"يجب أن أذهب... هل يمكنك البقاء مع نوح؟ لا أعلم كم من الوقت سأمكث هناك"، قلتُ بشرود بينما كنت ألتقط حقيبتي.
"بالطبع... سأأتي حالما أطلب من والدتي أن تأتي لتبقى معه"، أجاب روان، لكن صوته تلاشى وسط طنين أذنيّ.
لم أعد أعي ما يدور حولي بينما ودّعتُ ابني وغادرت. ركبتُ السيارة، وبدأتُ القيادة نحو المستشفى، وذهني غارق تمامًا في الذكريات.
لقد نشأتُ في جوّ من الإهمال العاطفي، إن صح التعبير. كنتُ الطفلة التي لم يُبالِ بها أحد من والديّ. كان والدي يفضّل أختي الكبرى، إيما. كان يناديها دائمًا "أميرتي"، و"فتاتي الصغيرة". أما والدتي، فكان ابنها المفضل هو أخي الأكبر، ترافيس. كانت تراه الفتى الوسيم المدلل لديها.
وأنا؟ لم أكن مفضّلة لدى أحد. كنت فقط آڤا.
دائمًا ما شعرت أنني غير مرغوبة. دخيلة. ليس فقط من قِبل والديّ، بل من إخوتي أيضًا. مهما فعلت—تحصيل دراسي جيد، رياضات، أنشطة مدرسية—كنت دائمًا أقف على الهامش. أنظر من الخارج إلى الداخل، وكأنني أراقب عائلة سعيدة لا أنتمي إليها.
وبعد ما حدث قبل تسع سنوات، انقطعت تمامًا العلاقة الهشة التي كانت تربطني بعائلتي. ترافيس بالكاد يتحدث إلي، ووالدي كان يتعمّد تجاهلي تمامًا. حتى والدتي، لم تكن مختلفة كثيرًا. لم تكن تتصل أو تتحدث معي إلا إذا كان لديها أمرٌ مهم لتبلّغني به.
أما أختي... فكان الأمر مختلفًا تمامًا.
لم نلتقِ أو نتحدث منذ تسع سنوات. كانت آخر كلمات قالتها لي: "أنتِ ميتة بالنسبة لي. لم أعد أملك أختًا."
وها أنا الآن... أقود سيارتي نحو المستشفى بعد أن أُصيب والدي بطلق ناري، وكل ما أشعر به هو الجمود.
رغم كل ما حدث... أليس من المفترض أن أشعر بشيء؟ ربما بالحزن؟
ما الذي يُفترض بك أن تشعر به عندما يُقال لك إن الوالد الذي نبذك طوال حياتك يرقد الآن على سرير المستشفى مصابًا برصاصة؟ كيف يُفترض بي أن أتصرف؟ وهل من الغريب أنني لا أشعر بشيء على الإطلاق؟
الطريق إلى المستشفى كان مليئًا بالتأملات. فكرت في طفولتي، بل وحتى في جزء من شبابي. الألم ما زال موجودًا. لا أظن أن ألم الرفض من عائلتي سيزول يومًا.
هذه أنا... امرأة مرفوضة. أول من رفضني كان عائلتي، ثم زوجي، ثم أهل زوجي. الوحيد الذي قبلني كما أنا، وأحبني بلا شروط، هو نوح.
لم يستغرق الوصول إلى المستشفى وقتًا طويلاً. فهناك مستشفى رئيسي واحد في هذه المدينة، وكنت متأكدة أنه نُقل إليه.
ركنت سيارتي، وترجلت منها. الهواء البارد في المساء عبث بخصلات شعري. أخذت نفسًا عميقًا، وعدّلت من وقفتي، ثم دخلت المبنى.
"أبحث عن جيمس شارب، أظنه نُقل إلى هنا مصابًا بطلق ناري"، قلت لموظفة الاستقبال عندما وصلت إلى المكتب الأمامي.
"ما صلتك به؟" سألتني.
"إنه والدي."
أومأت برأسها. "أمهليني لحظة." توقفت قليلًا وهي تطبع شيئًا على جهاز الحاسوب أمامها. ثم قالت: "حسنًا، هو الآن في قسم الطوارئ، يتم تجهيزه للجراحة. تابعي السير مباشرة، وستجدين باب الطوارئ في نهاية الممر. عائلتك هناك."
"شكرًا."
استدرتُ وسرتُ باتجاه الممر كما أرشدتني. وكان قلبي يدقّ بقوة مع كل خطوة أخطوها.
"سيكون بخير... سيتعافى ويعود إلى طبيعته"، همستُ لنفسي.
رغم كل الخلافات، كنت أتمنى له السلامة. قد لا تربطني به علاقة حقيقية، لكنه يحب نوح، وهذا وحده يكفي بالنسبة لي.
دفعتُ باب الطوارئ ودخلت. وعلى الفور، وقع بصري على أمي وترافيس جالسَين على أحد مقاعد الانتظار. تماسكتُ وتقدّمت نحوهما.
"أمي، ترافيس..." قلت بهدوء وأنا أحييهما.
رفعا أعينهما نحوي. كانت عينا أمي محمرّتين من كثرة البكاء، وفستانها الأزرق الصيفي مغطّى ببقع دم. أما ترافيس، فعيناه جافتان، لكن من السهل أن تلاحظ كم هو متأثّر بالأمر. كان يحاول أن يتمالك نفسه من أجل والدتنا.
جلستُ إلى جوارها. "ماذا حدث؟ وكيف حاله الآن؟"
سؤالي كان كافيًا ليتفجّر معها البكاء من جديد.
"أُصيب برصاصتين وهما في طريق عودته من المتجر، أمام منزلنا مباشرة. اتصلتُ بالإسعاف فورًا، ونقلناه إلى هنا. الأطباء قالوا إن إحدى الرصاصات اخترقت الرئة، والأخرى أصابت الكِلية. وهم الآن يجهزونه للعملية"، تكلّمت بصوت مرتجف، وانكسرت عبارتها في النهاية.
أومأت برأسي في صمت. رغبتُ في مواساتها... في احتضانها... لكنني أعلم أن لمستي لن تكون موضع ترحيب.
"لا تقلقي، والدي أقوى رجل عرفته في حياتي... سيكون بخير"، قلت محاولة أن أطمئنها.
لكنها لم تجب. فقط واصلت البكاء.
بعد دقائق، أخرجوا والدي من غرفة الطوارئ. كان يرتدي ثوب المستشفى، مستلقيًا على السرير المتحرك. نهض ترافيس وأمي على الفور، وأسرعا نحوه.
أما أنا، فبقيت جالسة. كنت أعلم أن آخر وجه يرغب والدي في رؤيته هو وجهي. لو خُيّر، لاختار رؤية إيما.
راقبت المشهد بصمت. أمي تبكي فوقه، ويده المرتجفة تحاول مسح دموعها، لكنها لا تتوقف. قال شيئًا لترافيس، فأومأ هذا الأخير برأسه وعيناه تلمعان بعزيمة حازمة. وقبل أن يدفعوا السرير مبتعدين، ناول والدي أمي ورقة ما.
دموع جديدة انسابت من عينيها بمجرد أن أمسكت بها.
قبّلت جبينه، ثم انطلق السرير بعيدًا عبر الممر.
عادت أمي وترافيس إلى المقاعد وجلسا في صمت. لم يتحدث أحد منا، وبدأنا الانتظار الطويل.
نهضت... مشيت قليلاً... ثم عدت للجلوس. أحضرت لهم القهوة. وكلما مرت دقيقة، ازداد توتري وتوترهم. وبعد حوالي ساعتين ونصف، خرج الطبيب إلى غرفة الانتظار.
من النظرة الجادة على وجهه، عرفت أنه لم ينجُ. أمي أدركت الشيء نفسه، إذ بدأت تنتفض شهقاتها فجأة.
"تعرّض لنوبة قلبية خلال العملية، بذلنا كل ما في وسعنا... لكننا لم نتمكن من إنقاذه. أنا آسف لخسارتكم"، قالها الطبيب بنبرة حزينة.
الصوت الذي خرج من فم أمي كان أشبه بعواء، صوت بدائي مليء بالألم والفقد. ترافيس أمسك بها قبل أن تنهار، ثم جلسا معًا على الأرض، يتشاركان البكاء والخذلان.
كان والدي قد مات... وكنت أعلم أن ذلك يعني شيئًا واحدًا: إيما ستعود.
*******
**هل عودة إيما ستفتح جراح قديمة أو تكشف أسرارًا صادمة؟
لا تنسو الاشتراك ومتابعة المدونة ليصلكم كل جديد ♥️
ولتلقي تنبيه فور نزول فصل جديد الرجاء متابعة 👇🏻
روايات رومانسية - Romance Novel
لا تفوّتوا الفصل القادم... الحكاية بدأت الآن فقط! ✨
شاركوني توقعاتكم في التعليقات
👇
وتيرة الرواية مشوقة
ردحذفشكلها حلو وكاني اقرأ عن حكاية مصرية كمليها وشكرا لك
ردحذفجدا جميل استمري
ردحذف