التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حين ندم طليقي (الفصل المئة وواحد وعشرون)

 

حدّقتُ بها، غير متأكدٍ إن كان ما أراه حلمًا أم حقيقة. كانت عيناها شاردتين وهي تتفحّص الغرفة، قبل أن تستقرّا أخيرًا عليّ.

لابدّ أنني بدوتُ كالأحمق، فاغر الفم وأنا أحدّق بها. أعلم أنني دعوتُ لمعجزة، وتوسّلتُ لها أن تستيقظ. والآن بعد أن حدث ذلك أخيرًا، بدا الأمر كله غير واقعي.

قالت بحيرة:

"روان؟ ما الأمر؟"

"اللعنة يا آفا، لقد استيقظتِ!" صرختُ بفرح، مما أفزعها.

جذبتُها إلى صدري وعانقتها بقوة. كان الشعور رائعًا… رائعًا للغاية أن أراها بعينيها مفتوحتين. كلّ ما بداخلي كان يصرخ فرحًا. كنتُ سعيدًا، مذهولًا، مسحورًا.

قالت بصوتٍ مكتوم:

"ولِمَ لا أكون كذلك؟"

أبعدتُها قليلًا وحدّقتُ بها. لم أصدق عينيّ. لم أصدق المعجزة التي حدثت.

قبل دقائق فقط، كنتُ قد بلغتُ أقصى حدودي. كان الطبيب قد أخبرنا أن نفكّر في خيار التخلي عنها… وها هي الآن، تتنفس، وعيناها مفتوحتان، ومستيقظة تمامًا. لقد كانت معجزة حقيقية.

عانقتها مرة أخرى لأثبت لنفسي أنني لستُ أحلم. أردتُ أن أحفظ هذه اللحظة كنعمة. غمر الدمع عينيّ وتركته ينساب. اللعنة… نوح سيكون سعيدًا للغاية.

بل الجميع سيكون كذلك. لقد انتظرنا هذه اللحظة ثلاثة أشهر كاملة. دعونا كل يوم أن تستيقظ.

كانت الحياة بدونها قاتمة، كأننا غرقنا جميعًا في أحزاننا بلا أي شعاع نور. والآن وقد استيقظت، يمكن لكل شيء أن يعود إلى مكانه. لم أعد مضطرًا للقلق على نوح أو آيريس، فلديهما والدتهما الآن. لا أحد يمكنه أن يحبّهما أو يعتني بهما كما تفعل آفا.

همست بخوف:

"أنت تُخيفني يا روان."

قبّلتُ خدّها ومسحتُ دموعي. "أنا فقط سعيد بعودتك… بعودتك إليّ… إلينا."

مرّرتُ يدي على خدّيها الناعمين. لقد مرّت ثلاثة أشهر، فالتأمت جراحها. المكان الذي حُلِق فيه شعرها لخياطة جمجمتها عاد ونما من جديد. لم يعد أحد يستطيع أن يخمّن ما مرّت به.

سألت وهي تتحسس جبيني:

"هل أنت بخير؟ تتصرف بشكلٍ غريب."

ضحكتُ من أعماقي. لم أضحك منذ أسابيع. كان شعورًا رائعًا أن تعود.

"أنا بخير تمامًا الآن، ما دامت تلك العينان الجميلتان مفتوحتين." ولم أستطع منع نفسي من تقبيلها مجددًا.

حدّقت بي وكأنها تحاول فهم شيء ما. انتقلت نظراتها من عينيّ إلى شفتيّ، ثم عادت إليّ. هزّت رأسها كأنها تحاول إزالة ضبابٍ ما، ونظرت إليّ كأنها تراني لأول مرة.

كان ذلك يجب أن يكون إشارة على أن هناك خطبًا ما… لكنني كنتُ سعيدًا أكثر من أن ألاحظ.

ضغطتُ على يدها مبتسمًا:

"دعيني أستدعي الطبيب."

"انتظر!" صاحت قبل أن أغادر.

اقتربت من حافة السرير محاولةً الإمساك بإبريق الماء على الطاولة الجانبية، فسارعتُ لمساعدتها عندما رأيتُ يديها ترتجفان.

سكبتُ لها الماء وساعدتها على الشرب. لم يخطر ببالي أنها لا بدّ أن تكون عطشى بعد استيقاظها من غيبوبة طويلة.

بعد أن انتهت، نظرت إليّ وعبوسٌ يعلو وجهها:

"ماذا يحدث يا روان؟ لماذا أنا في المستشفى؟"

قلت وأنا أمسك يدها:

"لقد أُصبتِ برصاصة… هل تتذكرين ذلك؟"

هزّت رأسها:

"لا."

تنهدت. قرأتُ من قبل أن فقدان الذاكرة أمر وارد مع إصابات الدماغ.

قبّلتُ يدها ونهضت.

نظرت إليّ بريبة، كأنها لا تفهم لماذا أقبّلها أو أتصرف بلطف معها. وكان ذلك يجب أن يكون الإشارة الثانية على أن هناك خطبًا ما.

"سأجلب الطبيب ليشرح لكِ كل شيء، حسنًا؟"

أومأت برأسها. استدرتُ وكدتُ أصطدم بالممرضة روزا.

قلتُ بسعادة:

"كنتُ على وشك الذهاب للطبيب. آفا استيقظت."

نظرت إليّ كأنني مجنون، ثم نظرت خلفي. وما إن رأت آفا حتى اتسعت عيناها.

"يا إلهي! سأحضر الدكتور تشارلز فورًا." وغادرت مسرعة.

عدتُ إلى آفا وجلستُ بجانبها، لا أزال غير مصدّق أنها استيقظت.

سألت بعد لحظة:

"لماذا بدت الممرضة مصدومة لرؤيتي مستيقظة؟"

"لأنكِ كنتِ في غيبوبة."

"ماذا؟ حقًا؟"

"نعم. لقد كنتِ فاقدة الوعي لمدة ثلاثة أشهر."

اتسعت عيناها أكثر، وفتح فمها بدهشة. حاولت التحدث لكنها لم تستطع.

"كيف هذا ممكن؟" قالت بقلق متصاعد. "أنا لا أتذكر أنني أُصبت برصاصة… فكيف أستيقظ فجأة في المستشفى وتقول لي إنني كنت في غيبوبة لثلاثة أشهر كاملة؟!"

ارتفع صوتها في النهاية، وبدأ صدرها يعلو ويهبط بسرعة، وازداد ارتجافها، وتحولت ملامحها إلى ذعر واضح.

قلتُ بهدوء:

"خذي نفسًا عميقًا يا آفا."

فعلت.

"ما آخر شيء تتذكرينه؟"

قبل أن تجيب، اندفع الباب بقوة، ودخلت نورا وثيو وروزا والدكتور تشارلز.

امتلأت عينا نورا بالدموع، وقبل أن يتمكن أحد من إيقافها، اندفعت نحو آفا وعانقتها.

لكن الذعر الذي كان قد هدأ، عاد أقوى من قبل. عبست آفا ودَفعت والدتها بعيدًا.

صرخت:

"من أنتِ بحق الله؟!"

اللعنة… كان هناك خطبٌ ما بالفعل.

تعليقات

  1. 🫣🫣🫣

    ردحذف
  2. لااا الي خقت منه صار فقدت الذاكرة 😔😔😔😔😔

    ردحذف

إرسال تعليق

شاركنا برأيك في التعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين ندم طليقي (الفصل الأول: وثيقة الطلاق)

ترجّلتُ من سيارتي وسرتُ ببطء نحو القصر. كانت يداي ترتجفان، وجسدي يتصبب عرقًا. ما زلتُ غير مصدقة أن الأمر قد انتهى. أنني أخيرًا تطلّقتُ منه. والدليل على ذلك كان في حقيبتي. جئت اليوم لأسلّمه الأوراق النهائية... ولأصطحب نوح. دخلتُ المنزل، وتتبعتُ أصواتًا هامسة، لكنني توقفتُ فجأة عند اقترابي من المطبخ. في تلك اللحظة، بات بإمكاني سماعها بوضوح، وما سمعته جمّد الدم في عروقي. "لا أفهم لماذا لا يمكنك العيش معي ومع أمي؟" سأل نوح والده بصوت بريء. وضعتُ يدي المرتجفتين على صدري، وقلبي يتألم من نبرة الحزن في صوته. كنتُ مستعدة لفعل أي شيء من أجله، لكن هذا الطلاق كان حتميًّا. زواجنا كان خطأ. كل ما جمعنا كان خطأ. فقط استغرقني وقتٌ لأدرك الحقيقة. "أنت تعرف السبب، نوح... لم نعد معًا، أنا ووالدتك." قالها بصوت خافت. من الغريب حقًا... طوال سنوات زواجنا، لم يحدث أن كلّمني بذلك اللين. كان صوته دائمًا باردًا، خاليًا من أي مشاعر، مسطحًا، جامدًا. "ولكن، لماذا؟" "هذه أمور تحدث أحيانًا..." تمتم بها. أستطيع أن أتخيل تعابير وجهه العابسة، محاولًا شرح الأمر لنوح كي لا يُكثر من ا...

حين ندم طليقي (الفصل الثاني: آسف لخسارتك والدك)

 "يجب أن أذهب... هل يمكنك البقاء مع نوح؟ لا أعلم كم من الوقت سأمكث هناك"، قلتُ بشرود بينما كنت ألتقط حقيبتي. "بالطبع... سأأتي حالما أطلب من والدتي أن تأتي لتبقى معه"، أجاب روان، لكن صوته تلاشى وسط طنين أذنيّ. لم أعد أعي ما يدور حولي بينما ودّعتُ ابني وغادرت. ركبتُ السيارة، وبدأتُ القيادة نحو المستشفى، وذهني غارق تمامًا في الذكريات. لقد نشأتُ في جوّ من الإهمال العاطفي، إن صح التعبير. كنتُ الطفلة التي لم يُبالِ بها أحد من والديّ. كان والدي يفضّل أختي الكبرى، إيما. كان يناديها دائمًا "أميرتي"، و"فتاتي الصغيرة". أما والدتي، فكان ابنها المفضل هو أخي الأكبر، ترافيس. كانت تراه الفتى الوسيم المدلل لديها. وأنا؟ لم أكن مفضّلة لدى أحد. كنت فقط آڤا. دائمًا ما شعرت أنني غير مرغوبة. دخيلة. ليس فقط من قِبل والديّ، بل من إخوتي أيضًا. مهما فعلت—تحصيل دراسي جيد، رياضات، أنشطة مدرسية—كنت دائمًا أقف على الهامش. أنظر من الخارج إلى الداخل، وكأنني أراقب عائلة سعيدة لا أنتمي إليها. وبعد ما حدث قبل تسع سنوات، انقطعت تمامًا العلاقة الهشة التي كانت تربطني بعائلتي. ترافيس ب...

حين ندم طليقي (الفصل الرابع: محطمة كلياً)

 هل شعرت يومًا وكأن قلبك وُضع داخل مفرمة لحم؟ هذا تمامًا ما أشعر به الآن وأنا أنظر إليهما. أشعر وكأن قلبي تمزّق إلى قطع صغيرة. لو كان بإمكاني أن أنزع هذا العضو عديم الفائدة وأرميه بعيدًا، لفعلت. لأن الألم الذي ينهشني الآن لا يمكن تصوره. أردت أن أهرب. أن أُبعد نظري، لكنني لم أستطع. كانت عيناي ملتصقتين بهما، وكلما حاولت أن أُدير وجهي، شعرت وكأنهما التصقتا بهذا المشهد المُفعم بالحب أمامي. أراقبهما وهما ينفصلان عن بعضهما. عينا روان تلينان وهو يحدّق في حبّ حياته. أشاهده وهو يضع كفيه على وجهها، يقربها منه... لا يُقبّلها، فقط يُسند جبهته على جبهتها. يبدو... مسالمًا. وكأنه أخيرًا عاد إلى منزله بعد غيابٍ طويل. وكأن روحه اكتملت أخيرًا. "اشتقتُ إليكِ" قرأتُ الكلمات وهي تتكوّن على شفتيه. لم أرغب في تخيّل ما كان سيحدث بينهما لو التقيا في ظروف مختلفة... لو التقيا ونحن لا نزال متزوجين. هل كان ليخونني معها؟ جزء مني يريد أن يرفض هذا الاحتمال، لكنني لست واثقة. نحن نتحدث عن إيما. روان قد يذهب إلى الجحيم ويعود من أجلهَا. غير قادرة على تحمّل المزيد، وقفتُ واندفعتُ إلى الخارج. ما إن وصلتُ حتى بدأت...