التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حين ندم طليقي (الفصل مئة وثلاثة: جانب كالڤن من القصة)

 

كالفن


انتظرت. انتظرت بصبر عودتها. لم أكن أعلم إلى أين ذهبت، لكن كان بوسعي أن أخمّن تخميناً جيداً. كانت غاضبة، وهذا أكثر ما فهمته. إن كان ثمة أحد غاضب ومتألم مما فعلته إيما، فهو أنا. لقد سبّبت لي ولـ"غَنر" أذىً أكثر مما أستطيع الاعتراف به يوماً.


سمعت صوت الباب يُفتح، لكني لم أتحرك. لم أكن متأكداً حتى مما أفعله هنا. الأولاد عندي في المنزل مع المربية. لكن لسبب ما شعرت أنه يجب أن أكون هنا.


توقفت آفا فجأة في مكانها وقالت:

"كال… لم أتوقع أنك ما زلت هنا."


كانت عيناها حمراوين متورمتين من البكاء، وهذا كان واضحاً. لم أجد الكلمات. لم يكن لدي أدنى فكرة عمّا ينبغي أن أقوله لها.


قلت بهدوء وأنا أراها تجلس:

"قررت أنني سأنتظرك… أين كنتِ؟"


كنت أعرف أين ذهبت بعد أن اكتشفت أنّ إيما هي والدة غَنر. ذلك كان منذ ساعات. لكن بعد ذلك لا أعلم أين مضت. مواجهة إيما لم تكن لتأخذ ثلاث ساعات كاملة.


همست:

"كنت بحاجة للتفكير… فقُدت السيارة بلا هدف. يا إلهي! هذا صعب عليّ جداً. ليس فقط لأني أحب غَنر كأنه ابني ويقتلني أن أراه يتألم، بل أيضاً لأني أرى نفسي فيه."


لم أكن أعرف الكثير عن آفا. كنتُ أكبر منها بسنتين في المدرسة. لم نكن أصدقاء في ذلك الوقت، ولم أعر أي اهتمام لفتاة ليست إيما. وحتى الآن، لم أعرف عنها الكثير. أبقيت نفسي مغلقاً؛ شعرت أن من الظلم أن أبحث في أعماق حياتها بينما لم أُخبرها بشيء عميق عن حياتي. كل ما أعلمه أن روان جرحها بشدة. كما فعلت إيما بي.


سألتها بفضول:

"لماذا؟"


قالت بصوت متردد:

"لأني عانيت المصير ذاته عندما كنت صغيرة. كنت غير مرغوبة. بالنسبة لي، كان الأمر أصعب، لأنني كنت غير مرغوبة من عائلتي ومن عائلة روان أيضاً. لم أفهم يوماً لماذا لم يحبوني. حاولت جاهدة أن أجعلهم يحبونني… لكنهم لم يفعلوا أبداً. بل ساء الأمر مع تقدمي في العمر."


لم أكن أعلم هذا عنها. على عكس أولئك الفتيان الذين كانوا يتقربون منها فقط ليقتربوا من إيما، لم أفعل ذلك. لطالما اعتبرت تلك الحيلة مقززة تماماً.


قلتُ متنهداً:

"أنا آسف يا آفا."


لم يكن ثمة ما أستطيع قوله لأواسيها. فأنا حتى لا أعرف كيف أواسي غَنر عندما يسأل عن إيما، فكيف لي أن أواسيها؟


ابتسمت بحزن وقالت:

"لا بأس… كان ذلك منذ زمن طويل، وأنا أتعافى شيئاً فشيئاً." ثم صمتت قليلاً وأضافت: "على أي حال، الأمر ليس عني. أريد أن أعرف الحقيقة. كيف أصبحت إيما أمّ غَنر؟"


تنهدت. لقد خشيت هذا السؤال. ليس لأني لا أريد أن أخبرها بما جرى، بل لأني لا أريد أن أتذكر تلك الذكريات المؤلمة.


بدأت قائلاً:

"حسناً، أنت تعلمين عن حبي لها منذ الثانوية."


هزت رأسها بالإيجاب:

"نعم بالتأكيد. الجميع كان يعرف ذلك، تماماً كما كانوا يعرفون أنني كنت أريد روان."


كان كل هذا معقداً للغاية. كلاينا حصلنا بطريقة ما على من أردنا… لكن في النهاية كان كابوساً. كلاينا انجرحنا بشدة. ربما كان علينا أن نبتعد عنهما. يبدو أن روان وإيما كانا مقدّرين لبعضهما، وأننا نحن عوقبنا لمجرد أننا اعترضنا طريق ذلك القدر.


قلت:

"لقد جربت كل شيء لأجعلها تلاحظني، لكنها لم تفعل أبداً. ولم يكن ذلك ممكناً حين كان عليّ أن أنافس روان. كما قلتِ عندما التقينا مجدداً، كنتُ ذلك الفتى الغريب، كال… لم يكن فيّ أي شيء جذاب."


قاطعتني بابتسامة صغيرة وقالت وهي تضحك بخفة:

"هل رأيت نفسك بالنظارات؟ أنت أشبه بخيال فتاة عن الأستاذ الوسيم أو أمين المكتبة الغامض. ربما تظهر في أحلام النساء."


ضحكت رغماً عن نفسي:

"ربما الآن، لكن ليس آنذاك. كانت إيما على الأرجح تشعر بالاشمئزاز مني. أعني، حتى أنا أعترف أنني كنت مريع الشكل وقتها. لم أكن لأواعد نفسي حتى."


واصلت:

"أنهينا الثانوية، وفي صيف ما قبل الجامعة، قررت أن أعمل على نفسي. تطلّب الأمر جهداً كبيراً، لكنني وصلت إلى النقطة التي أصبحت فيها فخوراً بمظهري. حتى أنني بدأت أرى نظرات الإعجاب من الفتيات."


كان ذلك أبرز ما في حياتي آنذاك. شعرت بالرضا. كان الأمر عظيماً بحق.


"دخلت الجامعة وواصلت تطوير نفسي حتى أصبحت بالكاد أُعرَف. انغمست في حياة الجامعة: الفتيات، الحفلات، الشراب. الحياة كانت رائعة. كان لديّ العديد من الخيارات بين الفتيات. ومع الوقت، بدأت أنسى إيما. لم يكن ثمة داعٍ للبكاء على فتاة لم تردني بينما بوسعي أن أحظى بغيرها."


أومأت آفا وكأنها تفهم. علمت أنها لم تعش حياة الجامعة كما يجب، ليس بعد أن حملت في سن الثامنة عشرة. لقد أصبحت أماً وزوجة، ولم يكن لديها وقت لتعيش كطالبة عادية بلا مسؤوليات. أما أنا، فقد حظيت بتلك التجربة قبل أن تعود إيما إلى حياتي.


قلتُ:

"كانت الأمور بخير، حتى أصيب جدي بسكتة دماغية وشُلّ. كان هو من ربّاني بعد أن توفي والداي في حادث. كان كل ما أملك. لم أعرف أي قريب آخر على قيد الحياة. لذلك نقلت جامعتي لأكون أقرب إليه. هكذا كان من الأسهل أن أعتني به."


اتسعت عينا آفا وهي تشير بإصبعها:

"لقد انتقلت إلى الجامعة نفسها التي كانا فيها، إيما وروان؟"


أجبت ببساطة:

"نعم. رأيتهما في الحرم، لكنني بقيت بعيداً. لم أرد المشاكل. كان لديّ ما يكفيني. لم يكن عندي وقت لعلاقات جادة سوى علاقات عابرة، وكان ذلك يناسبني تماماً. كنت قد أغلقت قلبي بعد رفض إيما المستمر لي. لم أعد مستعداً لأفتح قلبي لأي أحد."


”كنت لا أزال أحبها، وكان يؤلمني أن أراها مع روان كل يوم تقريباً، لكني تقبلت الأمر. هي ببساطة لا تريدني. ولم يكن بوسعي فعل شيء حيال ذلك.“


"مات جدي، وكان ذلك أصعب فترة في حياتي اللعينة. أخذت إجازة قصيرة من الجامعة، وعندما عدت، سمعت الخبر: الثنائي الأشهر في الجامعة انفصلا. لم أصدق، خصوصاً حين عرفت أن روان خان إيما. كان ذلك لا يُصدق بحق."


لم أتوقع ذلك أبداً. الجميع كان متأكداً من حبهما. متأكداً أنهما سيتزوجان. لم يتوقع أحد أن ينام روان مع فتاة أخرى.


"بعد ذلك عادت إيما شخصاً مختلفاً تماماً. كانت كالميتة من الداخل. في المرات القليلة التي خرجت فيها من سكنها، بدت كزومبي. أردت مواساتها، لكني كنت أعلم أنها لن تسمح لي بالاقتراب منها. كان الأمر محض صدفة أن شريكتي في أحد المشاريع كانت صديقتها المقرّبة وزميلتها في السكن: مولي."


نظرتُ إلى آفا، ورأيتها مأخوذة تماماً، كأنها لا تستطيع أن تُبعد عينيها عني.


قلت:

"حاولت أن أبقى بعيداً. لم أرد أن أكون إزعاجاً لها كما كنت في الثانوية. أدركت أن الحب لا يُفرض، وإيما بالتأكيد لم تحبني."


قالت آفا بحزن:

"أنت على حق. لو فقط أدركت ذلك مبكراً كما فعلتَ، لكنت وفّرت على نفسي الكثير من الألم."


أمسكتُ بيدها وضغطت عليها:

"لكن لم ينجح الأمر معي أيضاً… في يوم من الأيام، جاءت إيما فجأة إلى غرفتي الجامعية وقبّلتني. كان ذلك غير متوقع، لكنه كان أفضل قبلة في حياتي. ظننت أني أحلم حين طلبت مني أن أنام معها. لكنها أرادت ذلك فعلاً."


ما زلت أذكر ذلك اليوم كأنه الأمس. 

"نمتُ ليلتها معتقداً أن الأمر قد تحقق أخيراً. أنها لاحظتني أخيراً وأرادت بناء شيء معي. لكني كنت مخطئاً. في الصباح التالي استيقظت وهي تشعر بالقرف من نفسها. حاولت أن أحدثها، حاولت أن أخبرها أنني ما زلت أحبها، لكنها قالت إنها استخدمتني فقط لتنتقم من روان لأنه نام معكِ."


ذلك كان أول مرة أعرف فيها أن الفتاة التي نام معها روان وأوقعها في الحمل كانت آفا.


قلت بألم:

"لا يمكنكِ أن تتخيلي حجم الألم الذي شعرت به. تحطمت تماماً. أحببتها بكل كياني، ثم اكتشفت أنها لم تشعر بشيء. أنها استعملتني فقط. شعور الخيانة ذاك كاد يدمّرني. بقينا بعيدين عن بعضنا مجدداً… حتى أخبرتني أنها حامل."


”كنت خائفاً جداً. لم أعرف كيف أكون أباً. لم أقترب يوماً من الأطفال حتى. كان الأمر مرعباً، لكنني عرفت أنني أحببت الطفل بالفعل.“


"هي أرادت الإجهاض. لم أستطع أن أدع ذلك يحدث، فهددتها." أخذت نفساً عميقاً، أحسست بحلقي يضيق من كثرة المشاعر. "أخذتها إلى بيت جدي. كنت آمل أن يتحسن الوضع، أن تتعلم أن تحب الطفل… وربما تحبني. لكنني كنت مخطئاً."


"كانت جحيماً أعيش فيه. لن أكذب، كنا ما زلنا نمارس العلاقة أحياناً عندما تشاء، لكن ذلك لم يكن يُعوِّض عن الطريقة البشعة التي عاملتني بها. كانت تشتمني… وتلعن الطفل أيضاً."


نظرت إلى الأرض. حاولت أن أفهم أنها كانت تمر بالكثير: أنها حامل، مكسورة القلب، ما زالت تحب رجلاً آخر. لهذا تركتها تُخرج غضبها عليّ.


"كان الأمر صعباً. أردت أن أرحل مرات كثيرة، لكني كنت أتذكر طفلي. أحياناً كنت أتذكر لحظاتها اللطيفة، أو تلك الأوقات التي بكت فيها وتوسلت إليّ ألا أتركها. كنت مجروحاً أنا أيضاً، ومع ذلك كنت أحاول مساعدتها على تجاوز ألمها."


أمسكت آفا بيدي وضغطت عليها، تمنحني قوتها بينما شعرت أن قوتي تتلاشى.


"عندما وُلد غَنر، رفضت أن تراه. عادت باردة كالحجر. قالت لي إنها لا تريد أن تراه أبداً، ولا أن تراني. أخذت طفلي وغادرت المستشفى. لم أسمع منها شيئاً حتى سنة تقريباً."


سألت آفا:

"وماذا أرادت بعد ذلك؟"


لم أرغب أن أخبرها بهذا الجزء، لأنني أشعر بالخزي منه. بالخزي لأني سمحت لإيما أن تستغلني سنوات طويلة.


قلت متنهداً:

"المعاشرة. أرادت العلاقة الجسدية فقط. قالت إنها حاولت النوم مع رجال آخرين لكنها لم تستطع. كنت مثقلاً بأعباء الأبوة وحدي، فاستسلمت. كنت أحتاج للراحة. وفي الصباح غادرت كالعادة، من دون أن ترى ابنها أو حتى تقول وداعاً."


تابعت:

"واستمر الأمر هكذا لسنوات. كانت تأتي فقط لتقضي حاجتها وترحل. تركتها تفعل ذلك، لأنني كنت آمل أن تتغير، أن تحبني وتحبه… لكنها لم تكن تهتم إلا بما يمكن أن يمنحه لها جسدي."


شعرت بالغثيان وأنا أقول هذا. كنت متقززاً من نفسي أكثر مما تقززت منها. كرهتها لأنها آذتني، وكرهت نفسي لأني كنت ضعيفاً أمامها.


"في يوم من الأيام، كان غَنر في السابعة تقريباً، واستيقظ باكراً فرأى إيما تخرج من المنزل. سألني إن كانت هي أمه. لم أستطع أن أكذب عليه. أخبرته الحقيقة. فغضبت مني لأنها عرفت أني أخبرته، وغادرت دون أن تلقي عليه حتى التحية."


شعرت حينها بمرارة شديدة. بغض شديد تجاهها. لأنني كنت مضطراً أن أجمع شظايا قلب ابني المكسور.


"اتصلت بها ورجوتها أن تعطي علاقتها مع غَنر فرصة. لكنها رفضت. عندها قطعت علاقتي بها من أجل غَنر."


تنهدت:

"أردت بداية جديدة لي وله، لذلك انتقلنا إلى هنا، حيث وُلدتُ وترعرعتُ. أردت بداية جديدة معنا. لم أكن أعلم أنكِ ستكونين جارتي، أو أن إيما أيضاً ستعود إلى هنا."


ابتسمت آفا وقالت:

"أنا آسفة لكل ما مررت به، لكنني سعيدة لأنك أدركت قيمتك. أنت رجل عظيم، كال، وتستحق امرأة تحبك بصدق."


ابتسمت لها:

"شكراً يا آفا. وأنتِ أيضاً تستحقين العالم بعد ما مررتِ به مع روان."


عانقتها. ضممتها إلى صدري. شعرت بخفة في قلبي. كأن حملاً ثقيلاً قد أزيح عن كتفي.


لم أرد أن أخبرها بهذا، لكني كنت سعيداً حين اكتشفت أنها ستكون جارتي. كنت أريدها أن تعرف. كنت أريدها أن تخبر الجميع بالحقيقة. لأني سئمت من إيما وهي تُخفي ابني عن العالم. كنت سعيداً لأن الجميع الآن عرف أي امرأة هي حقاً.


تعليقات

إرسال تعليق

شاركنا برأيك في التعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين ندم طليقي (الفصل الأول: وثيقة الطلاق)

ترجّلتُ من سيارتي وسرتُ ببطء نحو القصر. كانت يداي ترتجفان، وجسدي يتصبب عرقًا. ما زلتُ غير مصدقة أن الأمر قد انتهى. أنني أخيرًا تطلّقتُ منه. والدليل على ذلك كان في حقيبتي. جئت اليوم لأسلّمه الأوراق النهائية... ولأصطحب نوح. دخلتُ المنزل، وتتبعتُ أصواتًا هامسة، لكنني توقفتُ فجأة عند اقترابي من المطبخ. في تلك اللحظة، بات بإمكاني سماعها بوضوح، وما سمعته جمّد الدم في عروقي. "لا أفهم لماذا لا يمكنك العيش معي ومع أمي؟" سأل نوح والده بصوت بريء. وضعتُ يدي المرتجفتين على صدري، وقلبي يتألم من نبرة الحزن في صوته. كنتُ مستعدة لفعل أي شيء من أجله، لكن هذا الطلاق كان حتميًّا. زواجنا كان خطأ. كل ما جمعنا كان خطأ. فقط استغرقني وقتٌ لأدرك الحقيقة. "أنت تعرف السبب، نوح... لم نعد معًا، أنا ووالدتك." قالها بصوت خافت. من الغريب حقًا... طوال سنوات زواجنا، لم يحدث أن كلّمني بذلك اللين. كان صوته دائمًا باردًا، خاليًا من أي مشاعر، مسطحًا، جامدًا. "ولكن، لماذا؟" "هذه أمور تحدث أحيانًا..." تمتم بها. أستطيع أن أتخيل تعابير وجهه العابسة، محاولًا شرح الأمر لنوح كي لا يُكثر من ا...

حين ندم طليقي (الفصل الثاني: آسف لخسارتك والدك)

 "يجب أن أذهب... هل يمكنك البقاء مع نوح؟ لا أعلم كم من الوقت سأمكث هناك"، قلتُ بشرود بينما كنت ألتقط حقيبتي. "بالطبع... سأأتي حالما أطلب من والدتي أن تأتي لتبقى معه"، أجاب روان، لكن صوته تلاشى وسط طنين أذنيّ. لم أعد أعي ما يدور حولي بينما ودّعتُ ابني وغادرت. ركبتُ السيارة، وبدأتُ القيادة نحو المستشفى، وذهني غارق تمامًا في الذكريات. لقد نشأتُ في جوّ من الإهمال العاطفي، إن صح التعبير. كنتُ الطفلة التي لم يُبالِ بها أحد من والديّ. كان والدي يفضّل أختي الكبرى، إيما. كان يناديها دائمًا "أميرتي"، و"فتاتي الصغيرة". أما والدتي، فكان ابنها المفضل هو أخي الأكبر، ترافيس. كانت تراه الفتى الوسيم المدلل لديها. وأنا؟ لم أكن مفضّلة لدى أحد. كنت فقط آڤا. دائمًا ما شعرت أنني غير مرغوبة. دخيلة. ليس فقط من قِبل والديّ، بل من إخوتي أيضًا. مهما فعلت—تحصيل دراسي جيد، رياضات، أنشطة مدرسية—كنت دائمًا أقف على الهامش. أنظر من الخارج إلى الداخل، وكأنني أراقب عائلة سعيدة لا أنتمي إليها. وبعد ما حدث قبل تسع سنوات، انقطعت تمامًا العلاقة الهشة التي كانت تربطني بعائلتي. ترافيس ب...

حين ندم طليقي (الفصل الرابع: محطمة كلياً)

 هل شعرت يومًا وكأن قلبك وُضع داخل مفرمة لحم؟ هذا تمامًا ما أشعر به الآن وأنا أنظر إليهما. أشعر وكأن قلبي تمزّق إلى قطع صغيرة. لو كان بإمكاني أن أنزع هذا العضو عديم الفائدة وأرميه بعيدًا، لفعلت. لأن الألم الذي ينهشني الآن لا يمكن تصوره. أردت أن أهرب. أن أُبعد نظري، لكنني لم أستطع. كانت عيناي ملتصقتين بهما، وكلما حاولت أن أُدير وجهي، شعرت وكأنهما التصقتا بهذا المشهد المُفعم بالحب أمامي. أراقبهما وهما ينفصلان عن بعضهما. عينا روان تلينان وهو يحدّق في حبّ حياته. أشاهده وهو يضع كفيه على وجهها، يقربها منه... لا يُقبّلها، فقط يُسند جبهته على جبهتها. يبدو... مسالمًا. وكأنه أخيرًا عاد إلى منزله بعد غيابٍ طويل. وكأن روحه اكتملت أخيرًا. "اشتقتُ إليكِ" قرأتُ الكلمات وهي تتكوّن على شفتيه. لم أرغب في تخيّل ما كان سيحدث بينهما لو التقيا في ظروف مختلفة... لو التقيا ونحن لا نزال متزوجين. هل كان ليخونني معها؟ جزء مني يريد أن يرفض هذا الاحتمال، لكنني لست واثقة. نحن نتحدث عن إيما. روان قد يذهب إلى الجحيم ويعود من أجلهَا. غير قادرة على تحمّل المزيد، وقفتُ واندفعتُ إلى الخارج. ما إن وصلتُ حتى بدأت...