الذين وُلدوا في النعمة والثراء يستطيعون بسهولة ملاحظة افتقار ويندي إلى الرقي، مهما اجتهدت في إرضائهم. كان جهدها بلا جدوى.
كلارا لم تكن تحب سيرينا، فكيف لها أن تحب ويندي؟
ما إن دخلت سيرينا حتى صبّت كلارا غضبها عليها قائلة باحتقار:
"يا لك من حمقاء! لا تستطيعين حتى السيطرة على رجلك، فتسمحين لعاهرة بالتجول في المنزل وكأنها السيدة!"
غريزياً، وقف زاك أمام ويندي ليحميها، وقال ببرود وحزم:
"ويندي ليست عاهرة، إنها صديقتي. من فضلك، انتبهي لكلماتك."
تذكرت سيرينا أول مرة جاءت فيها إلى منزل عائلة فوستر؛ قبل أن تطأ قدماها العتبة، كان زاك يكرر عليها التحذير: "تجنبي الدخول في صراع مع عائلتي، فكري في المستقبل."
كان الأمر منطقياً حينها، إذ لم يكن سوى ابن غير شرعي تم الاعتراف به على مضض.
أما الآن، فقد أصبح الوريث الشرعي الذي لا جدال فيه لعائلة فوستر. يملك القوة ليحمي من يشاء.
تشبثت أصابع ويندي بيد زاك بإحكام، وعيناها تلمعان بالإعجاب والرهبة، كأنها تحدّق في بطل خارق.
قالت بنبرة مرتجفة:
"زاك، أنا آسفة لأنني سببت لك المتاعب."
غمر زاك شعور بالرضا من كلماتها، لكن حين حوّل نظره نحو سيرينا، لم يرَ سوى ملامحها الهادئة التي يستحيل قراءة ما خلفها.
لقد دلّلها كثيراً حتى أصبحت عنيدة، لا تقبل المساومة أبداً. كلما غضبت، ارتدت ذلك القناع البارد الذي يغلقه خارج عالمها تماماً، ولا تتنازل حتى تحصل على ما تريد.
لكن هذا لم يكن المكان المناسب لتفجر غضبها. لم يكن ليسمح لها بفعل ما تشاء.
قال لها:
"رينا، ابقي هنا مع ويندي قليلاً. سأعود حالاً."
نزع يده من يد ويندي، ثم استدار وصعد إلى مكتب والده.
جلست كلارا على الأريكة بأناقة مصطنعة، بينما عيناها تشعان بالازدراء.
قالت ساخرة:
"سيرينا، لقد قللت من شأنك حقاً. لا بد أن صبرك خارق حتى تتحملي كل هذا لمجرد أن تصبحي زوجة زاك وتنضمي إلى عائلة فوستر."
لم تجد سيرينا أي فائدة في الرد، فاكتفت بقول:
"لابد أنك تمزحين يا سيدة فوستر. سأعد شيئاً للسيد فوستر الكبير."
ثم شمرت عن ساعديها واتجهت نحو المطبخ.
كان هذا بالنسبة لها مجرد لفتة شكر أخيرة، فبعد اليوم لن يكون بينها وبين عائلة فوستر أي علاقة.
تحركت ويندي لتلحق بها، لكنها ترددت في اللحظة الأخيرة. ومض شيء في عينيها وهي تعيد التفكير.
ستكون السيدة فوستر المستقبلية، والمطبخ مكان للخدم فقط. لا يليق بها أن تخطو إليه.
وبينما كانت سيرينا تقلي الطبق الثالث، دوّى صوت صفعة عالية من غرفة المعيشة، تبعها صراخ حاد من ويندي.
أسرعت سيرينا بالخروج وهي لا تزال تحمل الملعقة، لكن زاك كان أسرع منها؛ إذ اندفع من الطابق العلوي واحتضن ويندي المرتجفة.
قال بانفعال:
"سيدة فوستر، ماذا تفعلين؟"
كان كندريك يساعد والده نيل على النزول من الدرج، ووجهيهما يكسوهما الغضب.
رمت كلارا علبة هدايا على الأرض وقالت بازدراء:
"زاك، قد لا أكون أمك البيولوجية، لكنني ما زلت أكبر منك مقاماً. أحضرتَ ضيفة للعشاء، فاستقبلتها بترحاب. لكن ما معنى أن تُقدَّم لي إسورة مزيّفة كهدية؟! هل تسخر مني وتلمّح أنني لا أستحق لقب سيدة فوستر؟"
لم يكن زواج كندريك وكلارا أكثر من صفقة تجارية، فلم يكن بينهما حب. الأسوأ أن كلارا لم تُنجب له سوى ابنة، بينما أنجبت له عشيقته ولداً—زاك.
والآن، بعد أن أثبت زاك نفسه، واستلم إدارة مجموعة فوستر وأصبح المدير التنفيذي، كانت نساء الطبقة المخملية يسخرن من كلارا من وراء ظهرها، ويقلن إن سقوط لقبها كسيدة فوستر ليس إلا مسألة وقت.
وها هي ويندي تتجرأ وتهديها نسخة مقلدة كهدية! فكان غضبها مبرراً.
وجه ويندي كان متورماً من الصفعة، وهي ترتجف في حضن زاك، قائلة بخوف:
"زاك، أقسم أنني لم أفعل! تلك كانت الهدية التي منحتني إياها! اخترت الأغلى ثمناً، فكيف تكون مزيفة؟!"
كانت قد غمرتها السعادة بدعوة زاك لها إلى منزل فوستر، وأرادت أن تترك انطباعاً جيداً، فاختارت أجمل قطعة من صندوق مجوهراتها لتكسب رضا كلارا.
رمقت سيرينا الإسورة الزمردية المكسورة على الأرض. لقد رأت الحقيقية من قبل؛ كانت محفوظة في خزنة زاك—قطعة نادرة فاز بها في مزاد، مع تاجٍ مطابق لها. يومها أخبرها أنه يحتفظ بهما ليوم زفافهما.
لكن بطريقة ما، أعطاها لويندي.
أما التي على الأرض فكانت بوضوح مزيفة.
فجأة استدار زاك نحو سيرينا، والريبة تومض في عينيه:
"هل عبثتِ بصندوق مجوهرات ويندي؟"
تجمدت سيرينا، وقبل أن ترد، انفجرت ويندي باكية:
"سيرينا، لقد دفعتِ رسوم جامعتي، وعرّفتِني على زاك. لطالما كنت ممتنة لك! لم أمانع أن أشاركك كل ما أملك. لو أعجبتك الإسورة، كان يمكنك أخذها... لماذا استبدلتِها بمزيفة؟!"
اشتعل غضب سيرينا:
"زاك، هل تصدق أنني فعلت هذا؟!"
لكنه تجاهلها، ملامحه جامدة وهو يربّت على ظهر ويندي بحنان.
"كفى." ثم نظر إلى سيرينا ببرود:
"الجد جائع. قدمي الطعام."
كان واضحاً—لقد صدّق ويندي.
ضحكت سيرينا بسخرية وقالت:
"إذن اتصل بالشرطة. هذه الإسورة ثمنها كافٍ لفتح قضية."
اسودّت ملامح زاك.
غير أن صوت الجد نيل قطع التوتر:
"سيرينا، اجلسي بجانبي."
لم تستطع أن تخالفه، فاتجهت بهدوء لتساعده على الجلوس في غرفة الطعام.
أحضر الخدم الطعام بسرعة، وكل طبق أعدّته سيرينا وُضع أمام الجد. ابتسم قائلاً:
"أنت دائماً تهتمين بي يا سيرينا. تعرفين بالضبط ما أشتهيه."
ساد بعض الهدوء، لكن ويندي لم تفوّت الفرصة؛ رفعت كأس المشروب قائلة بوجه متصنّع:
"السيد فوستر الكبير، سيدة فوستر... أنا آسفة. كل هذا خطئي. أرجو أن تسمحوا لي بالاعتذار."
كانت على وشك الشرب حين أمسك زاك بمعصمها:
"هل نسيتِ ما قاله الطبيب؟ لا يمكنك شرب المشروب."
اغرورقت عيناها بالدموع وهي تنظر إليه:
"لكنني ما زلت أشعر بالذنب."
رفع زاك عينيه نحو سيرينا وقال آمراً:
"رينا، اشربي كأساً بدلاً عن ويندي. ولنطوي الصفحة."
كان يتحدث كملك يأمر رعيته، تجسيداً لسلطة وريث فوستر المستقبلي.
سخرت سيرينا في نفسها، وضعت الملعقة جانباً وقالت ببرود:
"معدتي تؤلمني. لا أستطيع الشرب."
تجمدت ملامح زاك. تذكّر كيف ذكرت له ألم معدتها الليلة السابقة. عادت إلى ذهنه تحذيرات الأطباء التي كان قد نسيها، فأحس بشيء من الذنب يلسعه.
لكن قبل أن يقول شيئاً، رفعت ويندي الكأس وشربت المشروب دفعة واحدة. سرعان ما تهاوت في حضن زاك، تسعل بعنف.
قالت بصوت مبحوح:
"زاك، أنا بخير. طالما أنك لست غاضباً، فلا يهمني ما يحدث لي."
أسرع زاك يطلب إحضار حساء عشبي لها، وعلامات القلق تكسو وجهه. ثم نظر إلى سيرينا وقال معاتباً:
"أما كان بإمكانك أن تتحملي قليلاً هذه المرة؟"
لو أنها صبرت فقط، لانتهى الأمر. لم يفهم لماذا تصر دائماً على إثارة المشاكل في بيت عائلة فوستر.
لقد حذّرها من قبل.
فوالده كان يضغط عليه ليتزوج وريثة ثرية، لكنه قاوم كل ذلك وحمى سيرينا. كان عليها أن تكون أكثر تفهماً.
شعرت سيرينا وكأن كلماته تمزق قلبها إرباً.
في الماضي، ضحّت بكل شيء من أجل مستقبله، اندفعت بلا تردد. والآن، كل ما تناله هو أن يطلب منها أن "تتحمل".
قالت في سرها: ’ولماذا يجب أن أتحمل؟‘
ردّت بحدة:
"زاك، أنا لم أكن من يوزع الهدايا سراً ويتسبب بكل هذه الفوضى، ولم أكن من أصرّ على الشرب ليجعل الأمر أضحوكة أكبر. هل أنت أعمى أم أصم؟"
لم يتوقع أن ترد عليه بهذه الطريقة أمام عائلته. اسودّ وجهه في الحال.
ضحكت كلارا بسخرية، لتقطع آخر خيط في صبره.
لقد لمست أضعف نقطة في داخله، أكثر ما يخجله—إذلال كونه الابن غير الشرعي.
تعليقات
إرسال تعليق
شاركنا برأيك في التعليقات