روان
"سيدي؟ هل هناك شيء تودّ أن أجلبه لك من المطعم؟" سألتني سكرتيرتي، لكنني واصلت التحديق خارج نافذة مكتبي.
كان المنظر رائعًا حقًا. كان أحد الأسباب التي جعلتني أختاره، لكن اليوم لم يمنحني السكينة التي اعتدت عليها.
"لا. ليس اليوم"، أجبتها دون أن أنظر إليها.
"حسنًا إذًا، سأعود بعد ثلاثين دقيقة."
لم أردّ عليها، وبعد بضع ثوانٍ سمعت صوت الباب يُغلق. تنهدت بإحباط. لسببٍ ما، كان ذلك الشعور بالنذير المشؤوم يلازمني. كان يحيطني على شكل موجات، واليوم أكثر من الأيام السابقة.
لم أكن أعلم ما هو، لكن قلبي كان قلقًا. لم أستطع أن أهدأ، ولم أستطع أن أركّز إطلاقًا. كان الأمر وكأن روحي تحاول أن تخبرني بشيء، لكنني لم أستطع فهمه.
حاولت تشتيت نفسي، ففكرت في آفا وحديثنا. كنت أفهمها. اللعنة، كنت أفهم ترددها تمامًا. لقد قضيت أكثر من عشر سنوات أرسّخ في ذهنها أن إيما هي المرأة الوحيدة التي سأحبها إلى الأبد.
فعلت كل ما بوسعي لأُظهر لها كم كنت لا أهتم بها. قضيت تسع سنوات أعاقبها على شيء لم يكن بيدها. غرست في عقلها أنني أكرهها بكل ذرة في كياني.
فكيف يمكنني الآن أن أستدير وأدّعي أنني أحبها؟
كان الأمر محبطًا للغاية، لكنني كنت أفهمها. أفهم ترددها في تصديقي. لو انعكست الأدوار، لما صدّقت بسهولة أيضًا.
وبعيدًا عن كل ذلك، كان عليّ أن آخذ بعين الاعتبار الألم الذي سبّبته لها. تسع سنوات من الألم وسوء المعاملة ليست شيئًا يمكن تجاوزه في يوم أو أسبوع. بل ربما سيستغرق الأمر سنوات لتلتئم الجروح التي تسببتُ بها.
ستبقى الندوب معها، ومع حجم الضرر الذي ألحقته بها، لم أستطع إلا أن أتساءل إن كانت ستسامحني يومًا.
كنت أريدها. أردتها في حياتي. أردت أن أبني حياة معها. كنت أشتاق إلى ذلك أكثر من أي شيء، لكن إن لم تقبل بي مجددًا، فليكن. لن ألوم أحدًا سوى نفسي. سيكون ذلك كفّارتي عن الألم الذي تسببت به على مر السنين.
حاولت التركيز عليها، على وجهها الجميل، وعلى الطرق التي يمكنني بها أن أجعلها تعود إليّ، لكنني لم أشعر بهذا الشعور من قبل. لم أشعر بهذا الإحساس الذي لا يتزعزع بأن شيئًا سيئًا على وشك الحدوث. حاولت طمأنة نفسي، لكن ذلك لم ينجح. وقفت وبدأت أذرع الغرفة ذهابًا وإيابًا. شعرت بتوتر شديد، وكأنني أفقد صوابي.
مررت يدي في شعري، ربما أفسدته، لكنني لم أهتم. ليس وأنا أشعر وكأن قلبي يُعصر بقبضةٍ محكمة.
شغّلت التلفاز. ربما سماع أصوات الآخرين سيساعدني على الهدوء. كان ذلك أفضل من الاستماع إلى أفكاري المشوشة والمضطربة التي كانت تربكني بشدة.
لا أعلم كم من الوقت بقيت أتجول في الغرفة عندما فُتح الباب. التفتّ لأجد غايب. بدا وكأن الجحيم قد تجمّد. كان يتنفس بصعوبة، وعيناه محتقنتان بالدماء، وكان القلق والألم واضحين فيهما.
توقفت في مكاني.
اللعنة.
أخي عادةً ما يكون متماسكًا ولا يهتز بسهولة. نحن نتشارك هذه الصفة كتوءمين. إذا بدا على هذه الحال، فلا بد أن هناك أمرًا خطيرًا.
"ما الأمر؟" سألت، بينما تسارع نبض قلبي.
اللعنة، هل أصاب شيء والدينا؟ ربما نوح؟
"رو..." بدأ، لكنه لم يُكمل. كان صوته ممتزجًا بالألم.
"تبًا يا غايب، أخبرني ماذا حدث. هل الأمر يتعلق بأمي أو أبي؟"
رأيته يبتلع ريقه قبل أن تتركز عيناه عليّ.
"إنها آفا"، قال أخيرًا.
كنت على وشك أن أسأله ما الذي حدث لآفا، عندما سمعت صوتًا غريبًا يذكر اسمها. بدأت ألتفت نحو التلفاز.
"أرجوك، روان... لا تشاهد، ركّز معي"، ترجاني أخي، لكنني لم أعره انتباهًا.
كنت بحاجة لمعرفة ما الذي يقوله المراسلون عنها.
خبر عاجل.
كانت العناوين مكتوبة بخط عريض وكبير.
"وصلنا الآن: تعرّضت إحدى أفراد عائلة شارب ومؤسسة مؤسسة الأمل لإطلاق نار من قبل مجهولين اليوم. لا نزال نجهل حالتها، لكن المسلح أطلق النار فيما يبدو أنه استهداف مباشر لها. الفيديو الذي ستشاهدونه قد يكون مزعجًا للبعض."
شعرت بركبتيّ تضعفان، لكن لا شيء كان يمكن أن يهيئني لرؤية المرأة التي أحب تُطلق عليها النار عدة مرات.
أظهر الفيديو آفا وهي تخرج من متجر لبيع المثلجات. كانت عيناها منخفضتين، وعلى وجهها عبوس خفيف. التقط من صوّر الفيديو سيارة سوداء رباعية الدفع بنوافذ مظللة تندفع نحوها بسرعة. وقبل أن تمرّ بها، فتح شخص ملثم النافذة قليلًا بما يكفي لإخراج السلاح، ثم أطلق عدة طلقات. اندفعت السيارة مبتعدة، تاركة آفا تسقط أرضًا في بركة من دمائها.
انتهى الفيديو، وعادت المذيعة للظهور.
"لم نتمكن بعد من تحديد سبب استهداف هؤلاء المجرمين لامرأة حامل، لكن تابعونا لمعرفة المزيد."
تابعت الحديث عن الأضرار التي لحقت بالمحل وإصابة شخصين آخرين، لكن ذلك لم يكن يعني لي شيئًا. كان تركيزي كله على آفا. لم أستطع محو صورة جسدها الملقى بلا حراك وسط دمائها من ذهني.
"روان؟" سمعت صوته، لكنه لم يصلني.
لم يعد أي شيء يصل إلى عقلي. شعرت بأنني محطم تمامًا. شعرت بالضياع. كان قلبي محطّمًا إلى قطع صغيرة. كيف لي أن أعيش إن حدث لها شيء؟
"رو..."
لمسة يده على كتفي أعادتني إلى الواقع.
"يجب أن أذهب إليها... يجب أن أراها"، قلت بصعوبة وسط موجات المشاعر التي كانت تخنقني.
لم أنتظر لأسمع ما سيقوله، فقد خرجت مسرعًا من مكتبي. اندفعت في الممر نحو المصعد الخاص. كان الموظفون ينظرون إليّ بدهشة. ربما بدوت كمجنون، لكنني لم أعبأ.
قفزت إلى المصعد وضغطت زر الطابق السفلي. ازدادت حاجتي لرؤيتها مع كل نبضة في قلبي.
وصلت إلى موقف السيارات تحت الأرض واندفعت مباشرة نحو المكان المخصص. كانت سيارتي هناك، وكذلك سيارة غايب.
حاولت فتح الأبواب، لكن يدي كانت ترتجف بشدة. لم أستطع إيقاف ارتعاشها مهما حاولت.
سقطت المفاتيح من يدي، مما زاد من إحباطي.
"تبًا!" صرخت، وأنا أركل الإطار غضبًا وخوفًا وإحباطًا.
انحنيت والتقطت المفاتيح، وتمكنت أخيرًا من فتح الأبواب. وضعت يدي على المقبض، على وشك فتحه، عندما أوقفتني يد.
استدرت غاضبًا، على وشك الانفجار، لكن صوته أوقفني.
"لن أسمح لك بالقيادة وأنت بهذه الحالة"، قال وهو يمد يده. "أعطني المفاتيح، سأقود بك إلى المستشفى."
انهرت قليلًا وسلمته المفاتيح. كان محقًا. لم أكن في حالة ذهنية تسمح لي بالقيادة. آخر ما يحتاجه نوح هو أن ينتهي به الأمر مع كلا والديه في المستشفى.
جلست في السيارة، وبدأ غايب القيادة، بينما كنت أدعو طوال الطريق أن تكون آفا بخير... لأنني لا أعلم كيف يمكنني أن أعيش إن فقدتها.
🥺🥺🥺💔
ردحذف👏👏👏👏👏
ردحذف