التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصبحت خادمة في قصر الشرير (الفصل الحادي عشر: الصفعة)

 



"ستعيشين!" 


قال الطبيب وهو ينظر لها بنظرات غريبة.


"هل لديكِ خلفية في الطب؟ هل عملتِ في التمريض؟" قال الطبيب بابتسامة.


هنا أدركت سيسيليا أنها تمادت، ربما الأمور التي ذكرتها تكون بديهية في العالم الأصلي ويعلمها حتى الأطفال؛ ولكن هنا الوضع مختلف تماماً.


"أووه لا.. ليس لدي فقط سمعت هذه المصطلحات من طبيب ما وكنت أحلم بأن أكون طبيبة" ابتسمت لتخفي ارتباكها.


قال وهو ينظف الجرح: "جرحك ليس عميق ولكنه يحتاج للعلاج حتى لا يلتهب"


بعد أن أكمل الطبيب الوسيم عمله أوصى لها ببعض الأمور وخرج.


"إنكِ محظوظة أيتها الفتاة.. هذا طبيب الملوك وصادف وجوده اليوم هنا!"


قالت هيلين وهي تمسح على شعر سيسيليا، ثم أسندتها لتقف وغادرا القصر ليعودا لقصر أدريان.


**


لم تستطع سيسيليا النوم ذلك اليوم ولم يكن بسبب الألم؛ بل بسبب التفكير، وضعت أصابعها على شفتيها وأغمضت عينيها.


’ما الذي جعلني أوقف ما كان سيحدث بينه وبين الأميرة؟ لما هاجمتني كل تلك المشاعر؟ أيعقل إنني...‘


"ما هذا الجنووون!؟" صرخت سيسيليا وهي تنكث شعرها بيديها.


"آآآه.." ثم صاحت بسبب ألم جرحها. 


تقلبت طويلاً في فراشها حتى غلبها النعاس وأخيراً..


**


في صباح اليوم التالي؛


استيقظ أدريان والصداع يكاد يفتك برأسه من شدة الألم، أرتدى سترة على السريع واتجه نحو المطبخ حتى يطلب من الطباخة هيلين أن تصنع له شايها المعالج الذي تبرع فيه.


كان القصر ليس كبيراً ولكنه يشعر بالراحة فيه على عكس قصر والده المملوء بالمؤامرات.


"صباح الخير، هيلين"


"صباح الخير يا بني، عشرة دقائق وسيكون الإفطار جاهز"


نظر في الأرجاء بعينيه يبحث عن سيسيليا.


"أممم.. وأين سيسيليا؟ ألا تقوم بمساعدتك؟ أذا كانت مقصرة في عملها لا يجب أن تتستري عليها وعليك أن تخبريني"


قال ذلك ليبرر سؤاله الغير مبرر عنها.


سكبت هيلين الماء في الإبريق وقالت:


"لا أبداً.. منذ أن أتت للقصر وقد خف الحمل عني"


وانهمكت مجددا في تجهيز الأكواب، فعقد يديه على صدره وقال:

"إذا!!"


التفتت هيلين بغير فهم.


فقال بعد أن رفع حاجبه بنفاذ صبر:


"أين سيسيليا؟"


"أووه.. يا للمسكينة لقد تعرضت لحادث ليلة البارحة في الحفل، وقد أصيبت وطلب منها الطبيب أن تلتزم السرير ليومين"


"حقاً؟"


 ثم فجأة داهمته صورة لسيسيليا وهما تحت الشجرة فأمسك رأسه.


"هل ازداد الألم؟ سيجهز الشاي بعد لحظات" قالت هيلين باهتمام.


 "أحضريه لغرفة الجلوس عندما يجهز"


وقف أمام المرآة الكبيرة في غرفة الجلوس ولاحظ الخدوش التي في رقبته، لامسها بأصبعه:


"ما الذي فعلته أنا البارحة فالصورة مشوشة في عقلي!"


"تفضل سيدي" قالت هيلين وهي تضع الشاي على الطاولة.


سمعوا أصوات حديث عالية في الرواق خارج غرفة الجلوس.


"ما الأمر؟"


قال الحارس نيكولاي وهو يدخل للغرفة:


"سيدي أدريان إن الطبيب سايكس هنا.. لقد أتى بنفسه ليشاهد حالة الخادمة سيسيليا!"


رفع أدريان حاجبه باستغراب:

"إممم.. دعه يذهب لغرفتها"


كان أمراً غريباً جداً بأن يهتم طبيب الملك والنبلاء بالقدوم شخصيا ورؤية حالة الخادمة.


اتجه أدريان مباشرة لغرفة سيسيليا بعد أن خرج نيكولاي، عندما وصل وجد أن الطبيب الشاب يتحدث إليها.


"كيف تشعرين اليوم؟" قال الطبيب.


"لقد تحسنت، شكراً لك"


"حسنا.. اكشفي لي عن الجرح لأشاهد حالته اليوم"


"حسنا"


"أووه.. ليس سيء.. جرحك يلتئم بسرعة"


كان أدريان يراقب حركات الطبيب وهو يتفحص جرح سيسيليا من أمام الباب بصمت.


"هل لكِ أن تطلعيني عن سبب هذه الإصابة؟ فلا أعتقد أن سببها أنكِ سقطتي أو لم تشاهدي شجرة ضخمة أمامك لدرجة أن الغصن يغيص في جنبك!"


ابتلعت سيسيليا ريقها وقد التقت عينيها مع عيني أدريان الذي كان ينظر لها بنظرات غريبة، فلم تعرف إن كان قد تذكر ما حدث البارحة.


"لا أعلم ماذا تقصد أيها الطبيب.. أنا فقط كنت أجمع الكؤوس من جانب ولي العهد في الحديقة ولم أشاهد جذع الشجرة فارتطمت قدمي به وسقطت عليها"


ربت الطبيب على شعرها وهو يقول: "حسناً كما تقولين"


"هل إصابتها سيئة؟" 


قال أدريان فالتفت إليه كل من في الغرفة، انحنى الطبيب وقال:

 "مرحبا سيدي الدوق أدريان.. على العكس ستشفى سريعاً فبنيتها قوية"


"حسناً.. شكراً لك أيها الطبيب للاهتمام بخادمتي والحضور خصيصاً من أجلها"


احمر وجه الطبيب وقال:


"العفو سيدي.. أستأذن"


"نيكولاي! أوصل الطبيب لعربته"


وفور أن خرجوا أغلق أدريان الباب وعاد إلى سسيليا التي أصبح قلبها يعصف، ثم امسك بذراعها بقوة آلمتها وقال:


"ما الذي حدث البارحة!؟"


"ألا تذكر شيء؟"


رفع حاجبه وهو لا يزال يضغط بقوة على ذراعها:


"لا تدعي البراءة سيسيليا.. إن كان شيء مما في بالي قد حدث فعلا سوف أتأكد من نفيي لكِ بنفسي"


’لقد غيرت إحدى مجريات الرواية الرئيسية ومنعت نفيه.. هل هذا يعني إنني أنا التي سيتم نفيي عوضاً عنه؟‘ فكرت سيسيليا.


ثم التمعت عينيها وفكرت: ’لن أسمح بأن أكون ضحية.. لن أسمح له بنفيي‘


"وما الذي من الممكن أن يحدث ها؟"


 قالت وقد كانت في عينيها تحدي له مما زاد من غضبه، فهي للآن لم تشاهد وجهه البشع الحقيقي.

ضغط بشكل أقوى على ذراعها واقترب من وجهها حتى كاد يلتصق وجهه بوجهها.


"أرجوك سيدي أنت تؤلمني"

 

"لدي بعض الذكريات المشوشة في عقلي.. فلا تنكري أن هناك شيء حدث البارحة.. فإن إنكارك يثبت إنكِ تخططين لشيء ما!"


"لقد حاولت تقبيلي ومنعتك!"


وبطريقة مفاجئة نزع يده من ذراعها ليصفعها صفعة قوية سقطت للخلف على وسادتها من إثرها.


عم الصمت بينهما قليلاً، فالتفت أدريان وهو يعطيها بظهره وقال قبل أ يخرج:


"سوف أحقق بطرقي في الأمر، وإن كنت متواطئة مع زوجة أبي لتحرجيني أمام الجميع.. فتأكدي أنكِ ستكونين كبش الفداء"


وما إن خرج أدريان حتى ركضت سيسيليا نحو النافذة وهي تمسك جرحها بألم.


بعد مراقبة النافذة لمدة بسيطة شاهدته وهو يغادر القصر مع نيكولاي، اسرعت نحو المطبخ.


"سيسيليا! عزيزتي يجب أن ترتاحي هذا اليوم" قالت هيلين وهي تشاهد وجه سيسيليا المصفر.


"إن الدوقة أرسلت في طلبي مع الطبيب، عليّ أن أذهب لمقابلتها في القصر، يبدوا أنهم يحتاجون للمساعدة في التنظيف"


"ولكن انتِ مصابة"


"لا يهم.. إن عاد سيدي أدريان أخبريه إنني ذهبت للقصر الرئيسي من أجل مساعدتهم"


ثم اتجهت مسرعة نحو اسطبل الخيول وامتطت الخيل المعتادة عليه قبل أن يراها سائس الخيول.


"هااي.. إلى أين تذهبين" 


صاح السائس ولكنها لم تلتفت إليه حتى.


’عليّا أن أبطل مخططات الدوقة، لقد عرفت الجاسوسة التي كنت قد وضعتها في الرواية والتي تراقب أدريان لصالح الدوقة.. إنها أنا.. لقد دخلت في شخصية الخادمة التي أرسلتها الدوقة من أجل تتبع أدريان وإرسال أخباره إليها‘


"سوف أغير كل هذا.. أدريان" 


صاحت سيسيليا وهي تسرع بالحصان نحو القصر الرئيسي للدوق وتتجاهل الألم القوي الذي تشعر به.


ربطت الحصان في الخارج ودخلت من بوابة القصر وكلها إصرار وعزيمة لتصليح كل ما أفسدته.


"سيدتي الدوقة! هل لي بكلمة معكِ على انفراد"


 قالت سيسيليا وهي تنحني أمام الدوقة الجالسة في مجلسها مع نبيلات المجتمع.


____

الفصل السابق

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين ندم طليقي (الفصل الأول: وثيقة الطلاق)

ترجّلتُ من سيارتي وسرتُ ببطء نحو القصر. كانت يداي ترتجفان، وجسدي يتصبب عرقًا. ما زلتُ غير مصدقة أن الأمر قد انتهى. أنني أخيرًا تطلّقتُ منه. والدليل على ذلك كان في حقيبتي. جئت اليوم لأسلّمه الأوراق النهائية... ولأصطحب نوح. دخلتُ المنزل، وتتبعتُ أصواتًا هامسة، لكنني توقفتُ فجأة عند اقترابي من المطبخ. في تلك اللحظة، بات بإمكاني سماعها بوضوح، وما سمعته جمّد الدم في عروقي. "لا أفهم لماذا لا يمكنك العيش معي ومع أمي؟" سأل نوح والده بصوت بريء. وضعتُ يدي المرتجفتين على صدري، وقلبي يتألم من نبرة الحزن في صوته. كنتُ مستعدة لفعل أي شيء من أجله، لكن هذا الطلاق كان حتميًّا. زواجنا كان خطأ. كل ما جمعنا كان خطأ. فقط استغرقني وقتٌ لأدرك الحقيقة. "أنت تعرف السبب، نوح... لم نعد معًا، أنا ووالدتك." قالها بصوت خافت. من الغريب حقًا... طوال سنوات زواجنا، لم يحدث أن كلّمني بذلك اللين. كان صوته دائمًا باردًا، خاليًا من أي مشاعر، مسطحًا، جامدًا. "ولكن، لماذا؟" "هذه أمور تحدث أحيانًا..." تمتم بها. أستطيع أن أتخيل تعابير وجهه العابسة، محاولًا شرح الأمر لنوح كي لا يُكثر من ا...

حين ندم طليقي (الفصل الثاني: آسف لخسارتك والدك)

 "يجب أن أذهب... هل يمكنك البقاء مع نوح؟ لا أعلم كم من الوقت سأمكث هناك"، قلتُ بشرود بينما كنت ألتقط حقيبتي. "بالطبع... سأأتي حالما أطلب من والدتي أن تأتي لتبقى معه"، أجاب روان، لكن صوته تلاشى وسط طنين أذنيّ. لم أعد أعي ما يدور حولي بينما ودّعتُ ابني وغادرت. ركبتُ السيارة، وبدأتُ القيادة نحو المستشفى، وذهني غارق تمامًا في الذكريات. لقد نشأتُ في جوّ من الإهمال العاطفي، إن صح التعبير. كنتُ الطفلة التي لم يُبالِ بها أحد من والديّ. كان والدي يفضّل أختي الكبرى، إيما. كان يناديها دائمًا "أميرتي"، و"فتاتي الصغيرة". أما والدتي، فكان ابنها المفضل هو أخي الأكبر، ترافيس. كانت تراه الفتى الوسيم المدلل لديها. وأنا؟ لم أكن مفضّلة لدى أحد. كنت فقط آڤا. دائمًا ما شعرت أنني غير مرغوبة. دخيلة. ليس فقط من قِبل والديّ، بل من إخوتي أيضًا. مهما فعلت—تحصيل دراسي جيد، رياضات، أنشطة مدرسية—كنت دائمًا أقف على الهامش. أنظر من الخارج إلى الداخل، وكأنني أراقب عائلة سعيدة لا أنتمي إليها. وبعد ما حدث قبل تسع سنوات، انقطعت تمامًا العلاقة الهشة التي كانت تربطني بعائلتي. ترافيس ب...

حين ندم طليقي (الفصل الرابع: محطمة كلياً)

 هل شعرت يومًا وكأن قلبك وُضع داخل مفرمة لحم؟ هذا تمامًا ما أشعر به الآن وأنا أنظر إليهما. أشعر وكأن قلبي تمزّق إلى قطع صغيرة. لو كان بإمكاني أن أنزع هذا العضو عديم الفائدة وأرميه بعيدًا، لفعلت. لأن الألم الذي ينهشني الآن لا يمكن تصوره. أردت أن أهرب. أن أُبعد نظري، لكنني لم أستطع. كانت عيناي ملتصقتين بهما، وكلما حاولت أن أُدير وجهي، شعرت وكأنهما التصقتا بهذا المشهد المُفعم بالحب أمامي. أراقبهما وهما ينفصلان عن بعضهما. عينا روان تلينان وهو يحدّق في حبّ حياته. أشاهده وهو يضع كفيه على وجهها، يقربها منه... لا يُقبّلها، فقط يُسند جبهته على جبهتها. يبدو... مسالمًا. وكأنه أخيرًا عاد إلى منزله بعد غيابٍ طويل. وكأن روحه اكتملت أخيرًا. "اشتقتُ إليكِ" قرأتُ الكلمات وهي تتكوّن على شفتيه. لم أرغب في تخيّل ما كان سيحدث بينهما لو التقيا في ظروف مختلفة... لو التقيا ونحن لا نزال متزوجين. هل كان ليخونني معها؟ جزء مني يريد أن يرفض هذا الاحتمال، لكنني لست واثقة. نحن نتحدث عن إيما. روان قد يذهب إلى الجحيم ويعود من أجلهَا. غير قادرة على تحمّل المزيد، وقفتُ واندفعتُ إلى الخارج. ما إن وصلتُ حتى بدأت...