التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حين ندم طليقي (الفصل المئة وثمانية: ملاحظة أخرى)

آفا

لم أستطع إخراج تلك الرسالة اللعينة من رأسي. كل ما أفكر فيه هو هي.

كنت أريد أن أصدق أنها مجرد مزحة سخيفة، لكنني لست متأكدة من ذلك. ليس مع ذلك الشعور السيئ الذي ينتابني كلما قرأتها.

فكرت في الإبلاغ، لكنني لا أريد أن أضخم الأمر. إنها مجرد رسالة واحدة. ماذا لو كان كال على حق واتضح أنها مجرد مزحة غبية؟

رن هاتفي فأنتفضت. وضعت الممسحة جانبًا وألتقطه. عندما رأيت اسم روان يومض على الشاشة، كدت أغلق الخط في وجهه، لكنني لم أفعل.

"مرحبًا." أُجبرت صوتي أن يبدو خاليًا من المشاعر.

"مرحبًا، كيف حالك؟" سأل بنبرة مترددة قليلًا.

أقسم أنني لن أعتاد أبدًا على هذه النسخة من روان. إنها مختلفة عنه تمامًا. وكأنه استيقظ يومًا ما ليصبح شخصًا آخر. إن كان قد تغيّر فعلًا، فسيستغرق الأمر وقتًا لأعتاد عليه.

"هل تحتاج شيئًا؟"

"نعم. أردت فقط أن أخبرك أنني سأذهب في رحلة عمل لبضعة أيام"، قال بهدوء مما جعلني أشعر ببعض الحيرة.

"اممم، حسنًا، إذًا تريدني أن أخبر نوح؟"

كان نوح في المدرسة. سيشعر بخيبة أمل لأنه لا يحب سفر روان، لكنه سيتفهم الأمر رغم ذلك.

توقف روان قليلًا قبل أن يجيب. "هو يعلم بالفعل، لكنني أردت أن تعرفي أنت أيضًا."

أُصبت ببعض الذهول. لم يكن روان يخبرني أبدًا عندما كان يسافر في رحلات عمل. كان يغادر صباحًا ولا يعود. وبينما كنت فالسابق أعدّ له الطعام، كان نوح هو من يخبرني أن روان لن يعود. كان يخبر ابننا، وليس أنا.

كان ذلك قلة احترام. لكنه لم يهتم بذلك قط. كان يعلم أن الأمر يؤلمني في كل مرة يفعلها، ولهذا استمر في فعله.

"لا أرى حقًا كيف أن هذا يخصني، روان. أنا لست زوجتك ولا وصيّتك." حاولت أن أبقي نبرتي حادة، لكن الأمر كان صعب.

في هذه الأيام، كلما فعل شيئًا لطيفًا، يذكرني بعكس ما كان يفعله سابقًا. من الصعب نسيان أو تجاوز الذكريات المحفورة في ذهني.

"أعلم، لكنني ظننت أنه من باب اللياقة أن أخبرك"، قال ببطء وحذر، وكأنه يتعامل مع حيوان مفترس غير متوقع.

رغمًا عني، أطلقت شخيرًا ساخرًا. "لياقة؟ لقد كنت تفتقر إليها عندما كنا متزوجين، لذا لا أرى الحاجة لها الآن."

ساد الصمت بيننا لبرهة قبل أن أتحدث مجددًا.

"تعرف ماذا؟ لا يهم، لأنني لا أريد أن أتشاجر معك."

تنهد روان. "ولا أنا." ثم توقف قليلًا. "اسمعي، طائرتي جاهزة، لكن عندما أعود، يجب أن نتحدث. هناك شيء عليّ أن أخبرك به، إنه مهم."

أثار فضولي فورًا. "ألا يمكنك إخباري الآن؟"

"لا. هذا شيء يجب أن أخبرك به وجهًا لوجه."

من طباعي أنني أكره الانتظار. عندما يخبرني أحدهم بشيء كهذا ويجعلني أنتظر، فإنه يربكني بشدة. سأقضي الوقت كله في التفكير الزائد واختلاق سيناريوهات قد لا تكون صحيحة.

"ألا يمكنك فقط أن تخبرني؟ أنا أكره الانتظار."

"أعلم، لكن سيتعين عليك الانتظار هذه المرة...." توقف فجأة، ثم سمعت أصواتًا أخرى من جانبه. "يجب أن أذهب. اعتني بنفسك، آڨا. سنتحدث عندما أعود."

قبل أن أقول أي شيء، انقطع الخط. تأوهت بإحباط. ’تباً. ماذا يريد أن يخبرني؟‘

"آفا!" صوت ينادي بإسمي أخرجني من شرودي.

تنهدت باستسلام. الآن سأبقى في حالة غريبة حتى يخبرني روان بما يريد التحدث عنه.

"في المطبخ!" أجبت بصوت عال.

سمعت خطواته قبل أن يدخل المطبخ. لا أعلم إن كان هذا مجرد إحساس مني، ولكن كال يبدو… متوترًا.

"ما الأمر؟ تنادي باسمي وكأن نهاية العالم قد حلت." قلت له عندما لاحظت أنه لم ينطق بكلمة بعد.

كانت عيناه متسعتين وكأنه اكتشف شيئًا عظيمًا. حدقت فيه. كان يرتدي سترة وبنطالًا رياضيين. في البداية أستغربت لماذا لم يذهب إلى العمل، ثم تذكرت أن اليوم إجازته.

"كال؟" ناديته مجددا.

هز رأسه. "آه، آسف. لا أعلم إن كان الوقت مبكرًا، لكنني أردت أن أسألك شيئًا."

الآن روان يريد التحدث عن شيء، وكال يريد أن يسألني عن شيء. من طريقة تململه، أعلم أنني على الأرجح لن أحب ما سيقوله.

"حسنًا، تفضل."

صمت قليلًا قبل أن يأخذ نفسًا عميقًا ثم استأنف.

"أريد أن أطلب منك الخروج في موعد."

"ماذا؟" ثلعثمت وأنا أحدق فيه بعينين واسعتين.

هل سمعت جيدًا؟ هذا مستحيل. لا يمكن أن يكون قد طلب مني ذلك. نحن مجرد أصدقاء.

"هلا تخرجين معي في موعد؟" سأل مرة أخرى، هذه المرة بصوت أوضح. "أعلم أنه ربما مبكر جدًا، لكنني أعتقد أن هذا سيكون للأفضل. يمكننا مساعدة بعضنا البعض على تجاوز آلام الماضي. سيكون الأمر سهلًا لأننا نفهم بعضنا...."

أستمررت في التحديق به. عقلي يرفض العمل. بالتأكيد هو أيضا يرى أن فكرته غير منطقية، وأنا لا أقول هذا بدافع القسوة. هو يقترح أساسًا أن نكون علاقة تعويضية لبعضنا، وهذه العلاقات لا تنتهي بشكل جيد. مطلقاً.

"قولي شيئًا، من فضلك يا آفا"، توسل عندما لاحظ أنني لم أنطق بكلمة.

نظرت إلى الأرض قبل أن أرفع عيني إليه، محاوِلة إيجاد رد مناسب لا يؤذيه.

"أنت رجل رائع حقًا يا كالفن، وأي امرأة ستكون محظوظة بالخروج معك..." بدأت بالقول.

"لكن؟" حثّني.

"لكنني لا أعتقد أن هذه فكرة جيدة." تنهدت. "أولًا، كلانا خرج للتو من علاقات لم نتعافَ منها بعد. المرة الوحيدة التي حاولت فيها بعد طلاقي من روان انتهى بي الأمر حاملًا من رجل كان يخدعني بينما يحاول قتلي. وأخيرًا، رغم غضبك من إيما، أستطيع أن أرى أنك ما زلت تحبها. لقد وقعت في حب رجل كان يحب إيما، وكاد روان يدمرني في النهاية. لن أكرر هذا الخطأ."

انكمش كالفن صامتًا. شعرت بالسوء لأنني حطمت أمله، لكن الدخول في علاقة معه بينما لا يزال يحب إيما سيقود حتمًا إلى كارثة. أنا أحتاج إلى السلام، لا إلى الوقوع في حب رجل آخر يحب إيما.

"أنتِ محقة. أنا آسف"، قال بهدوء قبل أن يستدير ويغادر عبر الباب الخلفي.

"كالفن!" ناديته، ولكنه لم يجبني.

نبعته بسرعه ولكنني وجدتن قد عبر بالفعل إلى الجانب الآخر من الفناء. تنهدت وعدت إلى الداخل، وفي تلك اللحظة رن جرس الباب الأمامي.

خرجت من المطبخ وأتجهت إلى الممر، وكل ذلك وأنا أشعر بإحساس غريب بالتكرار...

عندما فتحت الباب، لم أجد أحدًا. فقط رسالة أخرى.

ألتقطها وفتحتها. كانت ملطخة بما أعتقد أنه دم، لكن الكلمات كانت واضحة جدا:

[الوقت ينفد يا آفا. هل ودّعتِ أحبّاءكِ؟]

سقطت الرسالة من بين أصابعي وأنا أشعر برعب وأنظر إليها وكأنني أريدها أن تختفي. الآن أنا متأكدة أن هذا ليس مزاحًا. 

هناك من يستهدفني مجددًا؛ السؤال الوحيد هو: من… ولماذا؟

تعليقات

إرسال تعليق

شاركنا برأيك في التعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين ندم طليقي (الفصل الأول: وثيقة الطلاق)

ترجّلتُ من سيارتي وسرتُ ببطء نحو القصر. كانت يداي ترتجفان، وجسدي يتصبب عرقًا. ما زلتُ غير مصدقة أن الأمر قد انتهى. أنني أخيرًا تطلّقتُ منه. والدليل على ذلك كان في حقيبتي. جئت اليوم لأسلّمه الأوراق النهائية... ولأصطحب نوح. دخلتُ المنزل، وتتبعتُ أصواتًا هامسة، لكنني توقفتُ فجأة عند اقترابي من المطبخ. في تلك اللحظة، بات بإمكاني سماعها بوضوح، وما سمعته جمّد الدم في عروقي. "لا أفهم لماذا لا يمكنك العيش معي ومع أمي؟" سأل نوح والده بصوت بريء. وضعتُ يدي المرتجفتين على صدري، وقلبي يتألم من نبرة الحزن في صوته. كنتُ مستعدة لفعل أي شيء من أجله، لكن هذا الطلاق كان حتميًّا. زواجنا كان خطأ. كل ما جمعنا كان خطأ. فقط استغرقني وقتٌ لأدرك الحقيقة. "أنت تعرف السبب، نوح... لم نعد معًا، أنا ووالدتك." قالها بصوت خافت. من الغريب حقًا... طوال سنوات زواجنا، لم يحدث أن كلّمني بذلك اللين. كان صوته دائمًا باردًا، خاليًا من أي مشاعر، مسطحًا، جامدًا. "ولكن، لماذا؟" "هذه أمور تحدث أحيانًا..." تمتم بها. أستطيع أن أتخيل تعابير وجهه العابسة، محاولًا شرح الأمر لنوح كي لا يُكثر من ا...

حين ندم طليقي (الفصل الثاني: آسف لخسارتك والدك)

 "يجب أن أذهب... هل يمكنك البقاء مع نوح؟ لا أعلم كم من الوقت سأمكث هناك"، قلتُ بشرود بينما كنت ألتقط حقيبتي. "بالطبع... سأأتي حالما أطلب من والدتي أن تأتي لتبقى معه"، أجاب روان، لكن صوته تلاشى وسط طنين أذنيّ. لم أعد أعي ما يدور حولي بينما ودّعتُ ابني وغادرت. ركبتُ السيارة، وبدأتُ القيادة نحو المستشفى، وذهني غارق تمامًا في الذكريات. لقد نشأتُ في جوّ من الإهمال العاطفي، إن صح التعبير. كنتُ الطفلة التي لم يُبالِ بها أحد من والديّ. كان والدي يفضّل أختي الكبرى، إيما. كان يناديها دائمًا "أميرتي"، و"فتاتي الصغيرة". أما والدتي، فكان ابنها المفضل هو أخي الأكبر، ترافيس. كانت تراه الفتى الوسيم المدلل لديها. وأنا؟ لم أكن مفضّلة لدى أحد. كنت فقط آڤا. دائمًا ما شعرت أنني غير مرغوبة. دخيلة. ليس فقط من قِبل والديّ، بل من إخوتي أيضًا. مهما فعلت—تحصيل دراسي جيد، رياضات، أنشطة مدرسية—كنت دائمًا أقف على الهامش. أنظر من الخارج إلى الداخل، وكأنني أراقب عائلة سعيدة لا أنتمي إليها. وبعد ما حدث قبل تسع سنوات، انقطعت تمامًا العلاقة الهشة التي كانت تربطني بعائلتي. ترافيس ب...

حين ندم طليقي (الفصل الرابع: محطمة كلياً)

 هل شعرت يومًا وكأن قلبك وُضع داخل مفرمة لحم؟ هذا تمامًا ما أشعر به الآن وأنا أنظر إليهما. أشعر وكأن قلبي تمزّق إلى قطع صغيرة. لو كان بإمكاني أن أنزع هذا العضو عديم الفائدة وأرميه بعيدًا، لفعلت. لأن الألم الذي ينهشني الآن لا يمكن تصوره. أردت أن أهرب. أن أُبعد نظري، لكنني لم أستطع. كانت عيناي ملتصقتين بهما، وكلما حاولت أن أُدير وجهي، شعرت وكأنهما التصقتا بهذا المشهد المُفعم بالحب أمامي. أراقبهما وهما ينفصلان عن بعضهما. عينا روان تلينان وهو يحدّق في حبّ حياته. أشاهده وهو يضع كفيه على وجهها، يقربها منه... لا يُقبّلها، فقط يُسند جبهته على جبهتها. يبدو... مسالمًا. وكأنه أخيرًا عاد إلى منزله بعد غيابٍ طويل. وكأن روحه اكتملت أخيرًا. "اشتقتُ إليكِ" قرأتُ الكلمات وهي تتكوّن على شفتيه. لم أرغب في تخيّل ما كان سيحدث بينهما لو التقيا في ظروف مختلفة... لو التقيا ونحن لا نزال متزوجين. هل كان ليخونني معها؟ جزء مني يريد أن يرفض هذا الاحتمال، لكنني لست واثقة. نحن نتحدث عن إيما. روان قد يذهب إلى الجحيم ويعود من أجلهَا. غير قادرة على تحمّل المزيد، وقفتُ واندفعتُ إلى الخارج. ما إن وصلتُ حتى بدأت...