مدرسية—كنت دائمًا أقف على الهامش. أنظر من الخارج إلى الداخل، وكأنني أراقب عائلة سعيدة لا أنتمي إليها. وبعد ما حدث قبل تسع سنوات، انقطعت تمامًا العلاقة الهشة التي كانت تربطني بعائلتي. ترافيس ب...

حين ندم طليقي (الفصل الرابع: محطمة كلياً)

 هل شعرت يومًا وكأن قلبك وُضع داخل مفرمة لحم؟ هذا تمامًا ما أشعر به الآن وأنا أنظر إليهما. أشعر وكأن قلبي تمزّق إلى قطع صغيرة. لو كان بإمكاني أن أنزع هذا العضو عديم الفائدة وأرميه بعيدًا، لفعلت. لأن الألم الذي ينهشني الآن لا يمكن تصوره. أردت أن أهرب. أن أُبعد نظري، لكنني لم أستطع. كانت عيناي ملتصقتين بهما، وكلما حاولت أن أُدير وجهي، شعرت وكأنهما التصقتا بهذا المشهد المُفعم بالحب أمامي. أراقبهما وهما ينفصلان عن بعضهما. عينا روان تلينان وهو يحدّق في حبّ حياته. أشاهده وهو يضع كفيه على وجهها، يقربها منه... لا يُقبّلها، فقط يُسند جبهته على جبهتها. يبدو... مسالمًا. وكأنه أخيرًا عاد إلى منزله بعد غيابٍ طويل. وكأن روحه اكتملت أخيرًا. "اشتقتُ إليكِ" قرأتُ الكلمات وهي تتكوّن على شفتيه. لم أرغب في تخيّل ما كان سيحدث بينهما لو التقيا في ظروف مختلفة... لو التقيا ونحن لا نزال متزوجين. هل كان ليخونني معها؟ جزء مني يريد أن يرفض هذا الاحتمال، لكنني لست واثقة. نحن نتحدث عن إيما. روان قد يذهب إلى الجحيم ويعود من أجلهَا. غير قادرة على تحمّل المزيد، وقفتُ واندفعتُ إلى الخارج. ما إن وصلتُ حتى بدأت...